أدونيس.. من شاعر إلى ناشط

أدونيس.. من شاعر إلى ناشط

أدونيس في غرناطة 2012 (Getty)

ليس الأمر أننا كتبنا كثيرًا عن أدونيس وفنّدنا موقفه وآراءه بمافيه الكفاية، لكن الأمر أنه تحوّل من شاعر وكاتب إلى ناشط، لا يتوقف عن التحرك والانتقال من مكان إلى آخر في أرجاء المعمورة ليشتم الشعب السوري وليروّج للنظام، وليعتبر أن معارضيه إرهابيين وأن الثورة عليه إرهابية وأن جميع من يقاتله إرهابي أيضًا. 

لا يتوقف أدونيس عن التحرك في أرجاء المعمورة ليشتم الشعب السوري وليروّج للنظام

وإن كان أدونيس دائب الحركة منذ أول عهده بالكتابة إلا أنه كان يقوم بذلك لأجل أن يناقش فيما هو ثقافي وشعري، لكنه، منذ آذار/مارس 2011، تخلى عن كونه ناشطًا ثقافيًا ليصير ناشطًا سياسيًا، وخلال حركته الدؤوبة تلك قال بالسوريين ما قاله/ أو ما لم يقله، أصلًا، مالك في الخمرة! ليس آخر أقواله وأكثرها صفاقة أن الشعب السوري هاجر نحو ثلثه وبالتالي لم يعد بالإمكان إطلاق صفة "ثوري" عليه! كأنما السوري هاجر حبًا بالهجرة، وباستكشاف الأماكن، وليس تحت ضربات البراميل والصواريخ والقنايل الفراغية وسواها من أسلحة "الرئيس المنتخب". أمام هذا النشاط الذي يضاهي / بل يكاد يفوق نشاطات مؤسسات بأكملها نجد أنفسنا ملزمين بلا توقف على مجابهته ومجابهة آرائه وتفنيدها بلا هوادة، هو الشاعر المتواجد بقوة في ساحات العالم الثقافية وإعلامها.

اقرأ/ي أيضًا: مطالبات بسحب جائزة السلام الألمانية من أدونيس

لا بد أن ثمة أسبابًا قوية حولته من شاعر إلى ناشط سياسي، قد نجدها، بالفعل، في كتابه المركزي "الثابت والمتحول – بحث في الإبداع والإتباع عند العرب" (1973). يبدأ كتابه لحظة "الانفجار الكبير"، تلك اللحظة التي تأسس عليها التاريخ الإسلامي في جانبه السياسي والاجتماعي، كما في جانبه العقدي الإيماني، وهي لحظة الاختيار بين علي خليفة للمسلمين بعد النبي وبين آخر سواه. 

وبدءًا من تلك اللحظة سوف ينقسم المسلمون إلى سنة وشيعة، وسوف ينقسم القرآن أيضًا: إلى قرآن سني، وآخر شيعي أيضًا، والذي يحدد الفرق بينهما هو التفسير والتأويل، وحسب ذلك فإن قرآن السنة مختلف عن قرآن الشيعة اختلاف تأويله. يتبنى أدونيس الخطاب الشيعي مباشرة وبلا تردد عندما يقول بعبارة حاسمة: اجتمع المستضعفون إلى جانب علي. وذلك في معرض كلامه عن التحركات التي يعتبرها "ثورية" ضد "نظام الحكم" آنذاك، وهو الخلافة. 

ينتقد أدونيس بقوة أقطاب الحكم الإسلامي أنذاك والخليفة أيضًا انتقادات حادة، بل أكثر، إنه يخاصمها ويعاديها بدليل اتهامها بشكل مباشر بقتل خصومها، لاتوجد هنا أية مشكلة، فهو يعتمد وثائق التاريخ من كبار مؤرخيه، لكن المشكلة أنه لا يفعل سوى أنه يحافظ على/ ويرسخ صورة علي كما هي متواجدة ومتوارثة وراسخة في الذهن الشعبي الشيعي كما في كتب الشيعة. لا نقد، ولا حتى ملامة... وعندما يأتي على ذكر الحركات الثورية المناهضة للخلافة، يذكر تاريخًا من الحركات الشيعية، كالقرمطية والفاطمية، أو القريبة منها كالصوفية التي تربطها بالتشيع علاقات قربى من الدرجة الأولى.. يرى أن هذه الحركات تمثل المتحول الإسلامي لأنها ترى القرآن في عمقه، فيما وراء اللغة، في "الحقيقة"، فيما التصور الآخر، السني هو "الشريعة"، وهو القارئ للقرآن بحرفيته، لذلك هو ثابت. 

وقف أدونيس ضد كافة الكتائب الإسلامية التي تشكلت في سوريا، لكنه صمت كالنائم إزاء كتيبة "حزب الله"

يرفض أدونيس رفضًا باتًا الثابت السني، وينحاز بالمطلق للمتحول الشيعي، لكنه يؤكد/ ولم يزل أن الثابت يتحول في مراحل معينة، وأن المتحول يثبت في مراحل أخرى، لكنه، في كتابه هذا، وفي كتاباته اللاحقة حتى يومنا هذا، لم يعرض ولا مرة للمتحول الذي ثبت وللثابت الذي تحول.. سكن التاريخ تمامًا وتوقف، فبقي الثابت ثابتًا والمتحول متحولًا.

اقرأ/ي أيضًا: عن أدونيس المنتحل والمكرّم

من هنا نستطيع ربما أن نفسر مواقفه من الثورة الإيرانية التي وقف معها باعتبارها، وفق وجهة نظره هذه، تمثّل الإسلام المتحول. ولم يقف مع الأخوان المسلمين لأنهم حزب ديني وهو يرفض الأحزاب الدينية، لكنه وقف مع "حزب الله" على الرغم من أنه حزب ديني، ذلك لأن "حزب الله" شيعي يمثل الإسلام المتحول! ووقف ضد كافة الكتائب والقوى الإسلامية التي تشكلت أو دخلت إلى سوريا، لكنه صمت، كالنائم، إزاء كتيبة "حزب الله"، وكتائب العراق الشيعية، والحرس الثوري... ذلك أنهم إسلام شيعي متحول!

وباعتبار أن النظام السوري شيعي المذهب (كبنية) فإنه يمثل الاسلام المتحول، لذلك يقف، مسعورًا، معه! انطلاقًا من هذه الرؤية يمكننا فهم استماتة الشاعر في أن يكون ناشطًا سياسيًا لصالح الإسلام المتحول، الذي هو، هنا والآن، النظام السوري.