عمر الجفّال.. حياة مريضة

عمر الجفّال.. حياة مريضة

الشاعر عمر الجفّال

في مجموعتهِ الشّعرية الثانية "الحياة بنقالة متهالكة" الصادرة عن (دار مخطوطات، هولندا 2016) يكملُ الشاعر العراقي عمر الجفّال ما بدأهُ في مجموعتهِ الأولى "خيانات السيدة حياة" (دار التكوين 2009)، حيث نجدهُ - في المجموعتين - متورِّطًا في الحياة، متهكِّمًا وخائفًا في الوقت ذاتهِ، ومنشغلًا بالهم العراقي العام، رغم محاولاتهِ في تقديم قصيدة متنوعة غير معنية بالحرب بالدرجة الأولى، من خلال تقديمهِ نصّين مختلفين في طريقة السرد والفكرة في قصيدة واحدة.

يجمع الشاعر العراقي الجفّال في نصّهِ الطويل والمكثّف ما بين الشعر والسرد

اقرأ/ي أيضًا: ناجي رحيم: العالم أرجوحةُ فُقدان

تحوي مجموعة عمر الجفال تسعة نصوصٍ متفاوتة الحجم ما بين طويلةٍ وقصيرة جدًا، ويجمع عمر الجفّال في نصّهِ الطويل والمكثّف ما بين الشعر والسرد معًا، موظِّفاً فنّيات اللغة في النصّ النثري، والبساطة اللغوية المليئة بالرموز في نصّهِ السردي المتّصل بالخطاب اليومي والمليء بالمفردات الملازمة حاليًا للقصيدة العراقية المتخمة بالفجائع، كسيارات مفخخة، جثث، انفجارات، كما أنّه غير منفصل عن الفجائع الفردانية التي تتفاوت درجات قسوتها من عراقي إلى أخر، ويبدو أنّ هذا الأمر كان مقصودًا من عمر الجفال من أجل وصف حالة الخراب والخوف التي يعيشها الانسان العراقي ببساطة، بعيداً عن تعقيدات النصّ النثري: "بعد خمسة أيام، أقضيها مضطرًا خارج المنزل، يتفاقم فيها خوفٌ من قتل على الهويّة، أو موت بسيارة مفخخة، أو حفلة اطلاقات نارية هوجاء، أرجع إلى أمي التي تستقبلني وكأنّي عائد للتو من جبهات القتال. تشمُّ ملابسي بحثًا عن رائحة البارود، وتتفقد ملامحي لتطمئن على أنّ سحنتي لم يطلها جنون العاصمة الذي ينشرُ الرعب في الشوارع" (ص10).

يعيد الشاعر عمر الجفال صياغة الأحداث اليوميّة لإنتاج قصيدة مليئة بالتناقضات، في محاولة للتّعبير عمّا يشعر به الإنسان العراقي من خوفٍ من الموت وحرصهِ على البقاء حيًّا تارةً، وكرهه للحياة تارةً أخرى، وذلك بطريقةٍ ساخرةٍ وغير مباشرة في بعض الأحيان: "كل صباح ألمس أيَّ شيء بجانبي لأعرف أني حيّ. مرّة أمسكتُ بحذاء بجانب رأسي. كانت رائحته عفنة لأني سرت به يومًا كاملًا في أحياء بغداد برفقة صديق ونحن نكرر: بغداد "شماعيّة" كبيرة./ عرفت أني حيّ، وعرفتُ أن الحياة لا تقلُ عفونة عن هذه الرائحة" (ص11).

عمر الجفال: الحرب تعمل بجد دون أي تعب. تطبِّق أهدافها بشكل كامل دون مواربة

تغيب الـ"أنا" في النصوص النثرية لعمر الجفال، بينما نجدها حاضرةً بقوة في النصوص السردية التي تتوسط غالبًا النصوص النثرية، حيث يرتكز الشاعر من خلالها على ذاتهِ، واصفًا علاقتهِ مع الأشياء المحيطة بهِ في ظلّ وجود الحرب: "لم أقص شعري منذ عام أو أكثر. أشعر أن الحلاق سيحزّ رأسي بموسى معقمة، والدم ينط حارًا بينما يضحك زبائن المحل بهستيريا مجلجلة. الدم حار وعيوني باردة، والموسى نظيفة تمامًا، لست ملاكًا ولا رامبو كذلك لـ<أقضي حياتي جالسًا مثل ملاك في كرسي حلاقة>" (ص16).

اقرأ/ي أيضًا: جولان حاجي: لنقْتل فكرة الغراب

للحرب حضورها المكثّف في قصائد عمر الجفّال، إن كان ذلك بطريقةٍ مباشرة أو مواربة، متحدّثًا عنها بخبرةٍ استمدّها من معايشتها في كلّ من دمشق وبغداد، ومستعينًا باستعارات تخفِّفُ من حدّة حضورها: "الحرب تعمل بجد دون أي تعب. تطبِّق أهدافها بشكل كامل دون مواربة. ستخلّف الأرامل والتهجير والمزيد من الأطفال المشوهين". وفي نص آخر يقول: "ولا هي الحرب إلا مراهقة تركب سيارة فارهة تدهس مجموعة أناس واقفين في إشارة مرورية، ولا يتم إمساكها. إنّها تُعيد الكرّة كل يوم دون رقيب".

في النصوص النثرية يُخاطب الشاعر عمر الجفال مغيّبًا، ويبدّلُ دوره باستمرار بما يتلاءم مع النص، حيث يظهرُ واعظًا أو مُحذّرًا أو متنبئًا، كأنّه يحاول من خلال ذلك إنقاذ الشخصية التي تقوم عليها نصوصه السردية: "اقذف عالمك الزجاجيَّ بحصاةِ بؤسك" (ص37). ويقولُ في نصٍّ أخر: "تسيرُ في الخراب/ حَامِلًا أملًا في جِيبك" (ص51).

 

اقرأ/ي أيضًا:

حديث عادي عن مجموعات أولى

محمد خضيّر.. ما فات وما لم يفت من السيرة