لماذا نكتب؟

لماذا نكتب؟

شاهروخ حيدري/ إيران

ككاتب فريلانس، أو في منبر إعلامي ما، يتوجب عليك كتابة مجموعة من المواد الصحفية، ولإنجازها غالبًا ما يفتك بك جمود وانحسار الكلمات، ويفرّ منك وحي الكتابة الذي كان برفقتك قبل قليل في المترو أو الشارع أو المقهى الذي غادرته منذ قليل بقصد الكتابة.

فتبدأ رحلة بحثك عن وحيك الهارب في مجاهل الشبكة الافتراضية، وتطالع أهم الأخبار وكل ماقيل في الساعات الأخيرة لعلك تجد ضالتك فتهم بالكتابة.

أكتب لكي أتصالح مع الأشياء التي لا أستطيع السيطرة عليها، أكتب لكي أصنع نسيجًا في عالمٍ يظهر غالبًا بالأسود والأبيض

تبدأ العمليات الذهنية، والتي غالبًا ماتخونك، وتذهب بك نحو البياض ودرجة الصفر من التفكير، فتجد أن حتى لمس أزرار لوحة المفاتيح بات عناءً لامفر منه.

في أحيانٍ كثيرة يكتب الكتاب ليجيبوا على أسئلتهم، بعضهم ممن يتيبسون أمام شاشة الكمبيوتر بغاية القول. ولمعرفة تلك المفارقات قمت بالبحث عن كتابٍ كنت قد سمعت بوجوده بعنوان "لماذا يكتب الكتاب" يقدم إجابات متنوعة عن سؤال الكتابة لعدد من الكتاب المشهورين والناجحين.

في مقدمة الكتاب تُجيب إحدى الصحفيات إجابةً راقت لي فتقول: "أكتب لكي أتصالح مع الأشياء التي لا أستطيع السيطرة عليها، أكتب لكي أصنع نسيجًا في عالمٍ يظهر غالبًا بالأسود والأبيض، أكتب لأكتشف، أكتب لأكشف. أكتب لكي أواجه أشباحي. أكتب لكي أبدأ حوارًا وأتخيل الأشياء على نحو مختلف، وهكذا بتخيل الأشياء بشكلٍ مختلف. ربما يمكن للعالم أن يتغير".

اقرأ/ي أيضًا: ماذا يقرأ كتّاب "ألترا صوت"؟

وبدوري، ولكي أبدأ بصنع ذلك النسيج أو محاولة السيطرة على كل الأشياء التي لا أتصالح معها، أترك الكتابة المستعصية أحيانًا وأُكلم أمي عبر السكايب، اعتدنا يوميًا على تكرار هذا الفعل وعليه يصبح هناك توقيت غير متفق عليه بيننا إلاّ بما تشاء الكهرباء من عندها وفراغ الوقت من عندي، والذي غالبًا ما يسرقني من كل التفاصيل غير الهامة في يومي.

وبالتكرار تبدو المواضيع التي نتكلم بها ذات شكل مرتب ومعروف، فنبدأ بالسؤال عن حالة الطقس وكأننا غريبان لايجدان مايقولانه في أول لقاء لهما، ونمر على أحداث النهار الأخرى، ومن بينها يأتي الموضوع الأعقد وهو طاولة الطعام التي يغيب عنها الجميع، ليصبح موعد الطعام في المكان الفارغ واحدًا من عناءات كثيرة خلال النهار يتجنبها والديّ.

لا خيارات تعطيك إياها الكتابة، ماعدا النظر حولك بين التفاصيل اليومية المكدسة

لم يسبق لي وتخيلت جزئي الفارغ حول تلك الطاولة، كما لا أتخيل اليوم أبي وأمي يجلسان وحيدان حولها، يبدو لي ذلك المكان كله كندبة مؤذية خلقها الوقت والرحيل والفراغ.

لتخفيف تلك الندبة أخبر أمي بأني اشتريت طاولة طعام لا أعرف حاجتي إليها ولا أين سأضعها، وبدأت أشعر بأنها ليس لها مكان في الغرفة، باعتبار أن لا اجتماع سيحصل عليها ولا أطعمة متنوعة وأطباقًا ستأخذ مكان الفراغ الكبير، فاستبدلت منفعتها من الطعام إلى العمل.

أعود إلى موادي التي تركتها بانتظار أن تُكتب، تنبهني دائمًا ساعةٌ ما أن الوقت يضيع، أمام كل فعلٍ أفكر بالقيام به تتدحرج كرة الوقت مسرعةً خصوصًا عندما أكون أمام شاشة الكمبيوتر التي أنظر من خلالها باتجاه من لا يراني، وغالبًا مايخلص الموضوع كله ليكون مجرد تسجيل حضور أمام تلك الشاشة.

لا خيارات تعطيك إياها الكتابة، ماعدا النظر حولك بين التفاصيل اليومية المكدسة، التي تدفعك لطرح الكثير من الأسئلة حول معنى الكتابة، ومن سيقرأ كل هذه الكلمات المكتوبة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

في غرفة الانتظار

في انتظار الديلر: ثورة الذوق (1-2)