أيديولوجيات جديدة

أيديولوجيات جديدة

قرود تحتل الشارع في مدينة لوب بوري في تايلاند (Getty)

هل أثق بالعلم؟ كما أثق بصديق أو حبيبة. العلم أيضًا "كائن" يخون. مع ذلك، ليس هناك قوة في الأرض قادرة على جعلي أتمرد على قوانينه. الأمثلة التي تجول في رأسي حول خيانة العلم كثيرة ولا تحصى. ذات يوم كان الأطباء يصفون الهيرويين لمعالجة السعال. إنما ورغم كل هذا الانحراف، ولأسباب لا يمكن حصرها بسهولة، يستطيع العلم أن يغير قواعده من دون أن يفقد سلطته. الصدق وتوخي الدقة ليسا أمرين ضروريين ليكتسب العلم سلطته. يكفي الادعاء بأن العالم مختص، وأن اختصاصه يخوله الاطلاع على حالات لا تحصى تشبه حالتي، بعضها عولج بنجاح وبعضها لم يحالفه الحظ، لأمنحه سلطة مطلقة. وليس علي إلا أن أثق بما يقوله الاختصاصيون وأسلم لهم نفسي وطباعي وجسمي ومستقبلي. العالم يفقد صفته حقًا حين يكون عالمًا بكل شيء. ثمة علماء يبنون الجسور ولا يصح أن نكلفهم بمعالجة الربو. وثمة علماء يرسلون أقمارًا صناعية إلى الفضاء، وعلينا أن نحذر من تكليفهم بمعالجة المرضى النفسيين. فما أن تتعدد المواهب حتى يفقد العلم سلطته. واقع الأمر أن العلم في جوهره هو نتاج عمليات إحصائية ومحاولة التوصل إلى نتائج من خلالها.

بنت الحداثة مفاهيمها على قاعدة أن الجماعة البشرية تقوم بوظيفة مهندس الطبيعة، تقتلع الأعشاب الضارة وتقتل الحيوانات المفترسة، وتشق الطرق في الغابات، ليتسنى للاجتماع البشري أن يستقر

هذه توطئة طويلة للحديث عن أمور مختلفة عن علاقتنا بالعلم وخضوعنا لسلطته. لكنها بمعنى ما ضرورية جدًا. وهي توطئة تحاول الاحتجاج بالعلم ضد العلم. والأرجح أن هذا الاحتجاج سينتهي بخسارة ككل الخسارات السابقة. إنما مع ذلك يجدر بي أن أحاول.

اقرأ/ي أيضًا: التاريخ بتنورة قصيرة

لأفترض أن الدب القطبي طور مهارات وذكاء يخولانه أن يصنع هاتفًا محمولًا وبندقية لايزر. هل كان سيحاول المحافظة على التنوع البيئي؟ وهل كان سيصر على العيش جائعًا في الصحاري الثلجية، أم أنه كان سيفضل لوس أنجلس على ألاسكا؟ ثم وهذا هو الأهم، هل كان سيبقي علينا أحياء؟ مثل هذا السؤال يجرنا إلى ملاحظة التآخي النظري بين دعاة المحافظة على التنوع البيئي وخصومهم. ذلك أن دعاة المحافظة على الطبيعة والتنوع البيئي ينطلقون، مثل خصومهم تمامًا، من قناعة تفيد أن البشر هم أصحاب السلطة على الأرض، وأن من واجبهم المحافظة على الكائنات الأخرى الأضعف منهم، وهم قادرون على ضبط المخاطر الناجمة عن الاتصال الوثيق بها. والحال، فإن الدعوة إلى المحافظة على التنوع البيئي، ومحاولة عدم المساس بالشروط الطبيعية المحيطة. حتى حين تقرر جماعة من البشر استعمار منطقة حرجية في مكان ما خارج المدن، فهي تنطلق من هذا الادعاء المضمر. والحكم الجاهز هو التالي: نحن كبشر جئنا لنعيش في محيط هذه الذئاب والغزلان وبيئتها كدخلاء، وعلينا ألا نخرب هذا المحيط عليها. والحق إن هذا الحكم يخالف منطق الحداثة برمتها. فالحداثة بنت مفاهيمها على قاعدة أن الجماعة البشرية تقوم بوظيفة مهندس الطبيعة، تقتلع الأعشاب الضارة وتقتل الحيوانات المفترسة، وتشق الطرق في الغابات، ليتسنى للاجتماع البشري أن يستقر. الحداثيون بساتنة، يزرعون أشجارًا، لكنها الأشجار المفيدة والمرغوب بها، ويقتلعون أشجارًا غير مرغوب بها أيضا. وهذا الحكم الآنف ذكره، لا يخالف منطق الحداثة فقط بل يخالف طبيعة الاجتماع البشري أيضًا. ذلك أن المحيط الطبيعي الذي يحدث أن تقتحمه جماعات بشرية، هو محيط بدائي، وقد يكون خطيرًا على نحو لا قبل لنا بمعالجة آثاره. ذلك أننا كجماعة بشرية وجماعات حيوانية متآلفة معها، التزمنا طوال تاريخنا بالابتعاد ما أمكننا عن جماعات الكائنات الأخرى، وكان لقاؤنا بها يتم عن طريق التقصد في معظم الحالات. سواء من قبلنا أو من قبلها. فالذئب الجائع يحوم حول الحظائر في مناطق الاجتماع البشري، ويقتحم بعضها إذا أمكنه ذلك، والدب الجائع أيضًا يهاجم المناطق المأهولة إذا لم يجد ما يكفيه من غذاء في محيطه. والبشر يفعلون الأمر نفسه، أو لنقل أنهم فعلوه وأنجزوه ويكادون يضعون لمساتهم الأخيرة على السيادة على هذا الكوكب. لكن العلاقة التي يقيمها البشر مع هذه الكائنات لا تتعدى الرماح والبنادق في غالب الأحيان. بمعنى أننا لم نألف العيش معها، كما ألفنا العيش مع دواجننا وحيواناتنا الأليفة. وطورنا معها وبرفقتها أجهزتنا المناعية على نحو افترض دائمًا انعدام التماس مع الحيوانات والكائنات البرية أو ندرته. أما الكائنات التي تعيش معنا في مستعمرتنا البشرية، فقد قمنا بتلقيحها وتحديد نسلها أو مضاعفته، وصناعة طعامها وإنشاء مستشفياتها وفنادقها ومدارسها وتوظيف أطبائها ومعلميها وطباخيها. وعلى مدى هذه القرون الممتدة، كانت الحيوانات والكائنات الأخرى تعيش في مستعمراتها وتمرض وتشفى على هواها. والأرجح أنها طورت مناعات ضد أمراض لا نعرفها ولم نختبرها بعد. إذًا، ماذا لو أن جماعة من الغزلان نقلت للبشر فيروسات خطيرة لا قبل لنا بمعالجة آثارها؟ هذا افتراض ملطف لواقع نختبره ونعايشه، والأرجح أننا سنختبر ما يشبهه في المقبل من السنوات أيضًا.

الإصرار على قلب منطق الحداثة والدعوات المتواصلة لإنشاء المحميات والمحافظة المطلقة وغير الملطفة على المجاهل العذراء، هي في حقيقتها دعوة لكسر سلطة العلم التي اكتسبها على مر القرون

والحال، هل كان يجدر بنا منذ قرون، بل منذ مئات القرون، أن نفرض أنفسنا كجماعات بشرية على كل الكائنات، وأن نحاول التعايش معها، حروبًا وصراعات ومؤالفة إن أمكن؟ ما كان سيمنحنا فرصة للعيش مع هذه الكائنات والحيوانات والتعامل معها كما تعاملنا مع حيواناتنا الأليفة؟ أم أن ثمة من يظن أننا اليوم قادرون على هذه المغامرة والنجاة منها بأقل الخسائر؟ لو كانت المؤالفة مع كل الكائنات في فجر التاريخ ممكنة، لكان العلم قد طور وسائله وتقنياته بما يستجيب لكل الأخطار التي قد تنشأ عن التواصل مع هذه الكائنات. أما وأن ما حدث قد حدث، فلا يبدو أن العلم قادر بإغماضة عين أن يستجيب للأخطار التي قد تنشأ عن التواصل مع هذه الكائنات. والمحنة التي وضعها فيروس كورونا أمام اجتماعنا لا تزال ماثلة لكل عين.

اقرأ/ي أيضًا: قدر الأغراب

بل إن الأمر يتجاوز هذا النوع من المخاطر إلى مخاطر من نوع آخر، شهدنا كثيرًا من أمثلتها في السنتين الماضيتين. حين أصبحت بعض شوارع المدن المقفرة بسبب الإقفال العام والحجر المنزلي مرتعًا لحيوانات لم تألفها هذه الشوارع من قبل. وبكلام آخر، يبدو أن الإصرار على قلب منطق الحداثة والدعوات المتواصلة لإنشاء المحميات والمحافظة المطلقة وغير الملطفة على المجاهل العذراء، هي في حقيقتها دعوة لكسر سلطة العلم التي اكتسبها على مر القرون، وتدمير الاجتماع البشري وتحويل المدن والقرى والحواضر إلى سجون ندخلها طائعين.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عن بعض البشر الذين لا يملكون وجوهًا كالكلاب

نشيد العولمة