قضايا الحراك العربي الراهن في منظور عزمي بشارة

قضايا الحراك العربي الراهن في منظور عزمي بشارة

المفكر العربي عزمي بشارة (يوتيوب)

استضاف التلفزيون العربي مساء الإثنين الثامن عشر من تشرين الثاني/نوفمبر الجاري الدكتور عزمي بشارة في لقاء تفاعلي مباشر للرد على أسئلة الجمهور حول الحراك العربي الراهن وحول مجموعة من القضايا الإقليمية وقضايا السياسة الدولية.

الجزائر.. حراك مفتوح على كل الاحتمالات

حول الملف الجزائري تلقى بشارة أسئلة متنوعة تتعلق بمستقبل الحراك وبالانتخابات المزمعة في الثاني عشر من كانون الأول/ديسمبر 2019 وعن موقف الجيش من العملية السياسية ككل؟ اعتبر بشارة أن الفترة التي مرّت على الحراك، وهي بالضبط ثمانية أشهر، كانت كافية لكي يصنع الحراك شرعيته الخاصة التي تُعتبَر حاليا أحد أهم مراكز الشرعية في الجزائر، لكن هذه الشرعية، بحسب بشارة، لم تُستغل بالشكل الذي ينبغي من خلال طرح بديل سياسي وإفراز نخب وقيادات تُعبّر عن الحراك. أما بشأن موقف الجيش الجزائري فيعتبر بشارة أن الجيش اتخذ مجموعة من المواقف الإيجابية تُحسب له بغض النظر عن نواياه الحقيقية. ومن بين تلك الإجراءات الإيجابية عزل غالبية رموز النظام السابق وتعبيره المستمر عن احترام الدستور وفتح الباب أمام انتخابات رجّح بشارة أن تكون نزيهة لاعتبارات ضغط الشارع من جهة وتعيين لجنة إشراف مستقلة من جهة ثانية.

كما اعتبر بشارة أن من الإيجابيات التي تحسب للحراك في الجزائر عموما عدم تصادم الجيش بالشعب بل وعدم وجود نية لذلك بدليل الفترة الزمنية التي مضت على الحراك، وربما يعود ذلك بحسب بشارة إلى استخلاص العبر من عشرية الجمر. لكن في المقابل ثمة بعض المؤشرات السلبية من الجيش تتعلق أساسا بالاعتقالات في صفوف الحراك وعدم المرونة، وهذه الخاصية تنطبق أيضا على الحراك في الشارع، فثمة حاجة ماسة لإيجاد نوع من الثقة والحوار والتفاوض وحتى المساومة إن اقتضى الأمر ذلك، وذلك للمرور إلى مرحلة انتقالية تقود إلى تحول ديمقراطي متوافق عليه. بالمحصلة اعتبر بشارة أنه من الصعب تفسير سلوك الجيش: معتبرا أنّ الجيش يحب أن يُجرّب بأن يوضع أمام محك تجربة انتقال ديمقراطي وفي هذا الإطار اعتبر بشارة أن قايد صالح سيدخل التاريخ من بابه الواسع إذا قاد التحول الديمقراطي في الجزائر إلى بر الأمان. وفي كل الأحوال اقترح بشارة على الحراك التنبه والحذر.

بعد الانتخابات يقول بشارة أن الحراك مفتوح أمام كل الاحتمالات فإذا كانت نسبة المشاركة الشعبية ضعيفة في الانتخابات فإن الشرعية ستكون هشة وستكرس قوة الجيش أكثر في أي مساومة أو تسوية ممكنة.

اقرأ/ي أيضًا: عزمي بشارة يسائل الحراك الاحتجاجي العربي الراهن

العراق معركة اجتثاث الطائفية

حول الملف العراقي ثمّن الدكتور عزمي بشارة موقف السيستاني واعتبره موقفًا إيجابيًا صادرًا عن انتماء وطني بالرغم من كون السيستاني دعم الكثير من النخبة السياسية الحالية. إلا أنه رفض العنف ضد المحتجين ورفض التدخل الخارجي، وتحدث بانحياز واضخ لمطالب المحتجين، ولم يصدر في ذلك كله عن خلفية طائفية، بل إنه تحدث مؤخرا عن ضرورة وضع نظام انتخابي جديد، وهو الأمر الذي أكد عليه الدكتور بشارة في حلقته السابقة مع التلفزيون العربي، وزاد بشارة في حديثه بطرح خيار الانتخابات الإقليمية والنظام المختلط وانتخاب الرئيس، لإضعاف الأحزاب الطائفية، معتبرًا أن الطائفية في العراق يمكن تخطّيها في وقت سريع لأنها لم تتجذر بعد كما هو الحال في لبنان حيث النظام الطائفي متجذر.

اكتمال مربع أضلاع صفقة القرن

 الدكتور بشارة عرّج أيضا أثناء اللقاء على قرب إعلان واشنطن عدم تعارض المستوطنات الإسرائيلية في الضفة مع القانون الدولي، واعتبر بشارة أن هذه الخطوة تعني اكتمال أضلاع مربع صفقة القرن، التي تقوم فعليا على أربعة مرتكزات: تصفية قضية اللاجئين، إلغاء قضية القدس والاعتراف بضمها لإسرائيل، وثالثًا ورابعًا قضايا الحدود والمستوطنات. بشارة اعتبر في هذا الصدد أن الإدارة الأميركية الحالية هي إدارة يمين صهيوني استيطاني. بشارة اعتبر أن مواجهة صفقة القرن والاحتلال بشكل عام لن تكون مجدية دون خطة مقاومة تعيد إحياء منظمة التحرير وتُفعّل دورها النضالي التاريخي أما الاستنكارات وبيانات الشجب فلن تجدي نفعًا في ظل السلطة القائمة وحالة الانقسام بين الضفة وغزة.

اقرأ/ي أيضًا: قراءة عزمي بشارة من السودان.. العامل الخارجي والمسار الديمقراطي

الحراك الاحتجاجي في إيران

لم يرجح عزمي بشارة فرضية أن تكون احتجاجات إيران بفعل التأثر بالحراك الذي يشهده العراق ولبنان، فللإيرانيين أسبابهم الخاصة وتاريخهم الخاص مع الاحتجاجات. واعتبر بشارة أن أسباب الحراك الحالي في إيران برمتها اقتصادية واجتماعية بفعل الغلاء والفجوة القائمة بين الشعب والسلطة والريف والمدن. ولعل العقوبات الاقتصادية الأخيرة زادت الأزمة حدّة حيث تواجه إيران لوحدها تبعات العقوبات في ظل الموقف المتردد للاتحاد الأوروربي والخذلان الروسي، بل إن روسيا حسب بشارة تعتبر أحد المستفيدين الكبار من العقوبات على طهران.

لبنان والخروج من النظام الطائفي

أكّد بشارة من جديد أن ما يحصل في لبنان حاليا هو حدث تاريخي كبير، فتحدي النظام الطائفي المتجذر خطوة متقدّمة جدًا، لكن من الصعب تصور إزالة النظام الطائفي هناك بين عشية وضحاها. ومع ذلك فإن ما سيهيمن في النهاية هو هذا التيار اللاطائفي.

بشارة: ما يحصل في لبنان هو حدث تاريخي كبير، فتحدي النظام الطائفي المتجذر خطوة متقدّمة جدًا

وبشأن رفض الحراك للسياسيين الطائفيين والحديث عن حكومة تكنوقراط نبّه بشارة إلى أهمية أن لا يتحول ذلك إلى نوع من النفور من السياسة لأن ذلك يشجع الديماغوجيين والشعبويين، فليس هناك غنى في النهاية عن دور السياسييين. أما فيما يخص حزب الله فقد استبعد بشارة أن يلجأ الحزب لاستعمال سلاحه، مشيرًا في الوقت نفسه إلى الوضع الصعب الذي يمر به حزب الله بسبب وضع إيران وبسبب تحالفاته الداخلية. لكن بشارة أكد من جديد أن موضوع الحراك الاحتجاجي هو النظام الطائفي وليس حزب الله.

اقرأ/ي أيضًا: "الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيّلة" لعزمي بشارة.. تأصيل غير متخيل

السودان وشراك المرحلة الانتقالية

في الملف السوداني توقع عزمي بشارة أن تُرفع العقوبات تدريجيًا عن السودان، لكنه شدد على ضرورة أن تُصارح حكومة عبدالله حمدوك الشعب بشأن سقف المطامح، فمن المستحيل تحقيق نتائج اقتصادية كبيرة في ظل ما يعانيه السودان حاليًا، ولذلك من الضروري العمل على خفض سقف توقعات الناس والتأكيد قبل ذلك وبعده على رفض الحكم العسكري بغض النظر عن النتائج التي ستنتهي إليها المرحلة الانتقالية التي تمتد لسنتين.

تونس: أزمة في الحياة الحزبية

اعتبر عزمي بشارة أن من بين أبرز التحديات التي تواجه النموذج التونسي حاليًا هو تشظي الحياة السياسية وضعف المشاركة الشعبية في الانتخابات وظاهرة السياحة الحزبية التي أدّت إلى تفكك حزب نداء تونس. لكن بشارة سجّل بارتياح نجاح النموذج التونسي في ترسيخ الانتقال الديمقراطي وتقديم نموذج جاذب للشعوب العربية وتحوّل الديمقراطية إلى جزء من الوطنية التونسية.

أما بشأن ليبيا والتدخلات الخارجية وخاصة الروسية فقد اعتبر بشارة أن دعم روسيا لحفتر يتماشى مع إرادتها تصدير مشروع الأوتوقراطية والسلطوية في العالم بدعوى مواجهة التمدد الغربي تحت ستار الديمقراطية. وتلتقي روسيا في هذا المسعى مع الصين ومع أيضا مجموعة من الدول العربية في مقدمتها الإمارات والسعودية.

المصالحة الخليجية الخليجية

اعتبر بشارة أن هنالك ملامح مصالحة قادمة في الخليج، واعتبر المصالحة خطوة جيدة، مشيرا إلى أن دول الحصار هي من اختلقت الأزمة بداية، لكن بشارة استبعد أن تهرول قطر للمصالحة دون رفع الحصار والحصول على ضمانات بعدم التدخل في شؤونها الداخلية واحترام استقلاليتها.  

استبعد بشارة أن تهرول قطر للمصالحة دون رفع الحصار والحصول على ضمانات بعدم التدخل في شؤونها الداخلية

اختتم بشارة لقاءه بالإجابة عن سؤال يتعلق باحتجاجات السترات الصفراء في فرنسا، وقد اعتبر بشارة أن هذا الحراك نتيجة متقدمة جدًا لانهيار إجماع ما بعد الحرب العالمية الثانية وتوتر العلاقة ما بين الليبرالية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وبروز النيولبرالية في الثمانينات. واعتبر بشارة أن حراك السترات الصفراء ظاهرة جديدة يمكن تصنيفها في حيز ما وراء اليمين واليسار. لكنه في النهاية حراك فرنسي جدًا، مطالبه اجتماعية بالدرجة الأولى.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

في راهنية مشروع عزمي بشارة عربيًا

عزمي بشارة مشخصًا حال الخيار الديمقراطي العربي