"كلوب هاوس" بئر الأصوات

كلوب هاوس (Getty)

تأخذنا المساحة التي خلقها كلوب هاوس إلى عالم الأصوات، لنرى أناسًا نعرفهم من خلال نبرات كلماتهم وإيقاع أنفاسهم، وبالتالي سنعيد النظر في معنى المناقشة والحوار بالشكل الذي عرفناه من قبل على المنصات، إذ اتخذ شكل تعليقاتٍ في معظمها، أو ردودًا شفهية خلال البث المباشر، فيما الأمر مختلف جدًّا هنا، لأننا نعيد اكتشاف كل شخص مع الاستماع إلى صوته.

الكلام والحديث يجعلانا نرى الأفكار من منظور الآخر الذي نحدّثه، ما يقود إلى استيعاب العاطفة الكامنة وراء الأشياء وإلى ربطها بالحياة

يساعد على نمو هذه المساحة الافتراضية أنها تأتي في زمن الحجر وانتظار اللقاح، ولهذا فالثرثرات التي طالما ملأت أرجاء الحياة، في البيوت، في أمكنة العمل، في الفضاء العام؛ تجتمع كلّها في مكانٍ واحدٍ لكي تشكّل ديوانًا لا نهائيًّا من الأصوات البشرية، الراغبة في تحويل الحياة إلى نوع من الحوار أو الدردشة.

اقرأ/ي أيضًا: ما هو تطبيق "كلبّ هاوس" الذي قفزت قيمته إلى مليار دولار في أقل من عام؟

الذين ذهبوا إلى البرنامج ذهبوا لكي يتكلموا. والكلام يعني أن تَسمع وتُسمع، أن تأخذ وتُعطي. إنه باختصار أن تُبادل دون استئثار.

حين تجادل وتختلف في كل ما يتعلّق بالأفكار والمشاعر فأنت مدعو لأنْ تتعلّم. صحيح أن المعلومات موجودة في كل مكان، لكنّ الكلام والحديث يجعلانا نرى الأفكار من منظور الآخر الذي نحدّثه، ما يقود إلى استيعاب العاطفة الكامنة وراء الأشياء وإلى ربطها بالحياة.

إنه حديث مفتوح من كل أحد حول كل شيء. من الفكر والاجتماع والتاريخ والأدب إلى المشاكل الشخصية. وهو أيضًا تذكير بأن البشر لا يزالون يرغبون بالكلام، وكأنه الحقيقة التي تربطهم بينهم، والتي أهملوها عندما راحوا يركّزون على صور وفيديوهات مفكرّ بها مرارًا قبل إطلاقها.

تذهب المنصات بنا إلى آفاق بعيدة، مُغيّرة من عاداتنا وأفكارنا وروتيننا. وكلما ظهر تطبيق جديد نُهرع إليه فرادى وجماعاتٍ كي نلتحق بالركب، ونبقى مستعدين للمغادرة إلى جديد آخر، فأكبر الدروس التي تُعلمنا إياها حياة التكنولوجيا والتقنيات هو أن نكون على استعداد لنمضي وكأننا بدوٌ افتراضيون، بدلًا من أن يبحثوا عن الماء والكلأ باتوا يبحثون عن إمتاع ومؤانسة. ومع تغيّر الوسائط من اللغة إلى الصورة إلى الفيديو، إلى الصوت الآن، سنظلّ مستعدين للبحث عن جديد، كي نمضي إليه ونصادف الأشخاص الذين صادفناهم من قبل في تطبيقات أخرى. فما الذي نريده حقًا؟ أن نتحدث مع بعضنا البعض بأكثر من طريقة؟ أم أن نجرّب إمكانيات الوسائط بالأشخاص؟ أم أن نجرّب الأشخاص لاكتشاف التقنيات؟ أم أننا آخر الأمر سنقرّ ونعترف بأن ذلك كله تجارب على أنفسنا بالتقنيات والأشخاص معًا؟ من يدري!

في كلوب هاوس، تحضر حضورك الطبيعي، بالهوية التي تمتلكها لا بالتي تدعيها، وتحضر بالقوة ذاتها في الآخر ويحضر فيك

ما الدافع النفسي إلى عدم الاكتفاء بالمنصات التقليدية: فيسبوك وتويتر، رغم أنهما، كما غيرهما، يحاولان احتكار وجودنا عليهما عبر تقديم كلّ شيء؟ هل نمضي نتيجة لضجرنا من شعبية تلك المنصات؟ لكن المنصات الجديدة ستصبح شعبية أيضًا! أم هي الرغبة في التواجد في مكان حرّ، نسبيًّا، لا يُشوش علينا بالإعلانات والجماهير الواسعة؟

اقرأ/ي أيضًا: رحلة تطبيق ToTok العجيبة.. هل تدخّلت الإمارات لإنقاذ أداة "التجسس"؟

ليست فكرة كلوب هاوس بالجديدة. إنه نوع من التطوير للتراسل اللاسلكي الذي عرف أشكالًا عديدة أشهرها جهاز "Citizens Band Radio" الذي اشتُهر في ثمانينيات القرن الماضي، عندما أتاح فرصة الاتصال الصوتي بين الأفراد على مسافات معينة. لكن الجديد هنا، وهذا مجرد انطباع أولي، أنه ليس المهم كيف تبدو بل من أنت حقًّا. ليس المهم كيف تريد أن تكون بل من تكون على وجه التحديد. هنا لا يمكنك اختراع هوية، فلا صور ليكون لها فلاتر ومحسنّات، ولا مساحة للسطو على مقولات جميلة وشاعرية ونسبها إلى نفسك. هنا تحضر حضورك الطبيعي، بالهوية التي تمتلكها لا بالتي تدعيها، وتحضر بالقوة ذاتها في الآخر ويحضر فيك، وبمقدار قدرة كلٍّ منكما على اكتشاف الآخر المقابل والآخر الذي فيك سيأخذ ديوان الأصوات معناه، أو أنه سينهار ويتحول إلى مجرد بئر من أصوات مخيفة وغير مفهومة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

على منصات مواقع التواصل الاجتماعي: حياتي للبيع!!

منصات الإعلام الاجتماعي.. صوت مصر الحقيقي