26-أبريل-2022
 شطرنج في الهواء الطلق (Getty)

شطرنج في الهواء الطلق (Getty)

تدخل في حياة الإنسان سلسلة متشابكة ومعقدة من المصادفات، فكثير من الأحداث تدخل حياتنا عن طريق الصدفة التي قد ترسم قدرًا للإنسان يمتد معه عمرًا كاملًا، وقد تكون الصدفة هي الحد الفاصل بين زمنين، أو عدة أزمنة تقسم حياة المرء إلى شخصيات متعددة. فلكل مرحلة زمنية شخصية مختلفة عن المرحلة التي تسبقها أو تليها، ولكل مرحلة فكرها الخاص، ووعيها الخاص، ولكل وعي مؤشر يتذبذب بين اللذة والألم، فالإحساس بعمق الألم يزداد مع تقدم الزمن يقابله خفوت في الإحساس العميق باللذة، والرغبة التي تفقد براءتها ودهشتها الأولى.

تدخل في حياة الإنسان سلسلة متشابكة ومعقدة من المصادفات، فكثير من الأحداث تدخل حياتنا عن طريق الصدفة التي قد ترسم قدرًا للإنسان يمتد معه عمرًا كاملًا

بدأت حياتي مع الشطرنج قبل أكثر من خمسة عشر عامًا، عندما قادتني خطاي في إلى أحد المقاهي في ظهيرة قائظة من صيف السليمانية، لأرى مجموعة من الأشخاص منكبين على الرقعة يحللون دستًا من دسوت أحد أبطال الشطرنج، فوجئت لأن ثقافتي الشطرنجية آنذاك كانت متواضعة ومحدودة جدًا، ولم أكن لاعبًا كما أنا عليه اليوم، وكنت أظن أن لعبة الشطرنج هي مجرد لعبة للتسلية كالنرد والدومينو يلعبها لاعبان والأذكى هي الذي يفوز، ولم أدر في حينها أن الشطرنج هو فن وعلم، فن لأنه يقترب من عظمة الإبداع في الشعر والموسيقى والفن التشكيلي، وعلم لأنه يعتمد على مبدأ الجدل الفلسفي ووجود قضية دائمًا تحتاج إلى حل. رغم أن جغرافيا الشطرنج محدودة بأربعة وستين مربعًا، ورغم المنطق، ومبدأ الحسابات العقلاني الذي يدخل في هيكل اللعبة وصميمها، إلا أن المخيلة البشرية يمكنها أن تمتد خارج هذه المساحة إلى آفاق واسعة ولامحدودة، لتعود إلى الرقعة وواقعها القاسي، ففي الشطرنج تمتزج الفانتازيا والسحر مع المنطق والعلم، وكلما تقدم الزمن يقف العقل البشري عاجزًا أمام هذه اللعبة وغموضها، وحتى علم النفس يدخل في الشطرنج فكل دست هو مرآة داخلية لصاحبه.

لو أتقن أطباء النفس لعبة الشطرنج لاستطاعوا فرز الأشخاص وتشخيص سلوكياتهم. لأن هذه اللغة الصامتة في الكثير من جوانبها هي تعبير عن رموز اللاوعي الإنساني من خوف وقلق وعدوانية، وترقب الفرص للانقضاض على العدو.

يقول الأديب الروسي تولستوي: "إن الشطرنج فن يمنح الإنسان السعادة"، وأنا أضيف، وبروح نيتشه القتالية، إن السعادة النابعة من الشطرنج عبارة عن شعور الفرد بتنامي القوة وتعاظمها في داخله. إضافة إلى تهذيب العقل وتحريره من الأوهام والأمراض الاجتماعية.

الشطرنج ممارسة عملية لمنطق أرسطو، ولا مجال للعبث ولا مجال للتناقض، فكل قطعة في مكانها تؤدي وظيفتها، وتتناغم مع القطع الأخرى مثل المعزوفة الموسيقية، وأي خلل في الحركة والمكان يؤدي إلى انهيار أحد العالمين وانتصار العالم الآخر، أو إلى التوازن والتصالح بين العالمين إن ظل المنطق الشطرنجي محافظًا على سلامته العلمية ودقته في مقارعة الفكرة بالفكرة.

هناك أيضًا التناظر الموجود في أحد الجيشين الأبيض أو الأسود وتقسيمه إلى جناحين بين الملك والملكة (الوزير)، فكل جهة أو جناح تحتوي على نظيرها من الأحصنة والأفيال والأرخاخ، وهذا تجسد آخر لعالم المثل والصور عند أفلاطون، فجهة الملك هي الجانب الروحي والمثالي، فبموته تنتهي اللعبة فعليًا، وهذه تتطلب منا مهارة استثنائية تسمى بالتكتيك، يتصف صاحبها عادة بمخيلة فنية وابداعية خارج كل الحسابات المادية على الرقعة، أما جهة الملكة أو الوزير فتمثل الجانب المادي في اللعبة، والذي يجري حوله الصراع الغامض والمصالح البراغماتية بين الطرفين، وهذه المهارات الاستراتيجية هي السائدة الآن في العصر الحديث.

الشطرنج ممارسة عملية لمنطق أرسطو، ولا مجال للعبث ولا مجال للتناقض، فكل قطعة في مكانها تؤدي وظيفتها، وتتناغم مع القطع الأخرى مثل المعزوفة الموسيقية

بعد أكثر من خمسة عشر عامًا قادتني خطاي مرة أخرى إلى نفس المقهى القديم، حيث الصدفة التي جعلتني أصاب بعدوى الشطرنج التي لا شفاء منها، بين ضجيج الزبائن وطقطفة الكؤوس، ارتسمت سحابة كبيرة من الدخان، فتذكرت كل الأحداث التي مضت بلحظة واحدة، وكأن الذاكرة أرادت أن تفرغ شيئًا من حملها الثقيل.

خلف سحابة الدخان كنت جالسًا على نفس الطاولة متأملًا بعمق دستًا معقدًا من الشطرنج، كانت المعضلة على الرقعة ستحل بحركة واحدة مفتاحها عندي الآن، لم أعرفها في حينها، ولم تخطر على بالي، رأيت نفسي من داخل نفسي كنت خارجًا من الزمن وداخلًا فيه.

حاولت التلميح بالحركة الصحيحة أردت لعبها بنفسي، لكن يدي لعبت نفس الحركة السابقة، الحركة الخاطئة نفسها قبل خمسة عشر عامًا. هكذا ما زالت أكرر أخطاء الأمس، لتستمر الحياة دون أن تنتهي اللعبة.