الشرطة الجزائرية تفض مظاهرة للمطالبين بعدالة الأجور (Getty)

يقول المثل الشعبي الجزائري "مهبول ويعرف باب داره"، دلالة على أنّ المجنون الذي نعتقد كونه مبرمجًا على الغفلة عن عالمنا، يعرف في النهاية أين يذهب ومن أين يجيء، فكيف بالعاقل الذي لا يعرف ذلك؟ هل يحقّ له أن يحتفظ بصفة "عاقل"؟

تذكّرت هذا المثل، وأنا ألتقي إنسانًا في سوق شعبي يوحي مظهره والسلعة التي يبيع، بأنه بالكاد يُلمّ بتفاصيل السّوق الذي يبيع فيه أحذية قديمة، فإذا به ملمّ بتفاصيل البلاد كلّها، وله في كلّ تفصيل تفاصيلُ وآراء وتحليلات ومواقفُ مدوّخة، تجعلك تراجع حسابك معه فورًا، وتنصت إليه لتستفيد من عمقه.

ما معنى أن تذهب إلى أيّ بنك من البنوك، أكثر القطاعات التي تتجلّى فيها الحداثة، فتجد نفسك ملزمًا بأن تتعامل مع القلم والأوراق

يقول صاحبنا: "ما أعمق سطحية الجزائريين، يحتقرونني لأنني أبيع الحذاء القديم، وينسون أن بلادهم كلّها مسيّرة من طرف وجوه قديمة، بأساليبَ ورؤى قديمةٍ، حتى أن ترتيب البلاد عالميًا في كثير من القطاعات يأتي في المؤخرة، لأن هذه الوجوه ترفض تحديث البرامج والأساليب، كي تبقى على قيد الفهم. هل رأيت شيخًا عجوزًا يستعمل هاتفًا ذكيًا؟ إنه يرفض تحديث هاتفه، ويُصرّ على استعمال هاتف بسيط، لأنه لا يملك القدرة على أن يتعامل مع المعطيات الجديدة. ونظامنا السّياسي والاقتصادي يعمل بهذا المنطق.

ما معنى أن تذهب إلى أيّ بنك من البنوك، أكثر القطاعات التي تتجلّى فيها الحداثة، فتجد نفسك ملزمًا بأن تتعامل مع القلم والأوراق، في الوقت الذي بات فيه معظم العالم يسوّي حاجاته البنكية في البيوت عبر الإنترنت؟ حتى أن مصالحنا تتعطّل خلال نهاية الأسبوع لأن هذه البنوك لا تعمل.

اقرأ/ي أيضًا: الصحافة الجزائرية تودع أحد رجال الجيل الذهبي

اسمع يا ولدي، يكذب عليك من يقول إن نظامنا متأثر بالنظام الفرنسي. إننا لا نشبه الفرنسيين في شيء، ففي الوقت الذي وجد فيه رئيسهم الشجاعة على أن يزهد في الترشّح لعهدة ثانية، معترفًا بفشله في تسيير كثير من الملفات، ها هي الأبواق عندنا شرعت في الترويج لعهدة خامسة للرئيس بوتفليقة، "لأنه نجح في تسيير جميع الملفات"، مع علمنا بالفارق الصّحي بين الرّجلين، وعلمنا بأننا لا نزال، بعد ستة عشر عامًا من الدعم الفلاحي، نستورد الثوم والبصل والبطاطا من الخارج.

تسألني عن المعارضة؟ إنها الوجه الآخر للعملة الفاسدة. هل رأيت ضرّتين لا يكفّان عن الشجار وتبادل التهم والشتائم؟ إنهما يصبحان حليفتين في الحالات التي يتعرّض فيها الزوج إلى الخطر، لأن استمرارهما مربوط باستمراره. أقسم أن المعارضة عندنا ستنتشل النظام من الزوال إن هي أحسّت بدنوّ زواله، ذلك أنها ثمرة لفساده لا لتطلّعات الشعب، وهي مقتنعة في العمق بأنها لن تجد نظامًا يكفل استمرارها مثل هذا النظام، تمامًا مثل اقتناع النظام بأنه لن يجد معارضة رائعة مثل هذه.

تسألني عن المعارضة؟ إنها الوجه الآخر للعملة الفاسدة. هل رأيت ضرّتين لا يكفّان عن الشجار وتبادل التهم والشتائم؟

هل سمعت بأن السيد موسى تواتي رئيس "الجبهة الوطنية الجزائرية" والمترشّح الرئاسي السابق مضرب عن الطعام منذ أيام؟ هل فعل ذلك لأن الرئاسة الحالية أغلقت المجال السّياسي؟ أو لأنها عدّلت الدستور لتضمن عهدات مفتوحة للرئيس الحالي؟ أو لأن التزوير هو الذي أثمر البرلمان القائم لا الإرادة الشعبية؟ إنه يفعل ذلك لأن الوالي صادر شطرًا من إحدى ملكياته الخاصّة باسم الحق العام.

لم أجد أمام ذكاء الرجل، إلا أن أتعاطف معه بشراء حذاء منه، ثم اكتشفت، بعد أن وصلت إلى البيت، أنني لا أستطيع أن أستفيد منه، لأنه حذاء مستعمل وقديم، فشرعت أضحك عميقًا، لأنني وجدت الأمر شبيهًا بالسّياسات الاقتصادية والقانونية والتربوية القديمة التي تستوردها السلطة من الخارج باسم الإصلاحات، لنجد أنفسنا غارقين من جديد في إصلاح الإصلاح.

اقرأ/ي أيضًا:
ذعر في أوساط مرضى السكري في الجزائر.. ما السبب؟
فيلم "البئر".. هل يمنح الجزائريين أوسكار؟