محاولة جادة وأخيرة للقلق حول مصير البشير!

محاولة جادة وأخيرة للقلق حول مصير البشير!

الحصار مطبقٌ على السودان، والبشير خائف من الملاحقة الجنائية (أ.ف.ب)

لعل الرئيس السوداني عمر البشير يفكر الآن وفي هذه الساعة تحديدًا في ليلة القدر، إذ كتب المقال ليلة أمس، دون أن ينغمس في النوم طالبًا العفو والمغفرة فقط، ربما لأن شيئاً ما حقيقيًا يؤرقه ويقض مضجعه، مثل شبح المحكمة الجنائية، ذلك الرباط الخانق المُستخدم بمكر لتمرير أجندة المجتمع الدولي، وسيحفزه دائما وأبداً للتمسك بالسُلطة، ما يعني وعلى نحو أكثر دقة، أن البشير سيخوض المعركة الانتخابية المقبلة في 2020، ليس لرغبة شعبية أو شخصية، ولكن للاستحواذ على أوراق اللعب السياسي، والدخول في تسوية جديدة تضمن له عدم الملاحقة الجنائية مستقبلاً.

يُرجح خوض البشير لانتخابات 2020 ليس لرغبة شخصية في السلطة بقدر ما هي محاولة لدخول تسوية تضمن عدم ملاحقته جنائيًا

المأزق الآن بالنسبة للرئيس البشير، ليس في شرعية الترشح، كونه استوفى حالياً مجمل فرصه الدستورية، فهذه مقدور عليها، بتصفير العداد الدستوري كالعادة، ولكن المأزق في الدعاية الانتخابية، المطلوبة عمليًا لاستمالة الجمهور، فلأول مرة تشعر بالبشير منزعجاً لما يود قوله كمبرر للترشح مجددًا، ودون أن يتوفر اليقين الكافِي لعبور الأزمة الاقتصادية، والدخول من باب مريح إلى العام المُقبل الذي سيسبق الانتخابات. يبدو أن كل الأبواب مغلقة!

اقرأ/ي أيضًا: لن يتنحى

 أما حديث وزير المالية والاقتصاد محمد عثمان الركابي، في البرلمان، عن تطاول أمد الأزمة وتجريب كل الحلول وتدحرج كرة الثلج؛ فهو كفيل بالقضاء على آخر بارقة أمل لدى أنصار البشير، ووضعهم في مواجهة عنيفة مع المجهول، لأن الناخبين هنا، في هذا البلد الأفريقي الكبير، لا يمكن أبداً أن يستسلموا إلى قدرية سياسية لا تزيح عن كاهلهم ثقل المعاناة وتؤذن لهم بالخلاص.

قياساً مع هذه الظروف، فإن أي خطوة سياسية يجب الإقدام عليها، تعتبر بمثابة مخاطرة، لا أقل من ذلك. ولكن كيف آلت الأمور إلى هذا الحد؟ لدرجة انسداد الأفق تمامًا في بلد غني بثرواته النفطية والمعدنية والأراضي الزراعية الرحبة، وتحوله إلى ضيعة فقيرة، تعجز عن سداد فاتورة استيراد الدواء والوقود؟

ولماذا تحجم وتشيح عنا دول مثل السعودية والإمارات، بسطت لهما الثقة والأيادي البيضاء من غير سوء، وتقاتل بلدنا إلى جانبهما في حرب عبثية بلا طائل؟ إنه لمن الغريب حقاً أن يتداعى شمل ذات الحلف لإنقاذ الأردن من ضائقة اقتصادية مماثلة، بينما تجاهل عن قصد السودان المتهافت نحوهم، والمطحون منذ أشهر، بلا صديق يطمئن القلب، ويضمد جراح الدولة ويواسي حكومة الحوار الوطني؟! 

ثمة حصار على السودان بالفعل تشارك فيه الولايات المتحدة من جهة والسعودية والإمارات ومصر من جهة أخرى، لدرجة منع تحويلات السودانيين المُغربين عبر القنوات المصرفية. وذلك الحصار المضروب يحاول المساومة على مواقف سياسية، الدعم وإنقاذ السودان مقابل قطع العلاقة مع قطر وطرد تركيا من سواكن والإقبال على إسرائيل، وفي خطوة لاحقة إنهاء خدمات الإسلاميين، مرة وللأبد.

ثمة حصار حقيقي مفروض على السودان من أمريكا والسعودية والإمارات، للمساومة على المواقف السياسية وقطع العلاقات مع قطر وتركيا

الولايات المتحدة وبعد اقتناع بأن النظام أُرهق لدرجة أكل شعاراته الثورية كما تأكل البهائم التبن، والقبول بأي إغاثة وتقليص البعثات الدبلوماسية، تريد من القوى السياسية المعارضة عمومًا، الدخول في منازلة انتخابية تضمن لها أصوات الناخبين، وكعكة هائلة من تنازلات الحزب الحاكم، والضغط بشدة لإنقاذ تصوراتهم لدولة جنوب السودان، وعزل الخرطوم من حلفها القديم الممانع، وهذا يعني أن النظام في مفترق طرق، لا يوجد وصف أقرب من ذلك.

اقرأ/ي أيضًا: "حب من طرف واحد".. لماذا لا يزور ملوك السعودية السودان؟

صحيح ما من أحدٍ يمتلك الحقيقة، على نحوٍ أخيرٍ وكامل ونهائي، ولكن المِزاج العام بات أقرب للمعارضة عموماً في كل أنحاء السودان، كما أن أحاديث تفشي الفساد بصورة دائمة ومتكررة بات يرددها رجل الشارع العادي، وأفلحت في خلق شرخ فادح، وآراء سالبة يصعب غسلها من الأذهان، ولذا انتهى الحال بالحكومة إلى البحث عن أي وريد خارجي يضمن لها تغذية سريعة ومُنقذة.

بالعودة لإنقاذ الأردن وتجاهل السودان، ثمة مقابلة أجراها الملك عبدالله الثاني مع الصحفي الألماني جيفري غولدبيرغ قبل أعوام، ونشرتها مجلة "ذي أتلانتيك"، قال فيها بصراحة: "إن عصر الملكيات بدا ينقضي، لكن عائلته لم تدرك ذلك". واليوم تريد منه السعودية والإمارات منع الإسلاميين من الحصول على السلطة، والتواطؤ لتمرير صفقة القرن، وحراسة البوابة الصهيونية، بينما هو في حالة استسلام متأخر، ويعلم أن المعركة أكبر من طاقته.

لكن نفس الدول التي دعمت عبدالله الثاني في محاولة للحفاظ على رمزية النظام الملكي تقريبًا، وضمان عدم اشتعال جذوة الربيع العربي؛ تسعى وبشراسة للقضاء على الإسلاميين في السودان، وقد أعملوا كل أدواتهم، دون أن تقدم الخرطوم على خطوة مماثلة، مثل سحب الجيش السوداني من حرب اليمن، فماذا سيخسر البشير من عداء دول تناصبه العداء بالأساس؟ لا أحد يعرف فيما تفكر الخرطوم، ولكن يبدو أن البشير أدرك وتيقن أن الخروج من ذلك الحلف وقطع شعرة معاوية، سيجعل السعودية والإمارات تعملان معاً على على هدف واحد: إسقاط النظام، وهو ليس لديه مناعة كافية للمقاومة أكثر.

صحيح أن البشير قلق على مصيره، وكثيرون قلقون على البلاد، ولهذا السبب لم يعد أمامه من سبيل سوى الرهان على الإسلاميين، فبدا وكأنه تخلى مؤخرًا عن فكرة حل الحركة الإسلامية بعيد أن لوح بها دونما مرة، كما أن الحرب على الفساد والإجهاز على القطط السمان، لم ولن تؤتي أكلها بعد وهي مؤقتة وعابرة، وتحاول تخليق شرعية لخوض الانتخابات، فقط لا أكثر.

ولربما يتساءل البعض كيف تمكن البشير من السلطة لنحو ثلاثين عاماً؟ وهل يستطيع أن يقدم فيها أكثر مما قدم؟ وهنا تختلف الإجابة من شخص لآخر بخصوص ما يمكن أن يقدمه، لكنك لن تتجاهل ميزة أنه يستمد قوته من المؤسسة العسكرية، ولذلك فشلت كل محاولات التآمر والانقلاب عليه.

يُشهر أنصار البشير دائمًا سؤال "من البديل؟"، رغم أنه، وبعد ثلاثين عامًا، أصبح مثارًا للسخرية والتندر

ولا يكفي القلق حول المستقبل داخل المؤسسة الأمنية بالنسبة لأنصاره كمبرر للتجريب والمغامرة بآي مرشح أخر مهما كان وزنه، فهم على الدوام يشهرون سؤال "البديل منو؟" وينافحون عن البشير بالخوف من المجهول، رغم أن سؤال البديل نفسه أصبح اليوم وبعد 30 عاماً مثاراً للسخرية والتندر.

 

اقرأ/ي أيضًا:

لماذا لا يسقط النظام في السودان؟ (3-3)

السودان في المؤشر العربي.. إيمان بالديمقراطية وأولوية للقضية الفلسطينية