ماذا قرأ المثقفون العرب في 2018؟

ماذا قرأ المثقفون العرب في 2018؟

مما اختاره القرّاء

تكاد القراءة وحدها أن تكون عدّادًا مجديًا لهروب الأيام من بين أيدينا، خصوصًا في هذه الحقبة التي تستحوذ عليها التكنولوجيا، جاعلةً من الوقت يتسارع بشكل جنوني غير قابل للقياس أو حتى الشعور به. 

هنا مجموعة متنوعة من القرّاء، تتنوع مشاربهم وجغرافياتهم، لكنهم ينتمون إلى قارة الكتب التي تصنع عالمًا واحدًا، يوازي العالم الواقعي من جهة، ويخترق بلادتهم من جهات عديدة. من هذه القارة تصلنا أصواتهم، حيث يختار كلٌّ منهم كتابًا هو الأبرز برأيهم بين قراءات هذه السنة الموشكة على النهاية.


أحمد أبازيد: الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيّلة

  • كاتب وباحث سوريّ.

صدر كتاب المفكّر العربي عزمي بشارة "الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيّلة" خلال سنة 2018، مع الصعود المتجدّد للهويّات الطائفية في أزمات المنطقة العربية. ورغم انطلاقه ‏من راهنية الإشكالية التي يبحثها، إّلا أنّ مهمّة الكتاب كانت البحث الأكاديمي العابر للتخصُّصات حول ظاهرة الطائفية ‏السياسية وإعادة تعريفها خارج اعتبارها حتمية تاريخية للمجتمعات العربية، أو ظاهرة ملازمة للمنطقة منذ نشأتها. ‏فالأطروحة الرئيسية للكتاب تأتي من التفريق ما بين المذهب والفرقة والطائفة، ثم التفريق ما بين الطائفة والطائفية ‏والطائفية السياسية، ونفي التطابق ما بين هذه المفاهيم التي قد تكون متعارضة فيما بينها أحيانًا. ‏والطائفية السياسية عند بشارة ظاهرة حديثة مرتبطة بإعادة إنتاج الطائفة كجماعة متخيلة يتم توظيفها في دور اجتماعي ‏سياسي، وليست ظاهرة مرتبطة بالاختلاف المذهبي ولا بتمايز الطوائف كجماعات أهلية في مرحلة لاحقة. ‏

ضمن المنهج العابر للتخصّصات، نجد على مدى قرابة 900 صفحة رحلة بحثية تاريخية ومعرفية تسترسل في ‏الاستشهاد وتتبع نشأة المفاهيم والمسلّمات المرتبطة بالطائفية والنقد التاريخي والمفهومي تجاه هذه المسلّمات. إضافة ‏إلى نقاش النظريات السابقة حول الطائفية، مثل كتابات برهان غليون ومهدي عامل وأسامة مقدسي وميشيل سورا ‏وغيرهم. ورغم أهمية ظاهرة الطائفية وراهنيتها في المجتمعات العربية اليوم، إلّا أنّ الأدبيات الأكاديمية حول الطائفية عربيًا ‏ليست بحجم الظاهرة ولم تكوّن حقلًا بحثيًا مستقلًّا، وربمّا تكمن أهمية أخرى للكتاب في فتح الباب لتجدد النقاش الفكري ‏والأكاديمي حول ظاهرة الطائفية ومساءلة ونقد أطروحة الكتاب نفسه. ‏


وجدي الأهدل: اعترافات تولستوي

  • كاتب وروائي من اليمن

من يقرأ هذا الكتاب "اعترافات تولستوي" (مؤسّسة هنداوي)، والاعترافات الوجودية التي خطّها ليف تولستوي سنة 1882، قد يتوصّل إلى أنّ هذا الروائي الكبير قد ابتلي بمرض الاكتئاب، المرض الخبيث الذي يؤدّي في النهاية إلى الانتحار. تولستوي يتحدّث في هذا الكتاب أنّه حاول مئات المرّات أن ينتحر. فهل كان تولستوي مريضًا حقًّا بالاكتئاب؟ نعرف من خلال سيرة حياته أنّه تخلّى عن ثروته، وأراد التخلّص من لقبه الأرستقراطي، وشهرته الأدبية وحتّى عائلته. لعلّ هذه التصرّفات تؤكّد إصابته بالاكتئاب، أليس كذلك؟ ولكنّ السؤال الذي يُثار هنا هو: كيف يُمكن لأشخاص مكتئبين أن يمنحوا الآخرين الشعور بالسعادة؟ تولستوي توصّل في اعترافاته إلى حلٍّ لهذا التناقض، بين أن تكون مصابًا بالاكتئاب، وتهب، في الوقت نفسه، الشعور بالسعادة للبشر عبر أعمالك وأفعالك.


نغم حيدر: النباتية

  • روائية سوريّة

أجمل كتاب قرأتهُ في سنة 2018 كان رواية "النباتية" للروائية الكورية هان كانغ. تتحدّث الرواية عن امرأة تقرّر التوقّف عن تناول اللحوم بسببٍ كابوس جعلها تنفر من المشاهد الوحشية التي تُقتل فيها الحيوانات من أجل أن يأكلها البشر. أثار العنوان فضولي، وخاصّة في هذه المرحلة من حياتي، حيث راودتني ذات التساؤلات عن تلك الشرور المرتبطة بالذات الإنسانية وبكوننا بشرًا لا يُمكن لنا التطهّر كليًا منها. وما أدهشني في الرواية أن الكاتبة التي تكتب بأسلوب جميل جدًا وشديد الحساسية، أسقطت فكرة النباتية على قيم عدّة فُرضت على المرء قسرًا، وأصبح التمرّد عليها خروجًا عن السلطة والقواعد. ومن المفيد أن أُشير إلى أنّ الرواية تتخللها مشاهد عميقة رمزية ما زالت إلى الآن ماثلة في ذاكرتي. إنّها رواية تترك أثرًا بالغًا في قارئها.


لانا الحلبي: الشمس في يوم غائم

  • قارئة، مؤسّسة مكتبة الحلبي في بيروت.

قرأنا في نادي القراءة التي تنظّمه "مكتبة الحلبي" عدّة كتب هذه السنة. ولكنّ الكتاب الأبرز، الأجمل، والأكثر تأثيرًا، كان رواية "الشمس في يوم غائم" (دار الآداب) للروائي السوريّ حنّا مينة الذي توفّي أيضًا هذه السنة. وقع اختيارنا في نادي القراءة على هذا الكتاب لنوجّه تحية للكاتب بعد وفاته، ويكون الأمر بمثابة احتفاء بالراحل وتجربته الأدبية أيضًا. الرواية اجتماعية بامتياز/ تتحدّث عن الطبقات الاجتماعية، وتنتقل بينها، عبر عائلةٍ غنية من الطبقة الأرستقراطية، وبقية البشر في الأحياء الفقيرة المحيطة بمنزل تلك العائلة. نتعرّف على عادات هذه العائلة من خلال ابنها الذي يحاول أن يتمرّد على عادات وتقاليد عائلته البرجوازية المحافظة، من خلال تقرّبه من الشارع والناس فيه، حيث يُحاول هناك أن يتعلّم رقصة الشارع المعروفة برقصة "الخنجر"، بينما تحاول عائلته إجباره على التدرّب على موسيقى الطبقة المنتمية لها. ومن المفيد ذكر أنّ الرواية تحمل شيئًا من حياة مينه، لجهة الفقر والحرمان والصراعات التي عاشها الأخير، وأيضًا، الكفاح والجهد الذي بذله لتجاوز كل أزماته والمصاعب التي واجهته. عدا عن ذلك كلّه، أظهر حنا مينه المرأة في هذه الرواية بصورة أشارت إلى مدى احترامه للمرأة، وتقديره لها.


معاوية عبد المجيد: يوميات يهودي من دمشق

  • مترجم سوريّ

أتممت قراءة كتاب "يوميات يهودي من دمشق" (المؤسّسة العربية للدراسات والنشر) للكاتب السوري إبراهيم الجبين. أتعمّد وصفه بالكتاب لأنّه يجمع بين أجناس أدبية وثقافية متعدّدة: يوميات، استقصاء، فكر، توثيق، سرد روائي. الجبين أعطى للغة كتابه مستوياتها التي تستحقها، فكانت جزلة في السرد، وخفيفة في الحوار. عدا عن أنّ الكتاب حمل فكرةً شديدة الأهمية، جاءت في رسم هذه الشخصية نموذجيًا: اغتراب وسط المجتمع الأصليّ، ضيق وحصار يولّد رغبة في الهجرة، مع اليقين بأن "لا مهرب من أبواب دمشق إلا إليها" (ص143). يضيف في الصفحة نفسها: "المدينة تفور كقدر نحاسية". وهذه إشارة إلى غليان واحتقان يؤدّي إلى الانفجار الذي عايشناه في 2011، ما يجعل من الشخصية النموذجية تمثّل شعبًا كاملًا. الحديث المختصر قد يظلم الكتاب، فهناك محاور أخرى دار حولها الكاتب وسلّط الضوء عليها، من أهمّها خسارة دمشق لجزء مهمّ من هويّتها مع رحيل اليهود عنها.


محسن الرملي: مذكرات فرانس فرانكو

  • كاتب وروائي عراقي

قرأت عشرات الكتب الجيّدة هذا العام، بالعربية والإسبانية معًا، لكنّني سأذكر الأخير منها، وهو كتاب "مذكّرات فرانس فرانكو" للصديقة آليثيا راموس. الكتاب غنّي ويحمل قدرًا من الأهمّية لجهة جمعه معلوماتٍ شاملة وبحث تفصيليّ عن مجموعة من النساء اللواتي تمّ سجنهنّ أو إعدامهنّ في عهد فرانكو بعد انتهاء الحرب الأهلية الإسبانية. النساء اللواتي يجري الحديث عنهنّ في الكتاب، هنّ نساء كنّ مناضلات ضمن صفوف الجمهوريين. وإلى استعراض تفاصيل تخصهنّ، يحوي الكتاب أيضًا مجموعة من نصوصهنّ الأدبية ورسائلهنّ ويومياتهنّ، بحيث يعطي الكتاب صورة كاملة عنهنّ، وعن تلك المرحلة، الأمر الذي سوف يخلدهنّ في الذاكرة وما تعتبره المؤلّفة نوعًا من أنواع تحقيق العدالة ومداواة للجراح. وفي النهاية، أتمنّى أن يُنجز في عالمنا العربيّ أعمالًا كهذه تروي معاناة آلاف النساء في سجون الدكتاتوريات العربية على مدى قرنٍ من الزمن.


أحمد مجدي همام: قانون البقاء

  • كاتب وروائي مصري

رواية "قانون البقاء" (دار العين) للروائي المصريّ عمرو عاشور، كانت الأفضل في سنة 2018. الرواية لا تتجاوز 145 صفحة، وتسرد الحياة القاسية والمضحكة أيضًا لطفلين شقيقين في حي إمبابة الفقير في القاهرة: خيالاتهما الطفولية، طموحاتهما الصغيرة، سرقاتهما، وانجرارهما نحو التعّصب الدينيّ. أضف إلى ذلك الانسحاق تحت تروس الواقع، واختبار الجنس للمرّة الأولى. حكاية هذين الطفلين كُتبت بأسلوب عذب وموجز لا يستهدف الزخرفة اللغوية، ولا المجازات المجانية. ناهيك عن أنّ صوت الروائي سهل وبسيط. وأخيرًا، يمكنني أن أقول إنّ هذه الرواية هي السهل الممتنع.


نبال قندس: حكايات من ضيعة الأرامل ووقائع من أرض الرجال

  • كاتبة وروائية فلسطينية

لقد كان عامًا مذهلًا برفقة الكتب. ومن بين الكتب الجميلة التي قرأتها، أذكر هنا ثلاثة روايات كانت الأجمل لهذه السنة: حكايات من ضيعة الأرامل ووقائع من أرض الرجال، انقطاعات الموت، وفهرنهايت 451. الحديث سيكون عن رواية "حكايات من ضيعة الأرامل"، تلك التي يأخذنا مؤلّفها الكولومبيّ جيمس كانيون إلى إحدى قرى كولومبيا الجبلية النائية، حيث يقتحم الثوار القرية ويقتادون جميع الرجال إلى الحرب ومن يرفض الانضمام لصفوفهم سيكون مصيره الموت.

يذهلني الكاتب لقدرته على سحرنا كقرّاء من خلال خلق عوالمه الغريبة والمفاجئة، كما في هذه الرواية، حيث، وبين ليلة وضحاها، غدت القرية دون رجال. نبدأ بعد ذلك بملاحظة تبعات غياب الرجال عن القرية. الرجال الذين اعتنوا سابقاً بإدارة أمور القرية اختفوا الآن، وعلى النساء تدّبر جميع الأمور الحياتية من نظافة، زراعة، صناعة وغيرها. كما أنّنا في الآن ذاته سوف نستمع لشهادات الرجال الذين ذهبوا إلى الحرب.

يشرح لنا الكاتب في هذه الرواية كيف تنقلب الحياة رأسًا على عقب حين تؤدّي عاصفة إلى إزالة الطريق الترابي الوحيد المؤدّي إلى القرية، ولا يعود للنساء أي سبيل للتواصل مع العالم الخارجي. كما سنرى جميع الصعوبات التي ستواجهها النساء في البداية، وجميع الخطط التي سوف توضع لتنظيم شؤون القرية وإدارة مواردها البشرية والزراعية والحيوانية لتحقيق اكتفاء ذاتي لجميع ساكنات القرية.


أحمد جابر: مونولوج عازف البيانو في المحيط 1900

  • كاتب وقاص فلسطيني

أنا ابن الجبل، وفي داخلي توق دائم لأن أقرأ وأعيش حكايات البحر بين الكتب، وهكذا كانت حكايتي مع عازف البيانو المسمّى (1900) في مسرحية "مونولوج عازف البيانو في المحيط 1900" (منشورات المتوسّط) ترجمة معاوية عبد المجيد، للكاتب والروائي الإيطاليّ أليساندرو باريكو. ما يشدّ الانتباه في العمل هو الكيفية التي خلق عبرها باريكو كلّ هذا الجمال، السحر، الموسيقى، الجنون، الاغتراب، في آن معًا، وفي مكانٍ واحد، أي السفينة التي عاش فيها عازف البيانو طول عمره، إلى أن توفّيَ. حكاية العازف تنّمي فيك شعور الألفة، الألفة نحو المكان، ليصير المُحيط كلّ عالمك. المدعو (1900) سيظل حكاية موسيقية نرويها كلما تخيّلنا البحر، أو ركبناه، أو إذا رأينا بيانو، أو أي حكاية أخرى لها علاقة بعالمه الصغير، أي المحيط.


رنا التونسي: الخيال: من الكهف إلى الواقع الافتراضيّ

  • شاعرة مصرية

قرأت كُتب جميلة جدًا هذا العام، ولكنّني أودّ الحديث هنا عن كتاب مُعيّن، وهو كتاب "الخيال: من الكهف إلى الواقع الافتراضيّ" (إصدارات عالم المعرفة)، للكاتب شاكر عبد الحميد. وهنا أضع فقرة صغيرة من هذا الكتاب، فقرة كان لها تأثيرًا مُعيّن عليّ: "لا بد أنّني كنت في السادسة من عمري حينما عايشت خبرة قوية خاصة بوجود صداقة خيالية مع بنت صغيرة من عمري نفسه تقريبًا، ظهرت أولًا على النافذة القريبة من سريري القديم المواجه لشارع الليندي، حيث اعتدت أن أتنفس على الجزء العلوي من اللوح الزجاجي للنافذة فتترك أنفاسي بخارا على زجاج النافذة". أستطيع القول إنّني أحببت الكتاب لأنّني شعرت بأنّه، من خلال حديثه عن الخيال، يعرفني أنا شخصيًا، أو يعرفنا جميعًا ربّما. على دراية بطفولتي، والأماكن أو المواقف التي كنتُ أضحك بها/ فيها. الخيال شيء حميم ومستمر بصورة دائمة، وما زلت، أنا شخصيًا، أحتمي به.


فادي أحمد: ضد المكتبة

  • قارئ سوريّ

"ضدّ المكتبة" (دار نينوى) لخليل صويلح. كتاب يخبئ ديناصورًا من الأفكار المحنّطة في داخله. الكتاب هو رحلة حرّة بين أخاديد الكتب، تبدأ بتجربة الكاتب ذاته مع الكتب، وكيف توسّعت مكتبته ومن هذه الأحاديث. الكتاب صعب التصنيف، فهو ليس ببلوغرافيا للكتب، ولا عرضًا لها، وليس مجرّد حديث عن عالم المكتبات، بل هو كلّ ذلك معًا بطريقة سردية بديعة، ومزج بين الأديب والشاعر والعالِم والمفّكر. فهو يحكي عن ميغيل دى سرفانتس، خورخي لويس بورخيس، تولستوى، كافكا، وماركيز، أُمبرتو إيكو، كارلوس زافون، كونديرا، غويتسيولو، بارت، هنري ميلر، إيزابيل الليندي، أنسي الحاج، ومحمود درويش، سعدي يوسف، إدوار الخراط، ممدوح عدوان، إبراهيم أصلان، وغيرهم من الكتّاب والأدباء. كما أنّ صويلح أيضًا يتطرّق للحديث عن الكتب الرديئة والكتّاب الهواة. سبب حبي للكتاب أنّه ممتع وسلس ويقدم صورة غير نمطية عن عالم الكتب، والأهم من هذا أنّه يحكي عن تجربة ذاتية شخصية دون وصاية، وهذا ما أحبّه في الكتب، أن يُشركني الكاتب في تجربته دون سلطة منه عليّ. ليس أفضل ما قرأت حتمًا، لكنه من مفضلات هذه السنة.


ميساء منصور: صديقتي المذهلة

  • قارئة فلسطينية

أتحدّث هنا عن رباعية "صديقتي المذهلة" (دار الآداب) للروائية الإيطالية إيلينا فيرّانتي. تبدأ حكاية الرواية منذ طفولة بطلتي العمل، إيلينا وليلا، صديقتانِ في أحد أحياء نابولي الفقيرة والمُعدمة، إحداهما ذكية للغاية والأخرى مجتهدة للغاية، ترسمُ كلًّا منهما طريقها في الحياة بأسلوبٍ مختلف، وتنتقلانِ من مرحلةٍ عُمريةٍ إلى أخرى، من نجاحٍ إلى آخر، من انكسارٍ يتلوه انكسارات. مرحلة الطّفولة تمرُّ بسلامٍ معهما، إيلينا التّي تحلم بأن تُصبح روائيّة، تبدأ برسم هذا الخطّ لنفسها بإصرارها على اتمام تعليمها الثّانويّ ثمّ الأكاديميّ، تتخطّى عتبة الحيّ الفقير ومشاكله وهمومهِ، أصدقائها وأهلها واخوتها، لتنتقل من نابولي إلى مُدن إيطاليا الواسعة، حيث تتعرّف هناك على الحياة خارج قواعد ليلا التّي تسيطر عليها منذ الصّغر، تتفّوق إيلينا كعادتها في الجامعة، تُصدر كتابها الأوّل، تتزوّج فيما بعد من أستاذٍ جامعيّ وتخفي هوسها القديم بأحد زملائها في المدرسة: نينو.

على عكس صديقتها، تظلّ ليلا في الحيّ، تعيش ضمن جدولٍ مفهوم، ضمن علاقاتٍ لا تتغيّر، مع ذات الأشخاص طوال عمرها، تسعى لتغيير المفاهيم في الحيّ، تحاول طمس المافيا والعنف والشّجار والفقر بذكائها الحادّ، لكن ما كان في يدها حيلة سوى الانغماس أكثر في وحل وقاع الأحياء الفقيرة. مهما حاولت الاسهاب في الوصف فلن أتمكن من إيفاء فيرّانتي حقّها، شيطانة كما وصفها معاوية عبد المجيد، مترجم العمل.


بثينة الإبراهيم: أرض البشر

  • مترجمة سوريّة

قليلة هي الكتب التي قرأتها أكثر من مرّة، لأنّني مؤمنة أنّ الوقت لا يسعفنا لفعل ذلك، رغم عبطتي لمن يفعلون. مع ذلك، قرأت هذه السنة كتاب "أرض البشر" لأنطوان دو سانت أكزوبيريه للمرّة الثانية، إذ سبق وأن قرأتهُ سابقًا، قبل أكثر من عشرة سنوات في سوريا. أكزوبيريه يظهر في الكتاب كأنّهُ اختار أن يبتعد ليكون قريبًا، ذلك أن رحلاته الليلية في الطائرة، تلك التي كانت تجعلهُ في الواقع بعيدًا عن الأرض، كانت تُشعِره في الوقت نفسه بمدى قربه منها أيضًا، كما لو أنّه لم يفارقها للحظة واحدة. ويُمكن القول إنّ أكزوبيريه كان هو الأمير الصغير نفسه الذي ابتدعه، إذ تتشابه نهاية الأمير الصغير، الذي قتلته أفعى صادفها في الصحراء، مع نهاية أكزوبيريه. فقد اختفى في إحدى رحلاته، وعثر بعد سنواتٍ طويلةٍ على حطام طائرته، وعلى السلسلة الفضية التي نُقش عليها اسمه عام 1998.

 

اقرأ/ي أيضًا:

4 كتب عن القضية الفلسطينية صدرت في 2018

ماذا يقرأ كتّاب "ألترا صوت"؟