01-يناير-2019

لوك فيري (scoopnest)

قد تختلفُ طرائق المعيشة وأنماط الحياة وتتباينُ المُعتقداتُ بين الشعوب والمُجتمعات، وتتفاوت نظرة الأفرادِ بشأنِ المُعطيات الحياتية، لكن ثمة مُشتركات بقطع النظر عن وجود الاختلاف في الطبائع وأنساق التفكير، ولعلَّ السعادة من أبرزها، ولا مُغالاة في القول، أنَّ الهدف الأساسي وراء كل نَشاطات الإنسان الفكرية والروحية والجسدية والحسية هو الوصول إلى السعادةِ وتقليص أسباب الشقاء.

 قد يتحول الهوس بالسعادة إلى مصدر للإحباط، جراء الامتناع عن تذوق الملذات والتحامل على النفس

يذهب باسكال أبعد من ذلك إلى حدٍ يضعُ الانتحار ضمن المساعي اللاواعية لتحقيق السعادة، إن كان هناك توافق على المطلب فذلك لا يلغي التنوعَ في الآراء والتفسيرات حول العوامل التي تمكّنُ الإنسان من الوصولِ نحو السعادةِ.

اقرأ/ي أيضًا: ماذا قرأ المثقفون العرب في 2018؟

هناك من يربطُ بين السعادةِ والمعرفة أو التخلص من الانفعالات بفضل التفكير العقلاني. يقولُ المفكرُ المغربي سعيد ناشيد إنَّ السعادة نعمة الحكماء، كما تكمنُ السعادةُ في حياة بسيطة لدى الفيلسواف إسبينوزا، والأغربُ  في هذا السياق هو رأي الفيلسوف الألماني كانط، يقولُ صاحبُ "نقد العقل الخالص": "لو أرادت العناية الآلهية لنا السعادة ما منحتنا الذكاء"، وهذا يعني أنّ نقيض حكم المنطوق في كلام كانط هو أن السعادةَ تؤتى للأغبياء فقط.

أيًّا كان الأمرُ، فإنَّ موضوعة السعادة قد شغلت الجميع، وتوسلَ الإنسانُ بالبشارات الدينية تارة، وبما قالهُ الحكماءُ والفلاسفةُ تارة أخرى لاكتشاف درب السعادة وتذق طعمها، وأُضيفَ العلمُ أيضًا إلى تلك الأدوات التي من المفترض أن تُساهِمَ في تضيق الخناق على البؤس والمُعاناة، غير أنَّ تفوق الذكاء الصناعي على الذكاء الإنساني في المستقبل، حسب توقعات الفيزيائي البريطاني ستيفن هوكينغ، قد يُشكِلُ تحديًا كبيرًا للبشرية. وبذلك قد ينقلبُ ما تراهُ مصدرًا للسعادةِ إلى سبب للشقاء.

أهمُ ما يعالجهُ الفيلسوف الفرنسي المُعاصر لوك فيري في كتابه المعنون بـ"مفارقات السعادة، سبع طرائق تجعلك سعيدًا" (دار التنوير 2018، ترجمة أيمن عبد الهادي) هو التناقضات الكامنة في الشعور بالسعادة، وقد أدرك الفيلسوف اليوناني سُقراط حقيقة هذا الأمر لذا اعتبر السعادة هي ما لا يعقبهُ الإحساسُ بالندمِ، ومن يندمُ أقل، ويأملُ أقل، ويحبُ أكثر فهو حكيم. برأي أندريه كومنت سبونفيل، لا يصحُ الحديثُ عن أسباب السعادةِ دون الإشارة إلى اللذة الحسية، خصوصًا ونحنُ في عصرٍ تحولَ فيه الاستهلاكُ المُتسرعُ إلى ظاهرة طاغيةٍ، بحيثُ تسلعنتِ الروحانيات أيضًا.

أكثرُ من ذلك تُقَدمُ وصفات للسعادةِ كما تذاعُ برامجُ عن المأكولاتِ والإرشادات الصحية لتخفيض الوزن في آن واحد. فأصبحَ المُتابعُ نهبَ الإعلانات المُتناقضة. صحيح أنَّ فهم السعادة من منطلق الحسيات له جذور فلسفية تعودُ إلى الإبقوريين، غير أن ما يُغذي هذه النزعة في الوقت الراهن هو التيار الرأسمالي الذي جرّد اللذة من دلالاتها المرتبطة بالكينونة الإنسانية. فالمبدأُ الأساسي للنفعية مضمونه أن الفعل يكون جيدًا على المستوى الأخلاقي حين يسعى إلى زيادة نسبة السعادة، وهذا مخالف لما ساد في عصر التنوير لاسيما لدى كانط من الاهتمام الأكبر بالعمل، وكانت السعادةُ بالنسبة لهؤلاء تأتي في المرتبة الثانية.

من نافلة القولِ الإشارةُ إلى أن السعادة حسب نظرة النفعيين هي اللذة الحسية فقط..يتوقفُ صاحبُ "أجمل قصة للفلسفة" عند نجاح المُؤلفات التي تتناولُ نظريات التنمية البشرية، وإعادة اكتشاف الحكمة الشرقية، وعلم النفس الإيجابي؛ ويستخلصُ من ذلك نتيجة مفادها أن المجتمعات الديموقراطية تدعمُ فكرة أنَّ السعادةَ صارت الواجب الجديد والهدف الوحيد للوجود الإنساني.

ومن ثُمَّ يشرحُ لوك فيري مؤثرات الثقافة الأمريكية وتحولها إلى موضة عالمية، راصدًا تقليدًا فلسفيًا جديدًا له تمثلات في المجتمع الأوروبي، يُسمي لوك فيري هذا النموذج بـ"أخلاقيات الأصالة"، وهي فلسفة قائمة على الربط بين السعادة ومسألة الانشغال بالذات. وفقًا لهذا المنهج، تكون السعادةُ غير مُحتكرةٍ للأرستقراطبة. كما يتساوى كل شيء ولا مجال للمُفاضلة بين المُجتمعات وتصنيفها إلى متخلفة ومتطورة، أو التمييز بين الموسيقى الراقية والمبتذلة، كما أنَّ كل النشاطات والممارسات الجنسية والأدبية تكتسبُ قيمتها وأخلاقياتها إذا تمثلتْ لمبدأ اللذة والرُفاهية. ومن الواضح أنَّ هذا إفراط في الفردانية.

أشرنا سالفًا إلى تناقضات السعادة. وما يؤكدُ هذا هو دراسة الباحثين الأمريكيين بأنَّ معظمَ الأشخاص الذين يعتبرون أنفسهم سعداء يُصابون بأمراض عقلية تقودهم إلى نتائج كارثية. والحال هذه فإنَّ الهوس بالسعادة قد يتحول إلى مصدر للإحباط، جراء الامتناع عن تذوق الملذات والتحامل على النفس أكثر واغتراب البشر عن الحاضر.

ينقبُ الكاتبُ لوك فيري في متون النصوص الدينية والفلسفية والأسطورية للإبانة عن الرؤى المبثوثة في تضاعيفها حول مفهوم السعادة. وتتميزُ مقاربةُ لوك فيري بالمنهج التحليلي، ولا يكتفي بالوصفِ فقط، إذ يعارضُ خيار التخلي عن العالم الخارجي وعدم الارتباط بحجة هشاشة ما نستمدُ منه السعادة، فبرأي لوك فيري لا يمكنُ تعميم تجارب أفرادٍ اختاروا العزلة والتنسك، وبالتالي لاجدوى من فكرة الرهبانية. يتخذُ مؤلفُ "تعلم الحياة" هذا الموقف دون أن يُنكِرَ حَتْمية الموت والفناء البشري ومحدودية اللحظات السعيدة. هنا من جديد يلجأُ لوك فيري إلى الأبيقوريين الذين حثوا الإنسان على عدم تعقيد نمط الحياة بالتفكير في الموت، لأنَّ الموت لا وجود له ما دمت أنت على قيد الحياة، كما أنَّ هيراقلطس شخّص هذه الحالة بصيغة معبرة وقال بأن الإنسان لا يستطيعُ مواجهة الموت والشمس مباشرة، لذلك من الأفضل أن لا تمضي في تفسير لغزه إلى أن ينشب أنيابه، ويقرُ الفيلسوف التربوي بوجود جانب مظلم في الواقع وقساوة الظروف التي يعيشُ فيها المرءُ، وأن كل لذة تحمل نقيضها، غير أنَّه يتمسكُ بالواقع بمراراته وقساوته ويميلُ إلى الاعتقادِ بأنَّ اختبار صعوبة الحياة وخيباتها هو ما يريحُ الإنسان أكثر من الركون إلى الوهم.

يُفردُ لوك فيري فصلًا كاملًا من مُؤلَفه للحب بوصفه مصدرًا للسعادة. ويعالجه من منطلقِ المؤمنين وغيرهم من الذين ينتهي رهانهم في هذه الحياة. موضحًا دلالة الحب الدينية ما يعنيه من الحلول في المحبوب بينما أن السعادة الناجمة من الحب الحسي مؤقتة، وهنا يقتبسُ لوك فيريعبارة لويس آراغون "لا يوجد حب سعيد"، وحتى لا يلتبسُ الفهمُ لدى المُتلقي، يؤكدُ لوك فيري أن حياة النُسّاك هي رفض للعيش أكثر من كونها تطبيقًا للحكمة، لافتًا إلى ضرورة التفريق بين الفرح وهو حقيقي ولكنه زائل، وبين السعادة التي تنشدُ الأبدية وهي ليست إلا وهمًا، كأنه بذلك يردُ على نيتشه الذي رأى بأن كل فرحة تبحثُ عن الخلود.

حياة النُسّاك هي رفض للعيش أكثر من كونها تطبيقًا للحكمة

من أسباب الشعور بالسعادة حسب مُحَددات صاحب "ثورة الحب" هو الإعجاب، ولكن هناك إشكالية فيما يتعلقُ بهذا الموضوع لأنَّ الإنسان المُعاصر يعيشُ في زمن غروب الأيدولوجيا والبطولة الكارزمية، وغياب ما يجدرُ بالتضحية من أجله، وما يحلُ مكان المفاهيم النضالية والأطروحات الخلاصية هو الحب والعدل والجمال، وفقًا لما يذهب إليه لوك فيري.

اقرأ/ي أيضًا: قارئٌ منفي وإستراتيجياته

يزيدُ لوك فيري على ما سبق ذكره، الحرية والتعلم والإبداع وتوسع أفق التفكير والانعتاق من مشروطية القومية، والانفتاح على المُغاير والمُختلف، كما يكرسُ الفصل الأخير لتناول الوضع التعليمي في بلده فرنسا، ويحكي جانبًا من تجربته في هذا المجال عندما كان وزيرًا للتربية والتعليم، مبينًا أن التهاون في التدريس قد أدى إلى تراجع مستوى الدارسين، وأن إلغاء العلامات في الفصول الدراسية قد أتى بنتائج مُخيبة.

يُذكر أنَّ أسلوب هذا الكتاب بشأن السعادة يتصفُ بالتشويق والبساطة، وذلك بفعل ما يعتمدهُ لوك فيري من المقارنة بين الخطابات المتعددة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ضد الأنوار.. الأصول الفكرية للشرور النازية

4 وقفات في أرشيف الصحافة