02-مايو-2022
مطبخ في مطماطة بتونس (Getty)

مطبخ في مطماطة بتونس (Getty)

المطابخ أقرب الأماكن إلى قلبي وأكثرها دفئًا. فيها استمعت إلى أحاديث قريباتي من النساء بينما كن يطبخن. مدهش ما يمكن أن تبوح به النساء من أسرار حميمي لطفلة دون أي رهاب أو "صنصرة" ذاتية كالتي أصبحت رائجة اليوم. لا أعرف كيف ستنمو مخيلات البنات اليوم وهن لا يستمعن إلا إلى حكايات نظيفة ولا تزكم أنوفهن الروائح الشهية، فللمطبخ تلك الرائحة التي لا تستطيع مقاومتها وتدفعك دفعا إلى البوح. كما لو أن المطبخ يسلب منا أسرارنا ويدفعنا لإشهارها. لا شك أن لكل منا حكاياته الخاصة مع الروائح التي تدغدغ فينا كما من ذكريات لا تحصى ولا تعد، إنما تبقى رائحة المطبخ هي مصيدة اعترافاتنا.

لا شك أن لكل منا حكاياته الخاصة مع الروائح التي تدغدغ فينا كما من ذكريات لا تحصى ولا تعد، إنما تبقى رائحة المطبخ هي مصيدة اعترافاتنا

في مطبخ خالاتي حفظت تاريخ عائلتي الموسعة عن ظهر قلب أقصد صندوقها الأسود، فضائحها وأسرارها، أحداث الفخر والضغينة. وفيه اكتشفت الأسى والحزن العميق الذي يسكن قلوب البنات حين يغادرن بيوت أهاليهن لأجل زواج بعيد المستقر، تاركات ورائهن نقاشاتهن التي لا عدد لها في المطبخ وتحت سطوة روائحه. تقول بنت خالتي: "ووه عليا باش نتوحش الكوجينة وعركنا والكعك والفحات وتقطير الورد الي نعملوا فيهم في الكوجينة مع بعضنا". هي تعلم مسبقًا ما ستشتاق إليه ما أن تترك البيت، الذي يتحول في كلامها كناية عن "المطبخ". رائحة المطبخ هي ما تجعل التواصل أوثق بين أفراد العائلة. المطبخ هو ما يجعلنا نشعر بالألفة والدفء، وروائحه، تلك الروائح السحرية، تجذبنا لنشعر بأننا نتشارك أمرًا حميمًا في ما بيننا. في مطبخ خالاتي اكتشفت العلاقة التي تصنعها النساء مع الأشياء، الأثاث والنباتات وتوابل "الكوجينة" تؤثث مجتمعة عزلة ثقيلة غالبًا ما يتم تخفيفها بحديث مسلّ أو سر يباح به. تعلمت، لا بل أتقنت، الألفة التي تصنعها المطابخ، قدرتها على كسر الجمود، أصوات قرقعة الطناجر وبقبقة المياه الغالية التي تكسر حدة الصمت.

في المطبخ عاينت سحر "الونس" والمتعة السهلة والمضمونة التي يصنعها الأكل. هذا المزيج الذي يحرك حواسك: السمع، والبصر، والشم، هو مزيج يجعلنا نبارك هذه الحواس كما يلاحظ بلال خبيز في مقالته: "الحاسة التي صنعت عزلاتنا"، يقول: "الأنف هو طاغية الحواس. يفرض مشيئته على كل شيء". وهو بذلك يحاكي ما أكده المفكر الفرنسي ميشيل دي مونتين الذي يقول: "الحواس بداية المعرفة ونهايتها إنها سيدتنا ومن خلالها تنتقل معارفنا".

بين المطابخ التي أحببتها ثمة مطبخ عمتي الذي كان الأوسع، وتتوسطه طاولة كبيرة من الرخام مثبتة بالأرضية، النافذة التي تعلو حوض الجلي تطل على الحديقة الخلفية، ومنها يمكن تأمل الكرمة والعنبة وأشعة الشمس المتسللة بين خصالها حين كنا نغسل الأواني. الدولاب بمطبخ عمتي كبير وضخم تحتفظ فيه بالأواني الكبيرة الضخمة المخصصة لمآدب العشاء في الأعراس. لقد كانت مدبرة أعراس باذخة، لكنها لم تكن صاخبة وحكاءة مثل خالاتي، مع أن بيتها كان مرحبا بالجميع. كنا نزدحم في مطبخها أطفالًا كثيرين من عائلة ممتدة لا يعرفون بعضهم البعض لكنهم يجتمعون على طاولة واحدة. يستمتعون بالفطائر أو الملاوي، أو يتسلون بقطع العجين بينما تعد هي الخبز، أو يتقاسمون بقايا عجين البسكويت، ويتبارون في دفع يد الرحى بينما تعدّل هي وضعيات أصابع البسكوت في الصينية. أحببت مطبخها المتسع، وإلى الآن ما زلت أحب المطابخ الكبيرة الفسيحة، أما هذه المساحات الممسوخة التي تدعى مطابخ في البيوت والشقق الحديثة، فلم يحدث أن وجدت نفسي فيها.

تصغير مساحات المطابخ أمر يتعلق بحسن استخدام المساحات في البيوت الحديثة. اعتقد أن هذا الاقتصاد في مساحات المطابخ دليل قاطع على أن إنسانيتنا باتت مصابة بنزلة برد

لا أحسب أن تصغير مساحات المطابخ أمر يتعلق بحسن استخدام المساحات في البيوت الحديثة. اعتقد أن هذا الاقتصاد في مساحات المطابخ دليل قاطع على أن إنسانيتنا باتت مصابة بنزلة برد، وتتجه بخطى ثابتة نحو الصقيع. ضيق المطابخ يعني نكسة تطال الحضارة الإنسانية برمتها. أحب المطابخ الواسعة، أحب الحبق والنعناع حين تُزرع أصصه في النوافذ، أحب مشهد حبال الفلفل المجفف وباقاته التي تتدلى من السقوف، أحب روائح التوابل التي تعبق في أرجاء المطابخ القديمة المتسعة، أوعية القصدير التي يُحفظ فيها التين المجفف والزنجبيل والحمصية والغريبة وحلويات اللوز.

أشتاق إلى مطابخ طفولتي، وحيث أنني الآن قد انضممت إلى صف الفتيات الحزينات اللاتي حملهن الزواج بعيدا عن أهاليهن، أجد في المطبخ عزائي وأنسي. علاقتي بطناجري أصبحت أهم من أي علاقة أخرى، ولا ينقصني سوى طفلة تتدحرج بين قدمي لتستمع إلى حكاياتي. حكايات غير نظيفة بالمرة عن أناس كثيرين يشبهون أفرادا في العائلة.