لماذا لا أتمنى نوبل لأدونيس!

لماذا لا أتمنى نوبل لأدونيس!

أدونيس (نيويورك تايمز)

لمدة طويلة قبل ثلاث سنوات أو أكثر، كنت أشتري مجلة "دبي الثقافية" فقط لكي أقرأ لأدونيس، وأتابع بولع ما كُتب وما يُكتب عنه وأتنسم أي محاولة للحصول على كتبه، سواء كتبها شاعرًا أو منظرًا أو قارئًا في التراث، أدونيس الشاعر الكبير، أدونيس المنظّر الكبير، أدونيس قارئ فحل في التراث، أدونيس رمز الحداثة، أدونيس.. أدونيس.. أدونيس.

أدونيس له من يستبعدهم ويسكرهم لكي يمجدوه ولا يطيق الرأي الآخر ويحارب من ينتقده

وكل عام بمجرد اقتراب الإعلان عن جوائز نوبل، تعيد الغالبية إلى فمها اللبانة التي تمسَّخ طعمها، ويبدؤون الحديث عن حظوظ أدونيس، ويقيمون المقاربات التي تدنيه من الجائزة.

اقرأ/ي أيضًا: أدونيس.. من شاعر إلى ناشط

أدونيس له من يستبعدهم ويسكرهم لكي يمجدوه -ولا أنكر أني كنت من مريديه ولم أره ولو مرة- ولا يطيق الرأي الآخر ويحارب من ينتقده، مثل منعه لمقالات عن طريق علاقاته. غير أن أدونيس لا يقر بمجهود الغير، هو وأنسي الحاج ترجما من كتاب سوزان برنار "قصيدة النثر"، أنسي الحاج ألمح للكتاب بطريقة أو بأخرى، أما أدونيس فلم يفعل.

قبل أكثر من سنتين، أصدر أدونيس كتابًا في أربعة أجزاء عنوانه "ديوان البيت الواحد" الكتاب بدا كتابًا عمدة، رائدًا وجديدًا، لكن المشكلة أنه رجع وصدى لكتاب آخر تناول الفكرة نفسها واستخدم المصطلح نفسه، وربما أبيات كثيرة مما اختارها الناقد الليبي "خليفة محمد التليسي" في كتابه "قصيدة البيت الواحد"، حتى العناوين تكاد تكون متشابهة لأبعد مدى. المهم، المقارنة بين الكتابين ستطول، لكن لماذا لم يقر أدونيس، الشاعر الكبير، أو يلمح بصورة أو بأخرى لمجهود الآخرين؟

وبذكر الكبير لابد من الكلام عن شعرائنا "الكبار" أدونيس وعبد المعطي حجازي. أدونيس، الشاعر المهتم بالإنسان، موقفه من الإنسان العربي في كتابه "الثابت والمتحول" أنه "محصور في المستوي الآلي، الحيواني للحياة الإنسانية"، و"العربي لا يتكلم، إنما يومئ أو يصدر أصواتًا"، وهذه شهادة البراءة الذاتية من موضع المتعالي، لكنه شاعر كبير وله كامل الضمانات ليقول ما يقول، مثل أنه قال عن عبد المعطي حجازي -ولا أدافع عن حجازي بأي صورة- لصحيفة "الحياة" اللندنية في خضم الخلاف بينهما: "إن مثل هذه التهجمات تتعدى الغيرة وقصر الباع".

ومجلة "الشعر" المصرية صدّرت حديثه لها بأنه "اقتضى أدب الحوار وتقاليد المهنة ألا تنشر ما انفلت من الشاعر من ألفاظ واتهامات لا تضيف جديدًا لقضية الشعر"، غير نفي أدونيس للمنجز الشعري المصري في خريطة الشعر العربي. وطبعًا حجازي لم يسكت، بدأ سلسلة مقالات وقتها في جريدة "الأهرام"، ألفاظ وسباب وعصبية وأشياء أخرى.

طريق أدونيس لم يكن خاليًا من الكثير من المطبات الأيديولوجية والمواقف المتناقضة والهوس

أسوق ما حصل بين أدونيس وحجازي، لأبيّن المناخ الذي يتعامل به وفيه الكبار، المناخ الذي صنعوه ونصبوا أنفسهم سادة عليه. هم شعراء كبار ولهم الحق في "الواحدية" وإثبات ذاتهم والهوس بها. وأنت كشاعر كبير يلزم أن يكون لديك منهج قمعي لأي آخر. أنت كشاعر كبير لا يصح أن تتحمل أي اختلاف معك. كل هذا جزء من مانيفستو الترشح والفوز بالجوائز.

اقرأ/ي أيضًا: مطالبات بسحب جائزة السلام الألمانية من أدونيس

طريق أدونيس لم يكن خاليًا من الكثير من المطبات الأيديولوجية والمواقف المتناقضة والهوس. هو الذي لطالما هاجم الطائفية وطالب بالعلمانية وفصل الدين، كان موقفه طائفيًا. وعندما يراجع الواحد بعضًا من مواقفه السابقة يجد الحيرة تجاهها، فهو نفسه قد أيّد ثورة الخميني، وكتب فيه قصيدة "الغرب مات" التي تقول في مطلعها:
"أفقٌ ثورةٌ والطغاة شتات
كيف أروي لإيران حبّي
والذي في زفيري
والذي في شهيقي تعجز عن قوله الكلمات؟".

وهو الذي لم يتوقف عن التحذير من ولاية الفقيه أو تصدر أي دين إلى المشهد، وأن الإسلام شمولي ويجب أن ألا يخرج عن كونه معتقدًا شخصيًا. كما انتقد خروج الناس في سوريا من الجوامع، رغم قوله أن شقوق البيوت كانت تتبع الأمن. أيد النظام السوري رغم مناداته بالتغيير. وكان مع الثورات العربية حتى ظهور الثورة السورية فصار ضدّها، وصرح لصحيفة "السفير" اللبنانية بأنه لا "يتفهم أن البعض يطلق على السوريين "شعب الثورة" وقد هاجر عن سوريا نحو ثلث سكانها". قال ذلك وهو خارج سوريا، وربما لا يتذكر شيئًا عنها غير أنه ما زال يؤيد النظام رغم ما ينال البلد طوال خمس سنوات حتى الآن.

عندما فاز أدونيس بجائزة "ريمارك للسلام" وسئل عن الانتقادات التي وجهت له، قال: "هذه عادة عربية إجمالًا ويمكن تفسيرها كنوع من الحسد والغيرة، وبقايا ثقافة سحرية تبحث دائمًا عن كبش فداء"، رغم أن أبرز منتقديه كانوا غير عرب: الكاتب الألماني الإيراني نَويد كرماني، وكان انتقاده تسليم الجائزة لأدونيس نظرًا لـ"تجاهل أدونيس الوحشية التي يتعامل بها نظام دمشق مع شعبه". والإيطالية جوزيبينا ماريا نيكوليني (ذات الإسهامات تجاه اللاجئين) رئيسة بلدية جزيرة لامبيدوزا وقتها رفضت استلام جائزتها إلى جانب أدونيس.

في زيارة الألماني غونتر جراس إلى اليمن على خلفية مشكلة الكاتب وجدي الأهدل، ألمح لأدونيس إلى مكانة المثقف، خصوصًا لو كان مثقفًا ذا باع، ودور المثقف في الضغط وحصار السلطة، غير دوره وما يقع على كاهله بالنسبة لتنمية الوعي.

لطالما أكد أدونيس أن الإسلام شمولي مع ذلك أيد الثورة الإيرانية الإسلامية

لا أتوقع ولا أتمنى بأي نسبة أن يكون لأدونيس فرص للفوز بنوبل، مهما كان منتوجه الشعري. غير أننا لو قارنا منتوجه الشعري بشعراء نوبل فهو لا يرقى لمستواهم، قارن مثلًا أدونيس بتوماس ترانسترومر أو أكتافيو باث أو سان جون بيرس الذي قام بـ"أدنسته" في ترجمة أعماله.

اقرأ/ي أيضًا: عن أدونيس المنتحل والمكرّم

الحداثة ليست شرطًا من شروط نوبل، وهو لم يعد شاعرًا حديثًا بل بات كلاسيكًا بالنسبة للأجيال التي تلته، واستمرار حديثه عن الحداثة التي تجاوزها الغرب نفسه يبدو أشبه بتوقف العجز، أو فقر في المنتوج الذي يهيئ المناخ لثقافة واعدة، أو أنه ربما يراهن على الحداثة أنها ستستمر بعد التناطح بينها وبين الثقافة الحالية. حداثة أدونيس التي ينادي بيها فضفاضة، وهو نفسه كان يقول: "نحن نعيش في ثقافة لا تترك أي فراغ للأسئلة.. فهي تعرف كل الأجوبة مقدمًا"، أما أن يجزم هو دائمًا أن حداثته هي الحل الأوحد لكل شيء، وينكر أو يرفض أي شيء غيرها، لا يعد إجابة مقدمة.

بعيدًا عن أدونيس، من يتمنى فوزه بنوبل لأجل كونه عربيًا، هذا الكلام ممكن في أي فرع آخر من فروع الجائزة، لا أنكر أن هذا فخرًا كبيرًا، ولكن الأدب كأحد ألوان الفنون، المفروض ألا يوجد فيها نزعة قومية أو أيًا كانت النزعة، الفنون دينها الإنسان والإنسان فقط.

كل الخير لسوريا، أما أدونيس فلا أتمنى أن تذهب نوبل إليه أبدًا.

اقرأ/ي أيضًا:

حاجتنا إلى مهدي عامل

اللغة في ظل الثورة