في العراق.. الفساد يزيل حروف قصيدة للسيّاب

في العراق.. الفساد يزيل حروف قصيدة للسيّاب

تمثال السياب في البصرة

ارتبط اسم رائد القصيدة العربية الحرة بدر شاكر السياب بمدينة البصرة، جنوب العراق. المدينة التي ولد فيها عام 1926، كان الكثير من العرب يزورونها ويتجولون فيها لأنهم قرأوها في قصائد السياب رؤية المدينة التي لم تعد موجودة اليوم إلا في نصوصه.

في قصيدته، يصوّر السياب "جيكور" ذات الأشجار دائمةُ الخضرة:

"لا عُري يعروها ولا صفرهْ

وليلها لا ينامْ

يطلع من أقداحه فجرهْ

لكنّ في جيكورْ

للصيف ألوانًا كما للشتاءْ

وتغرب الشمس كأن السماءْ

حقلٌ يمصُّ الماءْ

أزهاره السكرى، غناء الطيور".

تغيّرت ألوان المدينة ولم تعد هناك أشجار دائمة ولا غناء للطيور منذ بداية الحروب العراقية عام 1980 التي لا تكاد تنتهي حتى الآن، الحروب بشتى تمظهراتها، الحاضرة والماضية.

ظل السياب يمثّل البصرة، لا سيما بعد أن وقف تمثاله المشهور فيها على ضفة نهر العشار في المدينة

ظل السياب يمثّل البصرة، لا سيما بعد أن وقف تمثاله المشهور فيها على ضفة نهر العشار في المدينة والذي أنجزه النحات العراقي نداء كاظم عام 1970. لكن السياب بتمثاله بقي شاهدًا على ما مر به العراق منذ صعود الاستبداد حتى الاحتلال الأمريكي عام 2003، هذا التمثال مثل العراقيين خاضع للظروف السياسية المتغيرة، إن وُجد الاستقرار ترى التمثال شاهقًا مثل أي نخلة بصرية شامخة، لكن التمثال اليوم هو مثل نخيل البصرة متسخًا بالأتربة، يمر عليه زائرو المدينة لالتقاط الصور، ثم يلعنون المسؤولين عن المحافظة والعراق ويذهبون بسلام. هكذا يمر اليوم على التمثال.

اقرأ/ي أيضًا: حسن بلاسم.. معاينة الإنسان القابع في دواخلنا

في تموز/يوليو 2016، ضرب تمثال السياب بـ3 طلقات نارية، قالت الجهات المسؤولة وقتها، إن مجهولين أطلقوا النار، ولم يكشف حتى الآن ماهي أسباب الكراهية للسياب، ممثل المحافظة وعاشقها. وفي 9 كانون الثاني/يناير الجاري، نشر وزير التربية السابق محمد إقبال الصيدلي على صفحته في "فيسبوك"، منشورًا وضع صورة السياب فيه، وقال، إنه "من المؤسف ان تنظر الشعوب العربية أجمعها بشموخ وترفع رقابها لتنظر لقامة كبيرة مثل شاعر العراق الأول بدر شاكر السياب، لتأتي مجموعة من الجهلة ليعتدوا على تمثاله بالرصاص، خاتمًا بالقول، إنها "نياشين جديدة على صدرك أيها الكبير".


تمثال السيّاب مثقفّبًا بالرصاص

ناشطون من البصرة أكدوا لـ"ألترا صوت"، نظافة التمثال من أي آثار إطلاق نار هذه المرة، لكنهم أشاروا إلى أن أبيات قصيدة "غريب على الخليج"، التي كانت على التمثال تساقطت، مرجعين ذلك إلى الإهمال، إذ أن التمثال تم ترميمه منذ أشهر قليلة، لكنه ترميم شكلي، ولا أحد يهتم بـ"الرموز الثقافية" للمدينة، بحسب تعبيرهم.

علي زغير، وهو كاتب وناشط من البصرة، قال لـ"ألترا صوت": "قرأت قبل فترة خبر زوال حروف قصيدة السياب المثبتة على واجهة القاعدة التي ينتصب عليها تمثاله، وقد أرجع سبب ذلك إلى سوء الطريقة التي تم عمل وتثبيت هذه الحروف بها، على الرغم من أن أعمال ترميم هذا النصب لم يكن قد جرى عليها سوى أشهر معدودة".

وأضاف زغير أن "هذا الأمر يبين بوضوح مدى تغلغل الفساد وسوء الإدارة والرقابة على مشاريع وأعمال الصيانة والترميم التي تجرى على النصب والتماثيل الثقافية المعروفة، مؤكدًا أن "هذه الحالة ليست إلا جزءًا يسيرًا من حالة الفساد المعمم الذي يشمل كافة جوانب حياة الدولة في العراق".

لكن الكاتب والصحافي علي عبد الأمير عجام، يرى أن "تساقط حروف اسم الشاعر بدر شاكر السياب والمقطع الأثير من قصيدة "غريب على الخليج" والذي يحفظه كثير من العراقيين والقائل: "الشمس أجمل في بلادي من سواها، والظلام/ حتى الظلام - هناك أجمل، فهو يحتضن العراق"، مؤشرًا لجانبين مهمين في الثقافة والمجتمع".


تساقط حروف اسم الشاعر والقصيدة

ويوضح عجام في حديثه لـ"ألترا صوت": "تؤكد غربة المثقف الأصيل المتفرد الخارج على أي قطيع طائفي - سياسي - قومي هي تؤكد أيضًا المستوى المتراجع للثقافة عن أجيال من العراقيين اليوم، مشيرًا إلى أن "صاحب قصيدة "أنشودة المطر" هو مثقف متفرد لا مرجعية حزبية أو طائفية أو قومية له، وهذا ما يجعله في عراق المكونات الطائفية والعرقية خارج أي قوة تحميه حتى وإن كان أثرًا".

التعامل مع السياب لا يخلو مع قسوة اجتماعية تتصل بالمستوى السياسي التحريضي 

أضاف عجام، أن "التعامل مع السياب لا يخلو مع قسوة اجتماعية تتصل بالمستوى السياسي التحريضي الذي بات فيه المجتمع يقيم أي نشاط فكري وثقافي، لا سيما إذا كان يخالف القوى المتنفذة فيه".

اقرأ/ي أيضًا: عمر الجفّال.. حياة مريضة

غير أن معرفة أحوال محافظة البصرة سيخفّف من الأمر كثيرًا، فهي تتظاهر منذ مطلع تموز/يوليو، وتطلب المياه النظيفة للشرب، ولم يستجاب لمطالبها حتى الآن، بالرغم من سقوط العديد من المتظاهرين بين قتلى وجرحى وبالرغم من وصول الإصابات جرّاء تلوّث المياه إلى أكثر من مئة ألف بحسب المفوضية العليا لحقوق الإنسان، وهو ما يشير إليه نشطاء في مواقع التواصل الاجتماعي، أن السياب كذلك يشارك في معاناة العراقيين وأبناء مدينته منذ عقود. في قصيدته مدينة السندباد يقول: "الموت في الشوارع، والعقم في المزارع، وكل ما نحبه يموت، والماء قيدوه في البيوت، وألهث الجداول الجفاف، هم التتار أقبلوا ففي المدى رعاف، وشمسنا دم وزادنا دم على الصحاف".

 

اقرأ/ي أيضًا:

محمد خضير.. إمساك ما لا يمسك

نيلس هاو: في الحرب تكون الحقيقة الضحية الأولى