07-سبتمبر-2023
النشطاء بعد إغلاق مقرب البعث في السويداء

النشطاء بعد إغلاق مقرب البعث في السويداء

قبل أيام، ذكّرنا متظاهرو السويداء أن البعث ما زال يحكم البلاد، ولو اسميًّا، وأنه لم يتلاشَ كريحٍ أطلقها نسرٌ في سماء سوريا الملبدة بطائرات الأجانب. عندما أغلقوا غاضبين مقر الحزب في مدينتهم، في حركة أظنهم يعلمون أنها "فشة خلق" رمزية لمكان رمزي بدأت إحالته إلى التقاعد تدريجيًّا منذ تسلم بشار الأسد السلطة سنة 2000. ليتوقف مع مرور التغيرات علم البعث عن الرفرفة إلى جانب العلم الوطني مثلما فعلا معًا لعقود.

عام 2011، خرج إلى الشوارع ملايين البعثيين، أقلّه بعثيون على الورق، وراحوا يطالبون بإسقاط النظام. اقرعبّ البعث في مكانه من القهر ناظرًا إلى فوق يتوسل مكانة له ظنها موجودة عند الرئيس، الذي كان مشغولًا وخائفًا يتلفت حوله حائرًا لا وقت لديه لمراعاة المشاعر ومداراة إرث الآباء، فالعاصفة عاتية وتحتاج حلفاء وجيشًا وميليشيات ولا يمكن عبورها بقارب مثقوب.

وهكذا نُحّيَ الحزب جانبًا، أو للدقة حُشر داخلًا عبر منحه دورًا هامشيًّا ومعنويًّا ورديفًا للغاية. فلمّا توزعت الحواجز والنقاط العسكرية بين البلدات والقرى والأحياء، حرص النظام على وضع جنود مؤهلين للحرب والقتال في المناطق الثائرة أو حولها، أما حواجز التفتيش في قلب المناطق ذات الأغلبية الموالية أو المحايدة أو الصامتة، فسلّمها لميليشيات عدة، منها "كتائب البعث".

كتائب البعث، مجموعات قوامها بعثيون يلبسون بدلات مموهة وأحذية رياضية، متوسط أعمارهم قد يصل الخمسين، منهم موظفون في البلديات والإرشاديات الزراعية والإسكان العسكري

وكتائب البعث، مجموعات قوامها بعثيون يلبسون بدلات مموهة وأحذية رياضية، متوسط أعمارهم قد يصل الخمسين، منهم موظفون في البلديات والإرشاديات الزراعية والإسكان العسكري، وبعضهم ضباط وصف ضباط افتتحوا بعد تقاعدهم مكاتب عقارية في العشوائيات. ومنهم مدرّسون سابقون لمادة التربية العسكرية قبل أن تُلغى ويُستبدل اللباس المدرسي الخاكي بزيّ أزرق يعكس التفاؤل بالقيادة الجديدة، فأصبحوا موجّهين وأمناء سر ومخابر ومكتبات، وبشكل أساسي معلّمين لمادة المعلوماتية التي استُحدثت بناء على توصيات قائد مسيرة التطوير والتحديث. مهمّة هؤلاء حُصرت في استخدام نظراتهم البوليسية في تفتيش "الغرباء" والسيارات المشبوهة والأكياس المربوطة والحقائب المغلقة، بهدف إحباط المخططات الإرهابية.

ولأنّ لديهم الوقت والأمان النسبي رشوا الماء عند العصر حول حواجزهم المزيّنة بأصائص الورد والأعلام الجديدة وصور الرئيس العملاقة، على عكس حواجز الجند المتطوعين أو الاحتياط أو الذين احتفظ بهم الجيش عقب إنهاء خدمتهم الإلزامية، فبدت الأعلام على حواجزهم إن وُجدت باهتة ومتآكلة، يقفون بمحاذاة الموت ويُحيطون أنفسهم بأكياس الرمل وأكوام الأنقاض وإطارات السيارات التالفة.

طُعّمت كتائب البعث بشبان اختاروا الالتزام بحضور الاجتماعات الحزبية منذ أيام المدرسة، فحازوا الثناء والوعود وبطاقة العضو العامل. انحدر هذا الفقس الجديد من طبقة الطلاب ذوي المستوى الدراسي المتوسط، الذين كانوا يفرحون بكلمات (مهذب ومجدّ) في خانة الملاحظات داخل الجلاء المدرسي، وقد تربوا على طاعة الأستاذ ومدير المدرسة ورب العمل والسيد الرئيس، لكن عُودهم لم يكن قاسيًا إلى درجة الاندفاع للقتال على خطوط النار، فناسبهم الانضمام إلى كتائب البعث وممارسة التفتيش أثناء شرب الشاي والمتة بعد العودة من أعمالهم اليومية.

تقلص دور البعث كسلطة داخل الدولة، فبقي أكثر بقليل من بضع شعرات سُرّحت بشكل جانبي على صلعة أمين فرقة حزبية يعي أنّه بات مجرد حالة احتفالية مستمرة بالقيادة الحكيمة، ومبرر وجوده مرتبط بالدرجة الأولى بمقدار تعبيره عن الدهشة من عبقريتها. لكنه حين يستلقي في السرير، أو يشرد في الحمّام، أو يقف متعبًا في باص النقل الداخلي المكتظ، يتذكر دور البعثيين الحربي في الثمانينيات ضد الإخوان المسلمين، ونفوذهم الذي لم يقلّ في مواضع كثيرة عن سلطة المخابرات.