مآسينا التي تزداد وضوحًا

مآسينا التي تزداد وضوحًا

لاجئ يركض عند سياج (Getty)

الذين تصنعهم الحروب والهجرات ينتمون الى عالم موجع يتشكل بالعزلات، وبالانسلاخ والاندماج وتدمير الأماكن الأولى. يعيشون عزلاتهم هذه في الذاكرة فقط. وهذا التذكر هو طوق النجاة الوحيد المتاح، حيث إن الحاضر راهن يتمدد دون أن يتمخض مستقبلًا، فالإتاحة "لنصير" غير متوفرة في عالمنا اليوم. نبارح ما كنا عليه مرتهنين في طيات الذاكرة لنعيش. وفي هذا ما يشبه الإقامة الدائمة في الأرشيف، كصور غير متكاملة لذاتنا وأماكننا، ونظل أسرى لحظة ممتدة طويلة لا تتحول.

الذين تصنعهم الحروب والهجرات ينتمون الى عالم موجع يتشكل بالعزلات، وبالانسلاخ والاندماج وتدمير الأماكن الأولى

هذا النفي القسري للعودة والإقامة في أماكننا التي ولدنا فيها، يترادف مع تقدم تكنولوجي يصنع تكثيفًا افتراضيًا لتشتتنا هذا. ففي هذا العالم الرقمي المتكاثر، تنقش التكنولوجيا (inscription) حياتنا آثارًا ولمحات رقمية على الخوادم المنظِّمة للإنترنت، وتحيلنا إلى مواد أرشيفية متاحة على الشبكة. وفي هذا تُشكِل هذه الآثار ظلالا رقمية لحياتنا في هويات مبعثرة غير مكتملة، وتحيلنا إلى نثرات أحادية يُجانسها مع غيرها سياسات العرض والطلب في بواطن الخوارزميات. وهذه الإقامة الجبرية في الافتراضي التقني هو ما يفتت تشكل الوقت، ويعوق تشكلنا إلى ما يمكن أن نصير.

اقرأ/ي أيضًا: أيديولوجيات جديدة

غير أن ما وصلت إليه الشبكة الرقمية منذ تسعينات القرن الماضي، كان في مجمله، إتاحة عشوائية لآثارنا، ويمكن القول، أيضًا، إنها إتاحة غير مترابطة لهوياتنا الرقمية الموازية. نحن نوجد في سياقات ومعلومات يتيحها مالكو الخوادم، تخضع لقانون النسخ والتعديل، كما تندرج تحت سلطة سياسات خاصة ومستقلة عن إرادتنا في التواجد هناك، بالرغم من قوانين الحماية الشخصية والسيطرة المحلية على المحتوى (Localisation) التي تنشط مناقشاتها في أروقة برلمانات الدول الكبرى. وهذه الإتاحة هي إلى حد بعيد إتاحة غير متناسقة. أي أننا نتواجد شذرًا أو اعتباطًا في عمليات رياضية غير متزامنة تُحتسب وتُعرض تبعًا لسياسات الاستخدام الخاصة بمالكي الخوادم.

يبدو أن الفضاء الهوياتي المفتت والهش هذا، يتجه إلى تراجع مقابل بزوغ تقنيات البلوك تشاين (النقش التشفيري الموزع) المبنية على سمة الأصالة. فصعود التطبيقات الجديدة التي تفرزها هذه التكنولوجيا كالرموز التشفيرية الأصيلة (NFT) غير القابلة للنسخ والاستبدال، ستتيح تتبع آثارنا الرقمية في لحظة النقش هذه على جميع الخوادم المشفرة المُشَكِلة للشبكة بتوازٍ فوري وتزامن مطبق، خلافا لنظام الإنترنت اللامتزامن وفاقد الأصالة. هذه الإتاحة التقنية الجديدة تؤسس لإمكانية صناعة وقت عام موحد وأصيل للأحداث وتكوين صلب للمساحة الهوياتية محمي من التفتت والضياع.

ما وصلت إليه الشبكة الرقمية، كان في مجمله، إتاحة عشوائية لآثارنا، ويمكن القول، أيضًا، إنها إتاحة غير مترابطة لهوياتنا الرقمية الموازية

ولكن هل يمكن لهذه الأصالة الرقمية المؤرشفة أن تغير نظرة العالم إلى المآسي؟ هل يمكنها أن تظهر الموت والأسى في وقت عام يتأثر فيه القاصي والداني، ويحفز العالم على التضامن مع الضحايا ويمنع موتهم أو تشريدهم؟ هل يبني هذا العالم الجديد الرصين مكانًا حاضنا للانسلاخ والتشرد؟

اقرأ/ي أيضًا: التاريخ بتنورة قصيرة

منذ بضعة أعوام، نشرت وجون ريتش مقالًا يتمحور حول مأساة السوريين. أنا كتبت عن ضياع حياتهم قسرًا بين الإقامة في أرشيف النظام وحزب البعث وانتقالهم إلى أرشيف غوغل ويوتيوب إبان ثورتهم على النظام، وجون كتب عن رؤية العالم للسوريين يموتون وهم يوثقون موتهم دون أن يتحرك لنجدتهم. أرشيف السوريين ما زال موجودًا، والآن يمكننا أن نضيف علية أرشيف اللبنانيين الراهن في استكماله، وكذلك أرشيف العراقيين واليمنيين، وربما شعوب أخرى ستدخل في دوامة الأسى هذه. والأرجح أن موضوعات تلك المحن وحيوات الأفراد المعرضين لها ومآسيهم وصراخهم سيكون مسجلًا بدقة ومنقوشًا ومشفرًا بأمانة تامة. البلوك تشاين ستتيح (نظريًا حتى الآن) إنشاء هويات كاملة وناجزة وتدوينها وحفظها، كما ستتيح صناعة ذاكرة عامة موثقة غير قابلة للنقض والاختصار، ومنقوشة على جميع خوادم الشبكة. إنما، ورغم هذه الأمانة المطلقة، فإن عين العالم قد لا تمر على هذه المآسي إلا عرضا ومن دون حماسة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

اللجوء الكبير .. جسر بين ضفتي المتوسط

الثورات المستحيلة