اللغة في ظل الثورة

اللغة في ظل الثورة

غرافيتي في حمص

حركت الثورة السورية أمورًا كثيرة في هذا العالم، بعيدًا عن محتوى الثورة وما أرادته، فحركت قضية مفهوم المسجد والكنيسة من جديد، المسجد الذي تحدّث عنه أدونيس، والكنيسة التي تحدثت عنها روسيا، وحركت قضية مفهوم الاغتصاب والعذرية والزواج المدني، وعلاقة المذاهب الطائفية بمسألة الزواج، وكذلك كشفت حقيقة المفهوم السائد في بلاد العُرب أوطاني، ومفهوم أوروبا الذي ما زال معلقًا بين موافق وبين معارض على حقيقة هذه البلاد في نظر السوريين.

تفجرت اللغة في أول خطاب سفسطائي لبشار الأسد، وتبعه بعد ذلك الإعلام السوري

لكن الأمر الأكثر غيابًا عن الملاحظة هو عودة السفسطائية، والجدل والشكل الجديد للغة، وتفجّر اللغة التي زعم أدونيس أنه فجرها في يوم من الأيام. وحقيقة الأمر أنّ اللغة تفجّرت وأخذت بعدًا جديدًا منذ انطلاق شرارة الثورة، ولم يكن هذا التفجير وهذه السفسطائية عن عمد، بل جاءت ضمن حدث حقق لها هذه الحاضنة دون دراية، وبات الأمر يسير بشكل تدريجي، ويأخذ شكله الواضح بعد مرور خمس سنوات على بدء الثورة، وبدء اشتعال المنطقة والعالم بهذا الحدث الذي بات حربًا عالمية ليست باردة.

تفجرت اللغة في أول خطاب سفسطائي لبشار الأسد، وتبعه بعد ذلك الإعلام السوري، ومن ثم بدأ الشعب يتناول اللغة في الشارع بعدة طرق، وكل طريقة كانت تثير شكلًا جديدًا للغة، بين الرفاق وأفراد الأسرة الواحدة، وبدأت تمنح عامة الناس طاقة غير مسبوقة في ممارسة اللغة بشكلها الجديد، وتسخير اللغة ضمن معطيات يقودها صاحبها بطرق تكاد تكون قريبة للفلسفة والجدل، وبدأت الخطابات تأتي بعد ذلك بهذه السمة على لسان البيت الأبيض وبعض القادة العرب من هنا وهناك، وبعض الشخصيات الفنية والسياسية والأدبية، وحتى الأطفال انطلقت ألسنتهم بلغة عجزت المدارس على إطلاقها لهم ضمن لغة تتجاوز التعبير الذي كان أقصى ما يمكن الوصول إليه وهم بهذه الأعمار.

جاء أبو نظير وأطلق عبارة "ربي يسر"، وكانت بمثابة مدلول جديد على أنّ الأمور تأخذ شكلًا قدريًا لا مناص منه، وبان كي مون أعرب عن قلقه، وكأنه بهذا القلق يمنح مشهدًا تراجيديًا على المسرح الشكسبيري، وأوباما منح مفهومًا جديدًا للزمن حين صرّح أكثر من مرة بأن أيام الأسد باتت معدودة، وجاء مفهوم الإيمان بالقدر والتسليم به على لسان أولئك الذين تحولوا لحكماء لا يقولون شيئًا إلا ما قل ودل "الله يطفيها بنورو". ولم يكن رئيس الائتلاف أحمد الجربا أقل من غيره حين فجّر اللغة والمفاهيم بعبارته الشهيرة "ثقافة الثقافة"، وكانت الكارثة الأكبر على لسان سهيل النمر حين رد على سؤال، وراح يفجّر لغة جديدة أرادها النظام منذ بدايات الثورة، تلك اللغة التي يمكن للباحث بها أنْ يجدها لغةً لم تسبق الثورة، "على العالم أنْ يعرف أعداء العالم"، ولم يكن غريبًا على وليد المعلم حين قال "سنغرقكم بالتفاصيل"، وهذا ما حدث وما يحدث.

إنّ ما تم ذكره أعلاه عبارة عن مقتطفات سريعة لعنوان يستحق التوقف عنده مليًا، وإن المرحلة أفرزت لغة جديدة جعلت أصحابها يميلون معها وفقًا لمجموعة ألغاز سياسية تسيطر على المنطقة، وتأخذ بعدًا نفسيًا وفلسفيًا، يمتزج مع روح اللغة الجديدة والمفاهيم التي تم إطلاقها بصياغات جديدة تكاد تكون عفوية في بعض الأحيان، وهذا ما يؤكد على أنّ الثورة كانت بالغة الأثر داخل النفوس، وتجلى هذا الأثر على صعيد اللغة وصعيد بعض المفاهيم.

اقرأ/ي أيضًا:

كوميديا الثورة السورية

أساطير العسكري السوري.. جنس وحب وقوة