لو خرج حتى ثلثا الشعب فهل سيتغير موقف البشير؟ (Getty)

في حواره مع قناة سكاي نيوز عربية، الأربعاء الثاني من كانون الأول/ديسمبر 2015، صرَّح الرئيس السوداني عمر البشير، بأنه سيتنحى، حال خرج الشعب عليه، مثلما حدث في تونس ومصر واليمن! من قبل، في حوار منشور في صحيفة الراية القطرية، أعلن البشير أنه لن يترشح للرئاسة في العام 2015، إلا أنه عاد وترشح وفاز -كالعادة- بدورة جديدة على كرسي الحكم الذي يجلس عليه منذ ستة وعشرين عامًا، وهو ما يعطي مؤشرًا عن نوع وعود الرجل ومدى التزامه بها.

لن يتنحى البشير إلا جبرًا، بفعل أمنا الطبيعة أو بغيرها، كلنا نعرف هذا

وبالعودة إلى موضوع خروج الشعب على البشير، فثمة تاريخ طويل من الخروجات الجادة، كان آخرها الهبة الشعبية في أيلول/سبتمبر عام 2013 التي تابع العالم كيف قُمعت بالرصاص الحي مباشرة، ليسقط مئات القتلى الذين غسلت الحكومة يديها من دمائهم وتنكر قتلهم حتى اليوم.

إن تصريح البشير المذكور، ليس دعوة للخروج عليه بالطبع، بل هو فقط في أحسن الفروض، محاولة ليست ذكية لادعاء شرعية شعبية حملته إلى الحكم، أو هي محاولة مجانية منه للبس لبوس السامع لشعبه والمهتم بما يريد، وهي صورة هزلية تلك التي يحاول رسمها هنا، حين مقارنتها بتعاطي الرجل مع شعبه طوال ربع القرن الماضي، لذا لن يصلح النظر إليها خارج المحاولات الإعلامية لرسم حدود التحالفات الدولية.

رأينا كيف يتشبث الحكام في إقليمَيْنا، الأفريقي والعربي، بكرسي الحكم حتى الممات، فما الذي يجعل البشير مختلفًا عنهم، وهو من التصق بالحكم عمرًا كاملًا، متمتعًا بسلطة مطلقة وإن حاول -خجلًا، ربما- تغطيتها أحيانًا ببعض مساحيق التجميل؟ إن مغازلته للذاكرة المحلية بهذا التصريح، محاولًا الاقتراب من الصورة الشعبية للفريق عبود، كمتنحٍّ برغبة الشعب، لا أظنها –المغازلة- تفلح في تغيير المزاج الضجر من بقاء الرجل وحزبه على عاتق السودان لكل هـذه المدة، ففي النهاية لم يُعرف عن البشير وفاؤه بعهوده في شأن السلطة إلا فيما ندر.

لذا كانت السخرية التي أثارها حوار سكاي نيوز عربية مع البشير، في مواقع التواصل الاجتماعي، أقرب إلى ضحكات المشاهدين في مسرحية طريفة بطلها الرجل، وهو يتعامل في خطابه "الدعائي" مع الموضوعات التي تهم السودانيين، بسذاجة وافتقار إلى الحساسية حين يتحدث عن أمور يصعب الكذب فيها والتجمُّل.

لن يتنحى البشير إلا جبرًا، بفعل أمنا الطبيعة أو بغيرها، كلنا نعرف هذا، فهو من نوع الحكام الذين "ينزلون عند رغبة الجماهير التي تطالب بهم" وفق المبرر الشهير لكل من يصعب عليه الفطام من حليب السلطة. فبعد كل هذه السنوات فوق رقاب الخلق، يقترب البشير أكثر من نموذج "علي عبد الله صالح"، الذي لا يبعد كثيرًا من نموذج فرعون القرآني "لا أريكم إلا ما أرى..". وأنا على يقين الآن أنه يصعب عليه تخيل السودان من غيره وهو من اجتهد ليجعل السودان هو، وهو السودان.

فلنتخيل أن مئات الآلاف من السودانين خرجوا ليقولوا لرئيسهم "ارحل"، فهل الأقرب لمنطق الأشياء وسياقها أن يتنحى الرجل، أم سيقول إنهم قلة وثمة ملايين لم تخرج فهي إذن تريده؟ ولو خرج حتى ثلثا الشعب فهل سيتغير موقف البشير؟ لا أظن، بل أكاد أجزم أنه لو خرج السودان على بكرة أبيه لقذف الرجل إلى الجموع بالعبارة الأشهر: "من أنتم؟".

اقرأ/ي أيضًا:

اختراع العدو

لماذا شجّع السودانيون الجزائر؟