نحو عالم ما بعد كوروني

نحو عالم ما بعد كوروني

فادي أبو حمدان/ سوريا

بات من شبه المؤكد أننا مقدمون على منعطف تاريخي كبير قد يعيد خلط بعض الأوراق مما قد يغير كثيرًا من المعادﻻت الجيوستراتيجية في العالم. فهذا الكائن المجهري - والحال أنه الابن الشرعي للنيوليبرالية - جاء لينتفض على الرحم الذي أنشأه ودفع به الى هذا العالم. إنه سيناريو نيرون: يقتل الابن أمه ويحرق المدينة (روما).

ستخرج الولايات المتحدة من حربها مع الكورونا منهكة القوى، وقد تدفع ثمنًا لذلك تراجعًا استراتيجيًا كبيرًا

اللافت أنه قد سبق لمجموعة كبيرة من الأدباء والمفكرين والسينمائيين التنبؤ بسيناريوهات مشابهة مثل فيلم "العدوى" (Contagion) الذي عرض لأول مرة سنة 2011 للمخرج الأمريكي ستيفن سودربيرغ، وكذلك كتاب "ساعتنا الأخيرة" لمارتن ريز الذي أشار على وجه الدقة الى أن سنة 2020 ستكون سنة "الخطأ البيولوجي" الذي سيقتل مليون انسان.

اقرأ/ي أيضًا: الفيروس النيوليبرالي المُعولم

ستمر هذه الآفة الرهيبة دون شك، لكنها ستدفع بكثير من المياه في النهر وتغير العديد من المعطيات الاستراتيجية الدولية.

من المؤكد أن أوروبا ما قبل كورونا لن تشبه ما بعدها، وسيتسارع نسق تفكك الاتحاد الأوروبي. فلقد كشفت وقائع مواجهة الفيروس غياب التنسيق والتضامن بين الدول الأوروبية، بل إن إيطاليا وجدت لامبالاة غريبة من أقطار الاتحاد في حين هبت إلى نجدتها الصين وروسيا وكوبا، ولقد كنت صورة إنزال العلم الأزرق للاتحاد الأوروبي ووضع علم الصين مكانه كافية لوحدها للتعبير عما يختلج في دواخل كل الإيطاليين من غيض تجاه شركاء الأمس.

المارد الصيني الذي صارع الآفة بألمعية لافتة خرج من حربه أكثر قوة وتماسكًا، وهو ما يرشحه إلى أن يسجل اختراقات كبرى في صراعه الاستراتيجي مع الولايات المتحدة. ولعل الأعمال الاستفزازية المتبادلة الأخيرة في بحر الصين الجنوبي لا تعدو أن تكون بداية لها ما بعدها.

أما أمريكا التي فاجأها كوفيد 19 فستخرج من حربها معه منهكة القوى، وقد تدفع ثمنًا لذلك تراجعًا استراتيجيًا كبيرًا.

توقف موسم العمرة واحتمال إلغاء موسم الحج سيمثل بالنسبة إلى الملكة العربية السعودية المزيد من العوامل التي قد تضعها على شفير الهاوية السحيقة.

على المستوى العربي، من الواضح أن أمواج كورونا لم توات سفن الخليج، فعلاوة على ما تشترك فيه تلك دول مع باقي دول العالم من توقف الدورة الاقتصادية فإن الانهيار التاريخي والمذهل لسوق النفط العالمية سيضاعف حتمًا المخاطر المحدقة باقتصادات الدول المصدرة للنفط، ولعل توقف موسم العمرة واحتمال إلغاء موسم الحج سيمثل بالنسبة إلى الملكة العربية السعودية المزيد من العوامل التي قد تضعها على شفير الهاوية السحيقة.

من الطبيعي جدًا أن يكون لكل انهيار اقتصادي ومالي انعكاس على المعادلات الجيوستراتيجية، وبالنتيجة على التوازنات العسكرية في المنطقة، وبالنتيجة فمن المنتظر أن تتغير موازين القوى في أغلب بؤر التوتر والصراع في المنطقة، ولعل ما نراه اليوم في ليبيا قد يستنسخ في بقية النقاط الساخنة مما قد يؤدي في النهاية إلى انهيار الحلف الذى تتزعمه الإمارات والسعودية ومصر، وعندها قد ترتد الأزمة إلى الأوضاع الداخلية لهذه الدول وتلك التي تحالفت معها، وقد نتابع تحولات داخلية دراماتيكية قد تذهب بعدد من رؤوس الحكم في سيناريو مشابه لما كان قد وقع بعيد الثورة التونسية سنة 2011.

 

اقرأ/ي أيضًا:

اضبطوا ساعاتكم: إجراءات الإغلاق والعزل تثير جنون الوقت

الكوفيد 19 وسباق المهن المحموم للبروز