محمد بن مفتاح.. إحياء ملحمة البعث الآدميّة

محمد بن مفتاح.. إحياء ملحمة البعث الآدميّة

من أعمال بن مفتاح

رسّام الشخوص المُرْهقة

في الواقع، يصعب علينا أحيانًا أن نقدّم تجربة فنّان ما في مجرّد أسطر مكتوبة، خاصة إذا كانت التجربة تعتمد أساسًا على عبقريّة التقنية البصريّة. تمامًا كالتجربة التي نحن بصددها للفنّان التونسي محمد بن مفتاح.

يواصل الفنان محمد بن مفتاح البحث في متاهات الشخوص المرسومة وتمثلات الأجساد المرهقة

"يبدأ الفن من قدرة اليد على التنفس" هكذا يبدأ محمد بن مفتاح حديثه معنا، وهي مقولة غريبة وسط واقع يسمى فيه كل شيء بالفن المعاصر. يؤكّد لنا أنّه حرص دائمًا على إتقان فنون الرسم الخطي الذي عرفناه مع رواد الفن الكلاسيكي وفن النهضة أمثال دورر وجون دومنيك إنغر وبيسارو و... محمد بن مفتاح صاحب اللوحات والمحفورات الأكثر صعوبة في التاريخ هو بصدد مواصلة البحث في متاهات الشخوص المرسومة وتمثلات الأجساد المرهقة.

اقرأ/ي أيضًا: ناصر حسين في زمنه المستعار

ربما لن يسعنا بأي مقياس من المقاييس استيفاء حق هذا الفنّان العبقري في نظرنا، نظرًا لتاريخه الحافل بالأعمال المتقنة في مجالي الحفر والرسم. حدّثنا محمد بن مفتاح عن بداياته ودراسته وسفره لطلب بهجة التعلّم. أسرّ لنا عن عشقه المطرد لنقل واستعادة الأعمال الشهيرة عن الفنّ الكلاسيكي، عن هوسه بآلبرشت دورر ومايكل أنجلو وليوناردو دافنشي وروبنس وغيرهم... أقرّ أنّ الفنّ بالنسبة إليه هو القدرة اللاّنهائيّة على التعلّم، ليس فحسب من طرق الآخرين ولكن "أن أتعلّم كيف أسكن في الرسم وأن تسكن فيّ من خلال إتقان التفاصيل الدقيقة وغير المرئيّة، بيني وبين الفنّ أسرار روحانيّة ركيزتها قدرتي التامة على إتقان الرسم".

الفنان التونسي محمد بن مفتاح

يهتم محمد بن مفتاح بجوهر الانعكاس المؤلم للحياة على شخوصه، يقول "لا أهتم بالمواضيع الوجوديّة في المطلق، كلّ المواضيع يمكن أن ترسم في التفاصيل الصغيرة والصعبة، انظري لكلّ الأيادي التي أرسمها وستكتشفين خشونة الحياة".. تعكس رسومات محمد بن مفتاح وجوهًا تسكنها المرارة والأحقاد، ووضعيات جسديّة من قلب شعوره التام بالانسحاق. يتفق رسامنا مع المفكر الفرنسي سارتر في فكرة "الإنسان المضطهد المجرّد من إنسانيته" إلاّ إنّ آلياتهما كانت مختلفة، ففي حين تحدّث سارتر في مقدمة كتاب "معذبو الأرض" عن المستعمر الذي لا يشبه الإنسان لأنه يعامل الشعب كدواب تمشي على الأرض. فإنّ محمد بن مفتاح يسلّط الضوء على كلّ التفاصيل التي تظهر معاناة الشخوص المرسومة: عيون شاخصة، أياد متجعدة وأجساد مُجهدة وبائسة.

يحدّثنا محمد بن مفتاح عن "جوعه الخارق" للرسم المتقن للأجساد ورفضه للمواضيع الفولكلوريّة. يقدّم رسومات للعماّل المُجهدين والآباء المحبين والشخوص المنفيّة والأطفال المَهْجُورين. "لا أحبّذ المواضيع الفولكلوريّة والتقليديّة، أحبّ رسم التفاصيل التي تعبّر عن الإنسانيّة وعن كلّ الشرور التي تتعرّض إليها البشريّة".

علامات من الذاكرة

يتحدّث محمّد بن مفتاح عن العلامات التي يستعملها بانتظام في لوحاته والتي تزيّن أجساد إناثه المرسومة، يقول: "إنّها علامات موجودة فينا، تخرج تلقائيًّا عند الرسم. تحمل ذاكرتنا العديد من العلامات والوشوم، لا يهم فعلًا أن تكون ذات أصول أمازيغيّة أو بربريّة، ما يهمّ أنّها تتزاوج مع ما نرسم لتثري المعنى". رسم محمد بن مفتاح الموتيفات والقرافيزمات على أجزاء من الأجساد، مطوّعًا بذلك ثنائية المرئي واللّامرئي. يسرد محمد بن مفتاح  باستمرار تلك القصّة الكونية ما بين البعث والاندثار. يؤكّد أنّ كلّ العلامات مطبوعة في ذوات البشر جميعًا وهي تخترق العوالم لتتحوّل إلى رموز في قراءات متجددة. لقد استطاع الزخرف أو العلامة أو الوشم هنا أن يخترق حجاب الجسد المخفي إلى نوع من الرمزية الكونية، متجاوزًا الظاهر إلى الماهية. "نحن أجزاء معاصرة من حيوات موغلة في القدم. وظيفة الفن هي إحياء ماضينا الذي لا نعلمه".

يقترب محمد بن مفتاح من حقيقة الجسد الموشوم عبر مطاردة التخيلات الجسمانية والجنسانيّة وتغليف الجسد العاري بالعلامات الدقيقة لتعريته أكثر فأكثر. هناك خوف من الكشف عن "سرّ الجسد الموطوء كثيرًا" وبأكثر من طريقة، والملعوب به كثيرًا أيضًا، ورغم ذلك، يُبقي على طابعه العذري تصويريّا وحكائيًّا ويقدّمه في صوره الأكثر شاعريّة. يستعين محمد بن مفتاح بالعديد من الغرافيزمات التي تزيّن زنود النساء وأطرافهنّ العارية. يصوّر لنا أحيانا مساحات هندسيّة متشابكة تحيلنا إلى تصوير جسد أنثويّ غريب وسورياليّ. يأخذنا الفنّان بزخارفه إلى شكل الأنثى القويّة: سيدة وحامية وساحرة ومتسلّطة ومستفزّة وفظيعة.

محمد بن مفتاح: نحن أجزاء معاصرة من حيوات موغلة في القدم. وظيفة الفن هي إحياء ماضينا الذي لا نعلمه

تتكلّم الأعضاء بلغة خاصّة لا تعبّر عنها الكلمة. تشير اليد وتلمّح، تفتح وتغلق، أعضاء الإشارات الرمزية كالعين واليدين والرأس، فالـتواصل عبر إستراتيجيّة المظهر يفترض قواعد معيّنة تحيل على هندسة الجسد ومحيطه الّلباسي وما يرتسم عليه من وشم وحنّاء وغيرهما. يتوغّل محمد بن مفتاح في رسم وتصوير التفاصيل الزخرفيّة الموازية لرسم أعضاء الجسد بدقّة ومبالغة أحيانًا. يؤكّد أنّ الوشم موصول بالجسد إذ "لا وجود لمواد نقيّة. هناك روح نقيّة" على حدّ تعبيره. أمّا فيما يخصّ زينة المرأة والجسد فتاريخ الفنّ هو أكثر ما يعبّر عن التحوّلات الحافلة لصورة الجسد، بدليل أنّ مجرّد التزيّن يعدّ من جانب المرأة دعوة للغواية ولعبتها الصامتة، فهو ذو بعد إيحائي واقتراحي واضح، "فالغواية الأنثويّة تمرّ أساسًا عبر المجال الجسدي الفيزيقي. وعبر قانون المظهر، ونادرًا ما تمرّ من خلال الكلام أو الرّوح... والغواية والصمت يترابطان منذ أصلهما الأسطوري الأوّل".

اقرأ/ي أيضًا: أبو غابي.. صوتٌ بنفاسة المخطوطات

صورة جسد أنثويّ مترف

تبدو الأجساد الأنثوية التي يرسمها محمد بن مفتاح، كائنات بين-بين أسطورية/ خيالية، أجساد تنتهي شكليًّا تشبه الأذيال المعقوفة، موشومة بقرافيزمات تذكّرنا بالخطيئة الكونية أو بتمثلاتها الشيطانية في شكل "الحيّة" الأسطورية، الثعبان بخصائصه المميزة من طول واستدارة وقدرة على الانبساط والتمدد والانتصاب وخاصية الدخول في الفجوات والغوص في الفتحات، والثعبان واضح الدلالة على الجنس وهي دلالة مسلّم بها خاصة في علم النفس التحليلي، فالحيّة تكون للذكر والأنثى، واشتقاق الحية من الحياة، غالبًا ما تبدّل جلدها، عملية الانسلاخ، رمزا لتجديد الشباب، رمز التيقظ.

يمعن محمد بن مفتاح في تأكيد الجانب الأيروسي للجسد الأنثوي، عبر جعله متعريًّا وشهوانيًّا. صورةً تؤصّل مبدأ الشرّ في الجسد وجانبه اللّحميّ المثير. يمارس فعل الجذب الافتتاني اللامنتهي من خلال العتبة الأكثر استشرافًا لحقيقة الجسد ألا وهي اللّحم، ذلك المغاير السالب فينا بوصفه الدنيويّ القابل للتحلّل والتفسّخ، وكأنّ رؤيته بمثابة تجلّي الدنيوي، وأنّ قراءة أحوال الجسد، وما هو عليه زمنيًّا وتبدّل الأحوال يتم من خلاله، وما فيه من نسب أنثويّة مبالغ فيها، وهنا يكون الانعطاف الأكثر خطورة حيث يصرّف الاسم بإحالته إلى الأنثى الحوائيّة الأصل تلك التي ارتكبت خطيئة الإغواء والسقوط. "والجمال من هنا وهو في تجلّيه الدنيويّ يتأصّل في الجسد الأنثوي في لحمها المُراعي بلمسة إبليسيّة. ولهذا كان الربط بين المرأة والدنيا، بينها وبين الجمال، بين اللّحم والأنوثة، بين الشيطان واللّحم". 

يعرض محمد بن مفتاح من خلال أجساده الأنثويّة إحياء معاصرًا لملحمة البعث الآدميّة. كان الميل الملحمي عنده تعبيرًا عن مزاج قد ظهر منذ وقت مبكر في جميع أعماله الفنيّة السابقة عبر نقل أهمّ أعمال رواد الفنّ الكلاسيكيّ ولاحقا التأثّر بالفنّ السوريالي عند سالفادور دالي. لقد قدّم محمد بن مفتاح صورة معاصرة للعنصر الملحمي، ضمن الهرم الذي دارت من خلاله فكرة الخطيئة الأصليّة "الخطر، الفناء والعذاب". يدخلنا إلى التاريخ في صور نعرفها من الذاكرة ونصغي إليها على أبواب الأسطورة الخياليّة، ونعيشها فعليًّا داخل جلالة المكان وقداسة الحضور السينوغرافيّ المدهش للأجساد. تعدّ الأجساد الأنثويّة الموشومة تفجيرًا للملحمة من التاريخ والأسطورة والميتافيزيقيا والخيال العجائبي غير الزمني، دون نزع صفة النبل والرهبة. 

يتعامل محمد بن مفتاح مع انطباعات شكليّة متكرّرة، موظّفة توظيفًا يبدو في تجلّياته التشكيلية إخصابًا وتوليدًا لصورة الأنثى الخارقة، فأن تكون الأنثى جليّة ومرئيّة في الصورة التي يرسمها الفنّان فذلك مثال حيّ لما يتخيّله وتقوله رغبته في لحظة البدء برسم وجه أنثويّ، أو جانب منه، أو جسد أنثويّ، وفي وضعيّة منه، فهو لا ينسى أن يمنح الجسد الأنثوي، تلك "النفحة الأنثويّة المداد اللاّمرئي، للمرسوم، وربما لأنّه، بالطريقة هذه، يستعيد توازنه، أي على أنّه ذكر، لا بل على أنّه مشبع بالشبقيّة" فالمرسوم في الجسد، هو طيف فنّان، هو وجهة نظره في الجسد كنموذج مُقترح.. في المُضمر جنسانيًّا، عندما يتلوى الجسد، يمتد أو يستلقي.

تعدّ الأجساد الأنثويّة الموشومة تفجيرًا للملحمة من التاريخ والأسطورة والميتافيزيقيا والخيال العجائبي

يحبّذ فناننا أن يرسم صورًا شعريّة/شاعريّة للأنثى، يرسم "المرأة" المتروكة أسفل أوراق الأشجار الكثيفة أو المتمرّغة على الأرض في مواضع غامضة، على صورة تلك الكائنات ذات الأجساد المنتفخة والخصائص المشتركة "ضخامة النّهد والأرداف".

اقرأ/ي أيضًا: دليلك لفهم تاريخ الفنّ في 4 كتب أساسيّة

ثمّة سيكولوجيا اجتماعيّة للأرداف باعتبارها تتمتع في الغالب بحظوة كبرى. تمنح الاستدارة الفخمة المتعة للعين كما تمنح الرغبة في الامتلاك، "امتلاك الجسد المرغوب فيه امتلاكًا خلال العمليّة الجنسيّة".

 

اقرأ/ي أيضًا:

الاقتباس في الفنّ التشكيليّ ورفع راية التأثّر

علي حمّود.. مخلوقات غارقة في العزلة