أليكس فالكو/ كوبا

مع البداية المفاجأة لانتشار فيروس كورونا، وتحوله إلى وباء عالمي، حلّت حالة من الصدمة أصابت حكام العالم، وخلقت خلخلة في منظومة الهيمنة الرأسمالية العالمية، وشكّل هذا رؤيتين كبيرتين لكيفية التعامل مع الأزمة.

تنازعت العالم في أزمة كورونا رؤيتان اثنتان، الأولى تحاول تقديم الأرباح على الصحة، والثانية تقدم حياة البشر على الأرباح

الرؤية الأولى رؤية نيوليبرالية صريحة تحاول تقديم الأرباح على الصحة، وتجادل بأن توقف الاقتصاد أخطر على المجتمع من الوباء، وأن عجلة الإنتاج لا بد أن تمر، ولو كان هذا على أجساد بعض البشر من كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، وأن عليهم حماية أنفسهم أو الموت في صمت، وما علينا سوى السماح بانتشار الفيروس، بهدف خلق مناعة مجتمعية، فمناعة القطيع هي الحل. وتبلورت هذه الرؤية في خطاب بوريس جونسون (ودّعوا أحبابكم)، وهي أيضًا ما يشير إليه ترامب مع كل خطاب جديد.

اقرأ/ي أيضًا: نحو عالم ما بعد كوروني

على الطرف الآخر كانت هناك رؤية ثانية ناتجة بالأساس عن حالة التخبط والفراغات الناتجة عن خلخلة ما بعد صدمة خطاب النظام المهيمن، وهي رؤية تقدم حياة البشر على الأرباح، وترى ضرورة توقف عجلة الإنتاج عن كل ما هو غير حيوي وغير ضروري حتى زوال الخطر، مع عمل كافة الإجراءات الوقائية اللازمة للحد من انتشار الفيروس مجتمعيًا، مثل التوسع في عمليات الفحص والرصد والتتبع، وفرض حظر تجوال جزئي وكلي، بالإضافة إلى وقف الرحلات بين الدول لحين السيطرة على الفيروس.

عمومًا سنجد داخل كل دولة مزيج من هاتين الرؤيتين بنسب متفاوتة، وصراع شديد بينهما، وهذا المزيج ناتج عن التطور المركب اللامتكافئ للاقتصاد العالمي، الذي خلق مراكز رأسمالية في دول الأطراف تدافع عن مصالحها، وجيوب شديدة الفقر بدول المركز تدافع عن حياتها، ونتج عن هذا مجموعة من الإجراءات التي تستحق تسليط الضوء عليها، ليس باعتبارها إجراءات ثورية، ولكن لكونها إجراءات كشفت عجز قانون السوق عن مواجهة الأزمة، بل ومفاقمته لها بالكثير من المواقع.

حظر صحي وتعويضات للعمال

تحت التأثير المفاجئ لانتشار الوباء، قررت بعض الدول الرأسمالية فرض حظر تجوال صحي، مع رفع الاستعداد داخل المستشفيات وكل القطاعات الصحية، وإلغاء فواتير الكهرباء والمياه والغاز والسكن وغيرها من الأعباء عن كاهل المواطن، كما قامت بمنح تعويضات مادية وعينية للمساعدة على الحياة في ظل الأزمة، مثل إجازات مدفوعة الأجر وبدل بطالة.. إلخ، مع فتح المجال للعمل في الصناعات الحيوية ببعض الدول لحين السيطرة على انتشار الوباء.

بالطبع هي إجراءات مؤقتة مرتبطة بالأزمة، وعليها صراعات ضخمة داخل النظام الرأسمالي نفسه الآن، ولكنها أيضًا إجراءات طرحت سؤالًا متجاوزًا للنظام الرأسمالي الحالي، لماذا فشل نظام السوق في التعامل مع الأزمة؟ ولماذا تطلب الأمر إجراءات استثنائية غير خاضعة لقانون السوق؟ وماذا عن الأزمات الدورية المتكررة داخل النظام؟ وماذا لو استمر الوباء وتأخر اكتشاف العلاج؟ وماذا لو انتشرت أوبئة جديدة؟

المنشآت الصحية الخاصة في إسبانيا

نتيجة لأزمة كورونا، والارتفاع الشديد في أعداد المصابين والوفيات، مع ضعف البنية الصحية الحكومية الناتج عن سياسات الليبرالية الجديدة التي قلصت الإنفاق على الخدمة الصحية المجانية لصالح القطاع الخاص، وبالطبع مع عدم إمكانية استقبال حالات كورونا في المستشفيات الخاصة الهادفة للربح، أعلنت الحكومة الإسبانية في 16 آذار/مارس، بحسب ما أوردته صحيفة الغارديان، عن وضع جميع منشآت مقدمي الخدمات الصحية الخاصة في إسبانيا تحت الإدارة العامة، ولم تحدد الحكومة إلى متى، وهو قرار مرحلي يحاول احتواء الأزمة بالطبع، كما أنه لن يمر بدون تعويضات للرأسماليين، ولكنه في النهاية طرح نفسه كأحد حلول الأزمة.

لماذا يكون وضع المنشآت الصحية الخاصة تحت الإدارة العامة بالمجان هو القاعدة؟! ولماذا لا تكون الخدمة الصحية كلها غير خاضعة لقانون السوق؟

وهذا طرح تساؤلًا عالميًا كبيرًا، إذا كان النظام الصحي النيوليبرالي الحالي لا يستطيع مواجهة جائحة، فضلًا عن فشله في تقديم خدمة صحية شاملة من الأساس، فلماذا لا تكون فكرة وضع المنشآت الصحية الخاصة تحت الإدارة العامة بالمجان هي القاعدة؟! ولماذا لا تكون الخدمة الصحية كلها غير خاضعة لقانون السوق؟

اقرأ/ي أيضًا: عالم ما بعد الكورونا

تكريم الفريق الطبي

كشفت عالمية انتشار الوباء، أهمية وعالمية بعض المهن مثل الطب والصيدلة والتمريض والبحث العلمي، على عكس الكثير من المهن التي كانت محل احتفاء في السابق مثل ضباط الجيش والشرطة ورجال الأعمال. وعلى هذه الخلفية، احتفت معظم دول العالم بالطاقم الطبي، وتعالت الأصوات التي تتكلم عن ضرورة الاهتمام بميزانية الصحة والتعليم والبحث العلمي وتقديمها على كل إنفاق آخر، ورغم كون معظم مظاهر الاحتفاء كانت شكلية، إلا أنها كشفت عن دور العاملين بالقطاع الصحي والبحث العلمي، في لحظات التهديد العالمي كبرى، كأبطال يدافعون عن البشرية دون تمييز على أساس قومي أو عرقي أو ديني.

إسقاط الملكية الفكرية عن تصميم أجهزة التنفس الصناعي

في 31 آذار/مارس، أعلنت شركة ميدروتونيك، وهي إحدى أشهر الشركات المتخصصة في مجال التكنولوجيا الطبية وتصنيع أجهزة التنفس الصناعي عن إسقاط حقوق الملكية الفكرية الخاصة بأجهزة التنفس الصناعي التي تملكها، ومشاركة التصميمات كافة مع دول العالم، للبدء في تصنيعها فورًا بهدف تحقيق الكفاية عالميًا، وهذا القرار رغم نبله مرحليًا، إلا أنه كشف عن مدى غبن اتفاقيات حقوق الملكية الفكرية التي تقف عائقًا دائمًا  أمام حياة بعض البشر في الظروف الطبيعية، لمجرد الحرص على استمرار تدفق أرباح هذه الشركة وغيرها، وأنه لطالما كانت هذه الاتفاقية كانت عائقًا يهدد صحة البشر وقت الأزمة وتطلب الأمر إلغائها، فلماذا لا يتم النقاش حول جدوى وجودها في العموم؟

تحويل المصانع لخطوط إنتاجها

بتأثير الركود العالمي وأزمة كورونا، وتحت ضغط حكومات الدول المختلفة، أعلنت العديد من شركات السيارات الكبرى مثل جنرال موتورز وفورد الأمريكية، وشركة سيات الأوروبية وغيرها، البدء في إنتاج أجهزة التنفس الصناعي وأدوات الوقاية من العدوى لتلبية الحاجة الماسة لها حتى انتهاء الأزمة، كما أعلنت شركة آبل الأمريكية في 8 نيسان/أبريل تبديل بعض خطوط التصنيع الخاصة بها، لإنتاج أجهزة التنفس الصناعي، بالإضافة إلى إنتاج 20 مليون كمامة مخصصة للفريق الطبي، فضلًا عن تصميم دروع شفافة لوقاية الوجه من الفيروس، كما أنه في 6 نيسان/أبريل الماضي، أطلق عمال شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى بمحافظة الغربية، وهي إحدى قلاع صناعة الغزل والنسيج في مصر، عن مبادرة لتحويل بعض خطوط الإنتاج في الشركة لتصنيع الكمامات الجراحية الواقية، وبالفعل بدأ الإنتاج بمعدل 2400 كمامة في الساعة.

رغم أن هذا الإجراءات مؤقتة، وتتسم بكثير من البراغماتية، إلا أنها نماذج حطمت الادعاءات التي تقول باستحالة تعديل خطوط الإنتاج لصالح حاجة المجتمع من ناحية، كما أنها كشفت أنه في حال توفرت الإرادة فمن الممكن أن يعاد ترتيب أولويات الإنتاج لتتسق مع حاجات المجتمع وليس السوق.

لولا الإجراءات الوقائية التي اتُخذت عالميًّا لتضاعفت أعداد الوفيات من كورونا مئات المرات عن الأرقام الحالية

كل هذه النماذج وغيرها، هي صور تكشف كيف فشل قانون السوق في التعامل مع الأزمة بنجاح، بل فاقمها في معظم المواقع، وتطلب الأمر تعطيل قانون السوق وعمل إجراءات استثنائية ومرحلية لمواجهة الأزمة، كما أن هذه الإجراءات حطمت الكثير من الثوابت المهيمنة التي روج لها النظام الرأسمالي في السابق، مثل مثالية وعدم إمكانية تطبيق خيار تحويل خطوط الإنتاج لما يخدم حاجة المجتمع وليس السوق، أو الدعاوى النيوليبرالية التي تروج لمشاركة القطاع الخاص في تقديم الخدمة الصحية كخيار أمثل لتحسين الخدمة الصحية، أو الجدل بأن قوانين احتكار الملكية الفكرية هي الحافز لتقدم البشرية تقنيًا.

اقرأ/ي أيضًا: هل يبدو العالم الحديث متناقضًا؟

وأخيرًا، على عكس المقولات التي تسخف من الإجراءات الوقائية التي قامت بها العديد من الدول التي انتصرت بها وجهة النظر الثانية، بحجة استمرار الوباء بها رغم الإجراءات الوقائية، فالحقيقة أنه لولا هذه الإجراءات لتضاعفت أعداد الوفيات من الفيروس مئات المرات عن الأرقام الحالية، فالهدف منها بالأساس هو تعطيل انتشار المرض وتقليل أعداد ضحاياه، وبالتالي تخفيف الضغط على النظام الصحي لحين اكتشاف العلاج.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل يقتلنا الخوف أم الفيروس؟

الكوفيد 19 وسباق المهن المحموم للبروز