حاجتنا إلى مهدي عامل

حاجتنا إلى مهدي عامل

أسامة دياب/ فلسطين

في عام 1974، عُقدت ندوة فكرية في الكويت، حول موضوع "أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي"، بمشاركة عدد كبير من المفكرين العرب، من بينهم: زكي نجيب محمود وأدونيس ومحمود أمين العالم وأنور عبد الملك وفؤاد زكريا وآخرين. 

يرى مهدي عامل أن الرجوع في التاريخ إلى الجاهلية أو الإسلام ليس ضروريًا لفهم تكوّن البنيات الاجتماعية العربية القائمة حاليًا

ناقشت الأبحاث المُقدَّمة في تلك الندوة أزمة التطور التي أدت إلى عدم قدرة الحضارة العربية على الوصول إلى ما وصلت إليه الحضارة الغربية من "تقدم". بعد أن كانت حضارة زاهرة، ثم دخلت في طور "انحطاط" طويل لم تخرج منه بعد. وتعليقًا على هذه الندوة، كتب المفكر اللبناني مهدي عامل (1987- 1936)، كتابه المُهم: "أزمة الحضارة العربية أم أزمة البورجوازيات العربية" الذي رأى فيه أن مجرد الإقرار بأن أزمة مجتمعاتنا العربية القائمة هي أزمة الحضارة العربية، يفرض على الفكر اتباع منهج يبتعد فيه عن معالجة الأزمة الفعلية، من حيث هي أزمة هذه المجتمعات في بنياتها القائمة، ليسير في اتجاه آخر هو اتجاه البحث عن أسباب هذه الأزمة في بنية الحضارة العربية نفسها، فيرتد بهذا إلى الماضي للبحث عن أسباب علَّة الحاضر. 

محاولة قراءة الواقع في الماضي، بدلًا من قراءته في ذاته، هو ما ينتقده عامل بشدة؛ لأن الحاضر في رأيه هو الذي يملك مفتاح الماضي وليس العكس، على حد تعبير ماركس. يضرب عامل مثالًا على ذلك باستحالة قراءة نمط الإنتاج الرأسمالي، مثلًا، في بنية نمط الإنتاج الإقطاعي؛ لأن العلاقة بين هذين النمطين من الإنتاج ليست علاقة استمرارية بل علاقة قطع، ليس فقط في بنية علاقات الإنتاج في النمطين، بل فيما يقوم عليهما من بناء فوقي أيضًا (كالدولة وأجهزتها ومختلف الأشكال الأيديولوجية للوعي الاجتماعي، من فن وفلسفة ودين وأخلاق وقيم وعادات وتربية).

وإذا كان الإنتاج المسيطر في البلدان العربية هو نمط الإنتاج الرأسمالي، أو شكل تاريخي محدد منه هو الشكل الكولونيالي، وأن تاريخ تكوّن علاقات الإنتاج الرأسمالية لم يبدأ مع ظهور الإسلام أو الجاهلية أو العصر الأندلسي، إلخ، بل مع بدء التغلغل الإمبريالي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كما هو معلوم. فإن عامل يرى أن الرجوع في التاريخ إلى الجاهلية أو الإسلام أو حتى إلى ما قبل بدء تكوّن العلاقات الرأسمالية في أوروبا نفسها، ليس ضروريا تمامًا، أثناء محاولة فهم تاريخ تكوّن البنيات الاجتماعية العربية القائمة حاليًا.

يعتقد عامل أن إظهار أزمة الحركة التاريخية للبنيات الاجتماعية العربية في شكل "أزمة الحضارة العربية" هو إخفاء لحقيقة هذه الأزمة، من حيث هي أزمة البرجوازيات العربية المسيطرة. وهنا يكمن التضليل الأيدولوجي في استخدام عبارة "حضارة". فالقضية الأساسية التي غابت عن أبحاث الندوة، في رأي عامل، هي التحرر الوطني من الإمبريالية. فلو طُرحت هذه القضية لتحددت المهمة الأساسية للشعوب العربية في ضرورة التحويل الثوري لبنية علاقات الإنتاج الكولونيالية، التي بتجددها المستمر، تتجدد السيطرة الإمبريالية، ويتأبد خضوعنا لهذه السيطرة، ويتأبد بالتالي ما يسمى "تخلفنا".

الدوافع التي تسببت في انتفاضة الشارع العربي، كانت نتيجة مباشرة لممارسات البرجوازيات العربية المسيطرة منذ عقود

هذا بالضبط ما تهدف إلى إخفائه البرجوازيات العربية المسيطرة، كما يبين لنا عامل، عن طريق ربط التطور الراهن للبنية الاجتماعية العربية بتطور البنية الاجتماعية الرأسمالية قبل ظهور الإمبريالية. وطمس قضية التحرر الوطني وإظهارها كأنها مجرد "تخلف" كمي أو تأخر زمني في تطور الرأسمالية عندنا، عن "تقدمها" في أوروبا الغربية وأمريكا. وهو ما يجعلنا نعيش دائمًا في حالة جلد للذات؛ لأن أية عوائق في سيرنا "الحضاري" هذا إلى "النموذج الكامل" لكل "حضارة وتقدم" لا بد من البحث عنها فينا نحن أو في "حضارتنا" العربية.

أفكار عديدة ومهمة، ناقشها عامل في هذا الكتاب، أصعب من أن تُجمع في مقالة. إلا أن أهم ما يمكن ملاحظته بعد مرور أكثر من أربعين عامًا، أن أغلب النقاشات الفكرية، التي تُطرح فيما يُعرف بالأوساط الثقافية العربية، حول نفس موضوع ندوة الكويت، ما زالت تدور في فلك الأسباب الثقافية/ الحضارية/ التراثية. وبالتالي فإن الأطروحات الناتجة عن هذه النقاشات لم تخرج عن أفكار من نوعية، تجديد الخطاب الديني وتنقية التراث من العنف وغيرها من الأطروحات الثقافوية، التي تعيد البحث عن أزمة الحاضر في الماضي، مرة أخرى. 

وبالرغم من أن مرحلة الانتفاضات العربية التي شهدتها بلادنا أخيرًا، كانت فرصة ذهبية لطرح قضية التحرر الوطني، التي شغلت مهدي عامل، ومناقشتها في سياقها. وخصوصًا أن الدوافع التي تسببت في انتفاضة الشارع العربي، كانت نتيجة مباشرة لممارسات البرجوازيات العربية المسيطرة منذ عقود. إلا أن القطاع الأكبر من النخب في العالم العربي، ما زالت تصمم على مناقشة الأزمة الحالية من نفس المنظار الثقافوي، والعودة إلى ثنائيات بالية، مثل "التقدم والتأخر" و"الأصالة والحداثة". وكأن على الشارع العربي الآن، إذا أراد حلًا لمشكلاته، أن يعود إلى "تراثه" أولًا، ليبحث فيه عن مواضع الخلل! 

اقرأ/ي للكاتب:

ليس للفلسطيني حتى الريح

وجهان لسلطة واحدة