من يربح كيس الحليب في الجزائر؟

من يربح كيس الحليب في الجزائر؟

رجل يحمل أكياس بلاستيكية بسوق قباء بالجزائر (Getty)

شخصيًا لا أحبّ حليب الأكياس، ومثل أفراد عائلتي الصغيرة جدًّا لا أشربه، حتى أني لم أحسّ بندرته في السوق مؤخرًا، ولولا فضولي الذي دفعني إلى أن أسأل عن طبيعة الطوابير التي بتّ أراها أمام المحالّ الموزعة له، لما عرفت أن هناك أزمة حليب في الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، خاصّة أني لم أعد أقرأ الجرائد عمومية كانت أم خاصة.

لم أنتبه إلى أن هناك إنسانًا جزائريًا ظلّ يعاني منذ نصف شهر انسحابَ مادة ضرورية من مائدته، وإن حضرتْ فبشق الكيس والنفس، وهنا لا تلموني على تحريف العبارة المتوارثة بإضافة الكيس للنفس، لأنه ـ أعني الكيس ـ فرض نفسه، فباتت له أهمية لا تقلّ عن أهمية النفس، حتى أنه بات جائزًا لنا أن نقول إن من تدبّر كيس حليب فقد أحيا نفسًا. أحيانًا تقفز بعض الأمور التي كنا نراها تافهة إلى مستوى من الأهمية والاهتمام لا يخطر على البال.

ومن المعروف أن لكل أزمة إنتاجها من القيم والسلوكات والظواهر، فيها السلبي وفيها الإيجابي، لذلك فقد رحت ـ بعد أن اكتشفت أن هناك أزمة حقيقية في مادة الحليب المعروف علميًا بأنه غذاء كامل، وجزائريًا في بعض المستويات الشعبية بأنه غذاء وحيد والفرق واضح طبعًا ـ أتأمّل بعض السلوكات التي أنتجتها هذه الأزمة.

لكل أزمة إنتاجها من السلوكات والظواهر، أطرف هذه السلوكات مع أزمة الحليب أن المساجد الجزائرية لم تعد تعاني خلوها أثناء صلاة الفجر

أطرف هذه السلوكات أن المساجد الجزائرية لم تعد تعاني خلوّ صفوفها من المصلين أثناء صلاة الفجر، حتى أن إمامًا في شرق العاصمة خصّص خطبة إحدى الجمعات لهذا الإقبال الذي راح يعطيه أكثر من دلالة، منها أن الجزائري بدأ يتصالح مع ربه بعد أن تصالح مع ذاته، والأكيد ـ أضاف الإمام الذكي ـ أن الإنسان حين يصالح ذاته يصل بالضرورة إلى المصالحة مع الذات العليا التي ترجع إليها الأمور.

اقرأ/ي أيضًا: موت آلاء.. الصحة الجزائرية في قفص الاتهام

فقام شاب قائلًا للإمام: يا شيخ.. إن هؤلاء الذين باتوا يأتون إلى صلاة الفجر بكّروا أصلًا من أجل طوابير الحليب، فلم يجد الإمام ما يقول للشاب وقد نسف خطبته من أساسها سوى: "اخرجْ من المسجد.. فقد بطلتْ جمعتك، لأنك تكلمت أثناء إلقاء الخطبة، ومن تكلم فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له".

لا أحد ينكر روح الدعابة التي بات يتمتّع بها الشاب الجزائري اليوم، رغم أنه خرّيج زمن العنف، والأمر يحتاج إلى دراسة معمقة في هذا الخصوص، وقد حضرتُ مجلسًا لمجموعة من الشباب لعب فيه أحدُهم دورَ الصحفي الذي ينشّط حصّة "من يربح المليون"، بحيث يطرح سؤالًا على المشاركين، والذي يجيب صحيحًا يتحصّل على كيس حليب من غير طابور أو وسيط، كان عنوان الحصة: "من يربح كيس الحليب؟"، وقد كان السؤال المعجز: "ما لون الحليب؟"، ولأن المشاركين جزائريون، فقد مثّلوا أنهم نسوا لون الحليب لطول فترة ندرته في السوق.

قال الأول: أظن أن لونه أحمر قياسًا على لون الدم الذي سال من ركبتيّ حين سقطت في الطابور، وقال الثاني: أفضل الاستعانة بصديقي عن طريق الهاتف: ألو.. موح.. معك حصة من يربح كيس الحليب، والسؤال هو ما لون الحليب؟ تلعثم موح في الهاتف وقال لصاحبه: تعلم أنني لم أشارك في الثورة التحريرية حيث كان الحليب متوفرًا للثوّار في الجبال، أما اليوم حيث أعيش فهو مقطوع منذ مدة، وأنا لا أذكر لونه، فلم يجد الشاب المشارك بدًّا من المغامرة بأن اختار من الألوان المقترحة عليه من طرف المنشط اللونَ الأسود.

اقرأ/ي أيضًا:
الجزائر..الإسلاميون يبحثون عن حلفاء في الانتخابات
معرض الجزائر للكتاب.. كأن شيئًا ينقص