ماذا يقرأ كتّاب

ماذا يقرأ كتّاب "ألترا صوت"؟

(فريتش هارمان)

دائمًا يكتبون عن الآخرين، وعن أعمال الآخرين. دائمًا يلاحقون حركة الثقافة والفن كصيادين، ثم يعودون ليقدموا لنا غلة وفيرة. لكن أليس لديهم ما يقرؤونه لغرض ومتعة القراءة نفسها بعيدًا عن متطلبات المهنة؟ نقف هنا عند قراءات بعض أبرز كتّاب ألترا صوت، حيث يتحدثون عن الكتب التي رافقتهم مؤخرًا.

عبد الرزاق بوكبة: داعش منظومة تفكير

تعوّدتُ على تكييف قراءاتي في رمضان، بحيث أركز على الكتب التراثية ذات النفس الحداثي، والكتب الحداثية ذات الاهتمام بالفضاء/ السؤال الإسلامي، حتى أردم الهوّة بين الماضي والحاضر، بصفتهما لحظتين تعانيان قطائعَ سلبية في المخيال العربي والإسلامي المعاصر.

لا أفعل ذلك من باب الحنين المَرضي، إلى "الفردوس المفقود"، في قرطبة وبغداد ودمشق وتلمسان وبجاية والقيروان وقاهرة المعز، فنحن أصلًا نجني ثمارًا مرّة من هذا الحنين القافز على شروط التاريخ، من ذلك السلفيات النكوصية التي باتت تصادر الحاضر والمستقبل وتسجنهما في الماضي، ولكن لمواجهة أسئلة موضوعية من قبيل: لماذا تراجعنا عن خطاب الحياة لصالح خطاب الموت؟ لماذا كان الغربيون يستوردون أفكار بن رشد وبن سينا والفرابي وابن خلدون وابن الهيثم، فصاروا اليوم يستوردون أحفادهم في شكل خبراء جاهزين؟  

من هنا قرأت "المواقف والمخاطبات" للنفري، بصفتها تجسيرًا عميقًا بين الروح والجسد والأرض والسماء والوجود والفناء و"الحال" والحالة، و"طفولة يهودية بالمتوسط المسلم" وهو عبارة عن شهادات لأربعة وثلاثين كاتبًا يهوديًا عاشوا في دول المتوسط، مثل الجزائر والمغرب وتونس ومصر وتركيا، جمعتها ليلى صبار وترجمها محمد أكرو، قصد القبض على اللحظة الفالتة بين ماض ممتد كان اليهود شركاء لنا فيه في الفضاء والعطاء، فباتوا يحتكرون ذلك كله، وينفون حقنا فيه. و"الجنس والحريم" لمالك شبل، هذه الموضوعة المغيّبة في ثقافتنا العربية الإسلامية المعاصرة، بما يشكّل مفارقة جديرة بالانتباه والتحليل: سابقًا أبدع العرب في وضع مصنّفات رائعة عن الجنس والمرأة والجسد، أحيانًا بأقلام فقهاء وقضاة، منها "الروض العاطر" للشيخ النفزاوي، واليوم باتوا يحرّمون كتابة وقراءة ذلك، لتصبح كلمة/ منطق "حرام" مثل الملح في طعامنا. لقد بتنا مطالبين بالحزم والجزم: إما المراجعة وإما التراجع، فداعش منظومة تفكير وليست تنظيمًا مسلّحًا فقط.

مها عمر: مصر عبد الحميد جودة السحار

أقرأ هذا الشهر مذكرات عبد الحميد جودة السحار، وهو يرصد قصة طفولته بالأساس، تلك الطفولة التي بدأت في أوائل القرن العشرين. رؤيته كطفل للعالم ولأمه القاسية، ولأبيه وبيته، يحكي جودة السحار تفاصيل البيت المصري بقرون استشعار تلتقط الطبيعة المصرية وتراثها ومظاهرها، والحالة الاجتماعية للناس فيها، ولليهود المصريين وغيرهم، وعلاقات البيوت والجيران، وبيته الذي كان يعج بالأحاديث السياسية والأدبية، وهو لا يرويها بصفته الأديب جودة السحار صاحب الحكايات وساحر السرد، بل بصفته طفلًا يحكي عن الوفد دون أن يتورط في صخب السياسية وينقل أحاديث السلاملك.

اقرأ/ي أيضًا: أكذوبة إحصائيات القراءة

كان سرده طازجًا وممتعًا، مكررًا في مواضع عدة إلا أنك لا تنفك تلتقط خلفه خيط الحكاية دون كلل. ستدهشكم التفاصيل التي ستتأكد بحس القارى الفطن تورط الخيال في جُلها، لكنك عن طيب خاطر ستتظاهر بتصديق أن كل هذا نابع من ذاكرة طفولية كذاكرة الفيل.

ستنتهي/ين من هذا الكتاب محملًا/ـة بذاكرة مزدحمة بالتفاصيل عن الشوارع الشعبية وعادات الزواج والجنازات، ولعب الأطفال وظاهرة الموالد. ستتلمس/ين حقيقة التعايش الطائفي في مصر دون صخب، تعايش عادي كالماء والهواء. وإذا كنت مهتمًا/ـة بمعرفة التكوين النفسي والاجتماعي لكاتب بضخامة جودة السحار فستعرف/ين مصادر إلهامه المحتملة، ذلك الشخص الذي تحولت عدة أعمال أدبية له إلى أهم أفلام تعد من كلاسيكيات السينما المصرية  مثل فيلم "الحفيد" و"أم العروسة".
 
وائل قيس: فتنة كنعان مكية

من النادر أن يصدر روائي عربي، كتابًا ملحقًا لأي رواية صادرة من تأليفه، لكن العراقي كنعان مكية فعلها، عند أصدر كتابًا ملحقًا لروايته "الفتنة" الصادرة عن "منشورات الجمل"، تحت مسمى "هوامش على كتاب الفتنة" عن الدار عينها.

أصدقاء كثر حدثوني عن عمل مكية، وزاد عليه ما كتبه صاحب "جمهورية الخوف" من هوامش ملحقة لعمله الروائي، عندما قال "حل شر جديد بلمحة البصر محل الشر القديم ليصبح أتعس من الأول آخذًا أقل من ثلاث سنوات شكل الحرب الأهلية، وبراكين الغضب مستمرة في الانفجار ولم تهدأ بعد" (ص 84).

اقرأ/ي أيضًا: عن دور النشر وكتبها المترجمة

تحمل "الفتنة" الكثير من المقاربات مع الحدث السوري الراهن، تقاطعات وتداخلات تمزج بين ما يحصل في أرض الرافدين وبلاد الشام، الرواية في العموم، قطعة أدبية نادرة، تحبس قارئ صفحاتها حتى النهاية، وربما هذا أكثر ما يميز الروايات التي تبتعد عن صيد الجوائز.

محمّد زيدان: الحداثة والهولوكوست

الصيف وقت الكتب الصغيرة التي ترافقك لتقرأ منها أينما حللت في مكانٍ مبرّد ولطيف، خاصّة في مدينة ترتفع فيها الحرارة والرطوبة معًا مثل إسطنبول، ولكنّي تورّطت بعد ترجمة مقال عن إيلي ويزل مؤخرًا بالبدء بكتاب "الحداثة والهولوكوست" لزيجمونت باومان أحد أهمّ علماء الاجتماع المعاصرين، والذي يجعل الحداثة واحدة من الشروط التي تحققت فيها هذا الجريمة بعيدًا عن الاختزال السطحيّ لما جرى من جرائم النازيّة على أنّه مجرّد حقبة وحشية عابرة في التاريخ الغربيّ يستحيل أن تتكرّر بدعوى أنّ الحضارة الغربيّة لفظت أسباب العنف من بعد ذلك.

أمّا كتاب اليد الذي يرافقني فهو كتيّب لطيف بإخراج وتنسيق حسن فيه مختارات من كتاب ياقوت الحموي "إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب" من سلسلة "عيون النثر العربي القديم" الصادرة عن دار الكتاب الوطنيّة في أبو ظبي. 

محفوظ بشرى: سيرة الإعدام السياسي في السودان

بعكس ما يظن كثيرون، فإن للسودانيين تاريخًا طويلًا في ممارسة الاغتيال والإعدام السياسيين، يمتد من أيام دولة الفونج (1504) وحتى اليوم، في مواجهة معارضي أنظمة الحكم المختلفة. وربما نتج الاعتقاد بخلو السودان من هذه الممارسة، بسبب نقص البحث التاريخي حولها، إذ ظلت مبعثرة في كثير من المراجع المكتوبة والشفاهية، مثل جوانب أخرى كثيرة مهملة في تاريخ السودان. لذا يُعد كتاب محمد عبد الخالق بكري "سيرة الإعدام السياسي في السودان 1821 – 1898" (الشركة العالمية للطباعة والنشر – القاهرة 1998)، حرثًا في حقل بكر، قد يفتح الطريق لاشتغالات أخرى على المتراكم من خام التاريخ في هذا البلد.

 يقع الكتاب في 110 صفحات، خصصها الكاتب لفترتين من تاريخ السودان، شهدتا تصاعد عنف الدولة إلى حدوده القصوى وتتبَّع فيهما تصفيات المعارضين للسلطة وملابساتها وطرق تنفيذها، وأدوات الإعدام والتقاليد العقابية التي طُبِّقت ودلالاتها؛ هما فترة الاحتلال التركي المصري 1821 – 1885، وفترة الدولة المهدية 1885 – 1898، بوصفهما نموذجين لكل من الحكم الأجنبي والحكم الوطني. حيث شهدت الفترة التركية تطورًا في أدوات الإعدام وأسبابه عمّا كان سائدًا في زمن الفونج، فعرف المواطنون طرقًا جديدة للإعدام مثل الخازوق، والمشنقة، والقتل بقذيفة المدفع، والحرق، والإغراق. بينما أتت المهدية بإضافات أخرى مثل القتل جوعًا وعطشًا، والقتل ضربًا بالهراوات، فضلًا عن الإبادة الجماعية لقبائل بأسرها.

يميز الكتاب بين الإعدام كعقوبة للجرائم الجنائية، واغتيال وإعدام معارضي نظام الحكم. وهو تمييز تأتي أهميته لفهم الدوافع النفسية التي تحكم اختيار طريقة القتل، إذ في الغالب تكون رغبة الحاكم في إخافة وردع من يفكرون بالتمرد عليه أو معارضته، هي السبب في اختيار أو ابتكار وسيلة بشعة تعلق بالأذهان طويلًا. وهو الدافع نفسه الذي يشرح اليوم من أين أتت السمعة المخيفة التي تحيط بأجهزة الأمن في السودان وكثير من الدول الموبوءة بالدكتاتوريات.

اقرأ/ي أيضًا:

ألبرتو مانغويل.. في مكتبة بإيقاعات مجنونة

القارئ في اللانهاية