هل يقتلنا الخوف أم الفيروس؟

هل يقتلنا الخوف أم الفيروس؟

تيرد رويارس/ هولندا

حسب استطلاع للرأي أجرته صحيفة واشنطن بوست، بالاشتراك مع إيه بي سي نيور، أواخر آذار/مارس الماضي، فإن 99 % من الأمريكيين أظهروا قلقهم من إصابتهم بالكورونا، أو إصابة أفراد أسرتهم، بينما اعتقد أغلبيتهم أن التأثير الاقتصادي الذي سيخلفه الفيروس ربما يفوق تأثير الأزمة المالية العالمية في 2008، ما يضعنا أمام حقيقة هامة للغاية وهي حقيقة الخوف.

الخوف شعور إنساني، غير ملموس وغير ومرئي ولا يمكن السيطرة عليه

يزيد الطين بلّةً استحالة الهروب من الحديث عن الفيروس، الحياة متوقفة في العالم كله تقريبًا -باستثناء دول محددة مثل السويد- حظر تجوال جزئي في بعض الدول وشامل في دول أخرى، المصالح معطلة والأشغال متوقفة، حتى الجلوس في المنزل لا يُجدي نفعًا مع هذا الخوف، شاشة التلفزيون ممتلئة بنشرات الأخبار لا حديث لها سوى الكورونا، وكذلك مواقع التواصل التي تنتشر عليها الشائعات أكثر من الحقائق، دقائق معدودات من تصفح مواقع التواصل كفيلة بأن توهمك بأن نصف سكان الأرض قد أصيبوا بالفيروس، بينما النصف الآخر على أعتاب الإصابة.

اقرأ/ي أيضًا: لَكماتٌ مقترحةٌ لرأسماليّة تترنّح على وقع الكورونا

الخوف شعور إنساني، غير ملموس وغير ومرئي ولا يمكن السيطرة عليه، ربما نخاف من الفقد أو الفشل أو عدم الوصول، نسعى ونتخذ الأسباب لمنع حدوث ما نخاف منه، بينما ترتسم بداخلنا أسوأ السيناريوهات التي لا تخطر ببال أكثر كتاب السيناريو تشائمًا، ورغمًا عن كل وسائل الطمأنينة نبقى خائفين، ما يختلف فقط هو مقدار الخوف، لكنه لا يزول إلا بزوال سبب الخوف ذاته، الأمر يشبه كل الفزع الذي سيعتمل برأسك من اللحظة التي تنوى فيها التقدم لخطبة الفتاة التي تحب، إلى أن تستمتع إلى كلمة القبول من والدها.

الأبشع من الخوف، هو حدوث طفرة تجعل الخوف أكثر ضراوة وعدوانية، وهو تمامًا ما حدث لفيروس الكورونا ذاته، والذي عرفنا منه أجيال سابقة مثل السارس ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية، إلى أن حدثت له طفرة mutation أوصلته إلى صورته الجديدة الأكثر عدوانية المعروفة طبيًا بـcovid-19، وإعلاميًا باسم الكورونا.

في الدوائر المحيطة بين الأصدقاء والمعارف، انتقل الخوف من الإصابة بالفيروس إلى الخوف من نقل العدوى إلى الآباء والأمهات، خاصةً مع التحذيرات الطبية من خطر الكورونا على كبار السن، في ظل انخفاض مناعتهم نسبيًا وإصابة أغلبهم بأمراض مزمنة مثل الضغط والسكر وأمراض القلب وغيرها، الجميع اتخذ احتياطاته حتى لا يكون الأداة التي ستحمل الفيروس إلى منزله.

الخوف من كورونا دفع الجميع إلى استخدام المطهرات، والحرص على غسل الأيدي باستمرار، بالإضافة إلى ارتداء الكمامات والقفازات الطبية وتناول الفيتامينات، وهي أمور تساعد بالطبع على الوقاية من خطر الكورونا، لكنها لن تمنع الإصابة به، وهي حقيقة يصعب على البعض تصديقها، مما جعل إفراطهم في الخوف يدفعهم إلى الإفراط في استخدام هذه الوسائل حد الهوس، رغمًا عن الأضرار التي قد تنتج عن ذلك فالكلور ينتج غاز سام تسبب كثرة استشناقه أضرار طبية كارثية، وكذلك الإفراط في استخدام الكحول قد يؤدي إلى تهيج البشرة.

في أوقات الأزمات، يصعب إقناع الناس بحقيقة الأزمة، فقط الخوف هو المسيطر، ومن ثم آثاره لن تنتج إلا مزيدًا من الخوف، وإلى أن تنتهي أزمة الكورونا سيظل الخوف هو الحاكم الحقيقي للعالم، تكمن المشكلة في أن الخوف يحضر على حساب المنطق، بعض من يفرطون في وسائل الوقاية من الفيروس ربما لا يلتزمون بالبقاء في المنزل أصلًا، ولو بقوا لأغناهم ذلك عن كل وسائل الوقاية.

كل شيء مغلق وكأن العالم قد تحول إلى محل تجاري يعلق بمدخله لافتة Closed

يضعنا ذلك الكيان غير المرئي المسمي بـ كورونا أمام حقيقة هامة جدًا، وهي ضعف الإنسان وتخبطه في مواجهة الصعائب، وفي طل هذه الأوقات المتأزمة ليس الخوف أمرًا سيئًا، فقط المبالغة فيه هي الأمر الأسوأ على الإطلاق، لكن يبقى الأمر قيد السيطرة حتى يواجه الذين لا يملكون رفاهية البقاء في المنزل ولا ثمن المطهرات، أمام هؤلاء تقف الدول مكتوفة الأيدي، وكأنهم ليسوا ضمن تعداد مواطنيها، بل وفي بعض الأحيان يشكلون أغلبية السكان!

اقرأ/ي أيضًا: ماذا فعلنا وماذا سنفعل؟

بينما يُغني كل على ليلاه، تواجه الأرض خطرًا ليس كمثله من الأخطار، ليس أول وباء وليس آخر الأوبئة، لكنه أكبرها في عصر التكنولوجيا والتبادل التجاري، حركة الطيران متوقفة وكل الدول منغلقة على نفسها، كذلك البيوت لا تتزاور، فقط كل شيء مغلق وكأن العالم قد تحول إلى محل تجاري يعلق بمدخله لافتة Closed، لا أحد يعلم ميعاد انتهاء هذه الأزمة، لكن الحقيقة الثابتة أن العالم لن يعود إلى ما كان عليه، ستعيد الدول النظر في المنظومات الصحية وحجم العمالة بينما تلملم جراح اقتصادها، وسيعيد الأفراد تقييم علاقاتهم الاجتماعية، وسيعيد الجميع تعريف الخوف.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الكوفيد 19 وسباق المهن المحموم للبروز

ليلة مصرع كوفيد التاسع عشر