في السؤال عن الأرشيف الفلسطيني.. من هم الذين تُخيفهم هذه الذاكرة؟

في السؤال عن الأرشيف الفلسطيني.. من هم الذين تُخيفهم هذه الذاكرة؟

من الأرشيف الرقمي الفلسطيني (جامعة بير زيت)

على أطراف الصحراء الجزائرية المترامية، بأحد معسكرات جيش التحرير الفلسطيني صفوفٌ من الصناديق، متراصٌّ بعضُها فوقَ بعض داخل خيم المُعسكر، كان ذلك ما تبقى من الأرشيف الفلسطيني، من الذاكرة الفلسطينية بكل ما تحمله من آمال وأحلام شعب بأسره، أُهملت وكأنَّها نسي منسي.

منذ النكبة 1948 حتى اجتياح لبنان العام 1982، سَرق الاحتلال الإسرائيلي آلاف الوثائق والمقتنيات التي تعود إلى أصحابها الفلسطينيين في عملية مُمَنهجَة.

منذ النكبة 1948 حتى اجتياح لبنان العام 1982، سَرق الاحتلال الإسرائيلي آلاف الوثائق والمقتنيات التي تعود إلى أصحابها الفلسطينيين في عملية مُمَنهجَة.

اقرأ/ي أيضًا: مكتبة فلسطين: قبل الشتات.. التاريخ المصور للشعب الفلسطيني 1876 - 1948

نشرت جريدة هآرتس الإسرائيلية مقالًا للمخرجة الإسرائيلية رونا سيلا صاحبة الوثائقي "الأرشيف المنهوب والمخفي" بعنوان: لماذا دُفِنت صور وأفلام فلسطينية لا تحصى في الأرشيفات الإسرائيلية؟ كتبت عن أن نحو 38 ألف فيلم، و2.7 مليون صورة، و96 ألف تسجيل، و46 ألف خريطة تمَّ نهبُها وهي موجودة بالطوابق الأرضية للمكتبة الوطنيّة الإسرائيلية. العملية بدأت بعد سيطرة عصابات الهاغانا والشتيرن، النواة المؤسسة لجيش الاحتلال، على المدن والقرى الفلسطينية، رافق ذلك تهجير مُمَنهَج للسكان مما أتاح نهب ممتلكاتهم.

صُودِرت أغلب الوثائق القانونية، سجلّات الأملاك والأراضي، أوراق أجهزة الحكم المحلي ووثائق الهيئات الفلسطينية العامة وحتى سجلات المستشفيات والمصارف والمدارس والمساجد والكنائس والمراكز الثقافية بالإضافة للمكتبات العامة، وأرشيف الجرائد المطبوعة ومقرات الأحزاب السياسية بما تحتويه من أرشيف يضم بياناتها وإصداراتها وتصريحات قادتها. كان التركيز على المكتبات الخاصة والأوراق الشخصية والمذكِّرات في مُقدِّمة عمليات النهب ومن أهم ما تمت سرقته، المكتبة الخاصة للمربي خليل السكاكيني، بالإضافة لمكتبة آل نشاشيبي والأديب والمؤرخ اللبناني عجاج نويهض، والشيخ محمد نمر الخطيب أحد المقربين من الشيخ الشهيد عز الدين القسام، ومدير الأوقاف الإسلامية في القدس عبد الله مخلص، الذي امتلك مكتبة قلَّ نظيرها في كامل فلسطين.

نشر موقع الخليج أونلاين لِمي خلف مقالًا بعنوان خزنة الكتب المسروقة أورد ما يلي: أحد أمناء المكتبة والذي رفض الكشف عن اسمه قال: "إن المكتبة الإسرائيلية تحوي عددًا يصعب إحصاءه من الكتب التي تعود ملكيتها للفلسطينيين الذين هُجِّروا العام 1948؛ لأن القائمين على الفهرسَة في ذلك الوقت توفوا جميعًا، لكن مصادر أخرى أكدت وجود أكثر من 30 ألف كتاب مسروق".

وأضاف: أنه في العام 1948 قامت فرق من المكتبة الإسرائيلية بمرافقة الجماعات الصهيونية المقاتلة التي اقتحمت المنازل الفلسطينية في المدن المختلفة بعد تهجير أهلها، وجمعت كل ما احتوته المكتبات الشخصية للسكان، في القدس ويافا وحيفا ومدن أخرى، وفي القدس، بأحياء عُرِفت برُقِيِّها وثقافة أهلها مثل الطالبية والقطمون والبقعة.

اجتاح الجيش الإسرائيلي بيروت في 15 أيلول/سبتمبر 1982، وكانت أولى مهامه التوجُّه نحو مقر مركز الأبحاث، حيث نهب الجنود الإسرائيليون محتويات المكتبة نهبًا منهجيًا

مع بداية الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وقعت أكبر المآسي، فبعد اتفاق انسحاب قوات منظمة التحرير من بيروت برعاية دولية، كان ضمن الاتفاق أن تواصل مؤسسات منظمة التحرير المدنية العمل دون أن يتم التعرض لها، ومن تلك المؤسسات مركز الأبحاث الذي واصل أعماله وكان واحدًا من مؤسسات المنظمة الرسمية القليلة التي أُبقِي عليها في لبنان، وفي انتهاك صريح لهذا الاتفاق اجتاح الجيش الإسرائيلي بيروت في 15 أيلول/سبتمبر 1982، وكانت أولى مهامه التوجُّه نحو مقر مركز الأبحاث، حيث نهب الجنود الإسرائيليون محتويات المكتبة نهبًا منهجيًا وأخذوا كلّ ما استطاعت أيديهم الوصول إليه، وكانت في انتظارهم شاحناتٌ أمام البناية التي يتواجد فيها المركز بشارع الحمرا، لأخذ المحتويات والمقتنيات المنهوبة ونقلها. ترافق ذلك مع ملاحقة عناصر المخابرات الإسرائيلية، العاملينَ بالمركز في شوارع بيروت بأوامر مباشرة من القيادة الحاكمة في إسرائيل، ولم تتوقف تلك الملاحقات إلا بعد خروج جيش الاحتلال من بيروت. لم يقتصر النهب على محتويات المركز بل طال مكاتب الفصائل الفلسطينية وكل المؤسسات مدنية كانت أو عسكرية، بالإضافة إلى نهب منازل القادة الفلسطينيين بكل المناطق التي وصلت إليها قوات الاحتلال.

اقرأ/ي أيضًا: مكتبة فلسطين: أرض أكثر وعرب أقل

بعد انتهاء الاجتياح، أُجبِرَت إسرائيل على عقد صفقة تبادل أسرى مع منظمة التحرير والفصائل الفلسطينية، بإشراف اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وقتها أصر صبري جريس الذي كان مديرًا لمركز الأبحاث أن تُدْرَج محتويات المركز وأرشيفه المنهوب ضمن صفقة عملية التبادل، وفي 23 تشرين الثاني/نوفمبر 1983 تمَّ تحرير 4500 أسير فلسطيني، بالإضافة لمحتويات مكتبة مركز الأبحاث، مقابل ستة أسرى إسرائيليين.

كان الجيش الإسرائيلي برعاية الصليب الأحمر، قد شحن عن طريق البحر ما يفوق 100صندوق إلى الجزائر العاصمة، هنا يورد الكاتب الفلسطيني سميح شبيب أحد العاملين بالمركز في شهادته "الذاكرة الضائعة: قصة المصير المأساوي لمركز الأبحاث الفلسطيني" عن تفاصيل ما حدث: استجابت إسرائيل لمطالب م.ت.ف الخاصة بعملية تبادل الأسرى، بواسطة الصليب الأحمر، وكانت محتويات مركز الأبحاث مطلبًا رئيسيًا من المطالب الفلسطينية. جرت عملية التبادل في مدينة الجزائر يوم 23/11/1983، وسبق تلك العملية رسالة وجهها السفير الفلسطيني لإدارة مركز الأبحاث في نيقوسيا، يؤكد خلالها ضرورة وجود مندوب عن المركز، ليقوم بعملية التسلم، والتأكد من المحتويات. لم يرسل المركز مندوبًا عنه للتسلم، ولم يكن لدى المركز قائمة بالمحتويات، ذلك أن هكذا قوائم كانت هي الأخرى من المحتويات المنهوبة. وصل إلى مدينة الجزائر زهاء مائة وثلاثة عشر صندوقًا خشبيًا، تحوي محتويات المركز، وكانت تلك الصناديق الخشبية بحاجة إلى من يفتحها، ويتأكد من سلامتها ومن كمالها أو نقصانها، لكن ذلك لم يحدث. انتظر ممثلو الصليب الأحمر طويلًا، وأخيرًا أخبروا مكتب المنظمة أنهم مضطرون للسفر بعد أربعة عشر يومًا من بقائهم في مدينة الجزائر، بانتظار تسليم مكتبة المركز ووثائقه، واضطر أخيرًا مكتب المنظمة الاستجابة لرغبة الصليب الأحمر، وقام بتسلم المحتويات، بعد التوصل إلى صيغة ترضية، فقام منذر الدجاني، السفير الفلسطيني، بتسلم الصناديق دون ذكر محتوياتها، ووضعت هذه الصناديق في أحد المعسكرات الجزائرية على مقربة من العاصمة الجزائرية، وهو معسكر الخروبة، ومن ثم تم نقلها إلى معسكر تبسة، حيث تقيم وحدات من جيش التحرير الفلسطيني.

من هذه الشهادة نستشف أن هنالك خلافًا حول مصير المكتبة، السفارة الفلسطينية في الجزائر هي المتعهدة بالحفاظ على مقتنيات المكتبة، لكن القرار النهائي بقي بين يدي ياسر عرفات، أمرت القيادة الجزائرية الجيش بالتنسيق مع الملحق العسكري بالسفارة، بإيصال المكتبة حال تسليمها إلى معسكر الخروبة، ومن ثم إلى معسكر تبسّة، حيث تقيم وحدات من جيش التحرير الفلسطيني.

في 5 شباط/فبراير 1983، وقع تفجير بسيارة ملغمة أمام مبنى مركز الأبحاث في بيروت أسفر التفجير عن استشهاد ما لا يقل عن 14 شخصًا، 8 منهم موظفون في المركز، وجرح حوالي 107 آخرين. لم يكن هذا هو الاعتداء الأول الذي طال المركز، ففي سنة 1969 قام مجهولون بإلقاء متفجرة بمدخل مبنى المركز، من سيارة مارة على الطريق العام بسرعة، أدى انفجارها إلى تحطيم زجاج المدخل. وفي صيف سنة 1972، أُرسِل مغلفٌ ملغومٌ إلى المدير العام الأسبق للمركز الدكتور أنيس صايغ، فانفجر أثناء فتحه، وأصابه الانفجار بأضرار في يديه وعينيه وأذنه. وفي أواخر سنة 1974، أُطلقت 4 صواريخ على مبنى المركز، من على ظهر سيارة كانت متوقفة في الساحة المحاذية له، فأصابت المكتبة وأدت إلى إتلاف بضع مئات من الكتب. سرعان ما أغلق المركز أبوابه للمرة الأولى منذ تأسيسه، ولجأ موظفوه إلى شتى بلدان العالم العربي. وأعيد افتتاح المركز في قبرص سنة 1985.

في صيف سنة 1972، أُرسِل مغلفٌ ملغومٌ إلى المدير العام الأسبق للمركز الدكتور أنيس صايغ، فانفجر أثناء فتحه، وأصابه الانفجار بأضرار في يديه وعينيه وأذنه

بقيت محتويات المركز والمكتبة على حالها بأحد المعسكرات داخل الأراضي الجزائرية، حتى آذار/مارس 1986، عندما سافر مدير المركز صبري جريس وسميح شبيب إلى الجزائر. توجه سميح شبيب رفقة أحد الضباط الجزائريين إلى المعسكر الموجود على أطراف الصحراء الجزائرية حيث تستقر فيه محتويات المركز ومكتبته، فتح سميح حوالي 20 صندوقًا وتفقّد محتوياتها. وقد حاول أن يشحن المكتبة بحرًا إلى قبرص، حيث كان مركز الأبحاث قد أعيد افتتاحه في 1985، إلا أنه فشل بسبب الخلاف داخل البيت الفلسطيني على مصير المكتبة. ويذكر سميح شبيب في شهادته أنّ مقترَحَيْن كانا مطروحَيْن آنذاك؛ أراد ياسر عرفات أن ينقل المركز ومكتبته معًا إلى القاهرة. بينما كان الشهيد صلاح خلف (أبو إياد) مسؤول الأمن الموحد بمنظمة التحرير وأبرز قادة حركة فتح، حريصًا على نقل المكتبة إلى العاصمة الجزائرية. لكن، كلا المقترحين لم يدخلا حيّز التنفيذ، وبقيت المكتبة في معسكر جيش التحرير في الجزائر تصارع التلف والضياع.

اقرأ/ي أيضًا: ركن الورّاقين: موسوعة رحلات العرب والمسلمين إلى فلسطين (1/2)

تعددت الروايات والشهادات عن مصير مكتبة المركز وأرشيفها، فبين ما كتبه أنيس الصايغ وصبري جريس وسميح شبيب والعاملين بالمركز، كان هناك إجماع على ضياع هذا الأرشيف. لكن هل كان الأمر مُتعمَّدًا أو سوءَ تقدير وتسيير؟ كانت هناك حلقة مفرغة لا تُقدِّم لنا إجابة محددة لمصير هذا الأرشيف المهمَل في الصحراء.

في حوار للباحثة هنا سليمان، التي اشتغلت على الأرشيف الفلسطيني الحديث، في موقع شبابيك تحدثت عن أن الأرشيف الفلسطينيّ لدى السلطة الفلسطينيّة يختزن الكثير من المعلومات حول فلسطين التاريخيّة أثناء فترة الحكم العثمانيّ وصولًا لما قبل عام 1948. لكن، لا يضمّ أيّ موادّ توثيقيّة للفترة الممتدة ما بين عامي 1964 و1994؟ أي أنَّه فراغٌ بعمر ثلاثين سنة بأكملها!

"القائمون على أرشيف السلطة في رام الله كانوا واضحين وأكدوا لنا، حين كنا نقوم بالمقابلات للمعرض في فلسطين، أن أرشيفهم هو أرشيف الدولة وليس أرشيف الثورة، هذا أخطر ما في الموضوع طبعًا، حيث أن الأرشيف في رام الله يشطب المرحلة الممتدة من الثلاثينيات وصولًا إلى 1994، وقد يصير هذا الأرشيف بعد عدة سنوات نقطة الانطلاق للباحثين وهنا تكمن الخطورة.

أرشيف السلطة مضحك، فهو يتيح وثائق فلسطين العثمانية والمساجد الأموية وصولًا إلى بعض فترات الانتداب البريطاني، ثم يقفز إلى ما بعد أوسلو ويتحدث عن مؤسسات الدولة الفلسطينية وكأن شيئًا لم يكن أبدًا خلال تلك الفترة الطويلة.

والمشكلة أن إدارة الأرشيف الوطني تربط أرشيفها بأرشيف منظمة التحرير تارة وتفصله تارة أخرى، وبعدها تقول إن بإمكانها المساعدة في جمعه دون الاحتفاظ به بدعوى أنه لا يحق لها الاحتفاظ بأرشيف الثورة الفلسطينية".

بالمقارنة بين الذاكرة الفلسطينية التي يُمثّلها أرشيف مركز الأبحاث، وبين الأرشيف الوطني المستجد نعاين تحول منظمة التحرير من التحرير إلى مشروع الدولة

المتتبع لمأساة مركز الأبحاث الفلسطيني، يصاب بالذهول وهو يُطالع هكذا تصريح. المعروف أنه عقب توقيع اتفاق أوسلو ومجيء السلطة إلى فلسطين، تم تأسيس "الأرشيف الوطني الفلسطيني" عام 1994، حمل شعار "ذاكرة أمّة وذاكرة دولة"، ليكون المصدر الوحيد لكلّ مؤسسات ووزارات "دولة فلسطين"، بمفارقة عجيبة تجعل من تاريخ توقيع الاتفاق سقفًا للتاريخ الفلسطيني!

اقرأ/ي أيضًا: 6 كتب لا بد منها لمعرفة فلسطين

بالمقارنة بين الذاكرة الفلسطينية التي يُمثّلها أرشيف مركز الأبحاث، وبين الأرشيف الوطني المستجد سنكتشف تمايزًا، أنّه وفي التاريخ الفلسطيني هناك نقطةُ انعطاف هيَ تحول منظمة التحرير من مشروع تحرير، بما تعنينه كإطار تمثيلي لكل الشعب الفلسطيني، إلى مشروع إقامة دولة على أراضي قطاع غزة والضفة الغربية فقط، واختزال التاريخ عند نقطة الانعطاف تلك. وكأنَّها قطرةُ الحبر الأولى التي يجب أن ننطلق منها في قراءة التاريخ الفلسطيني الحديث.

هنا نصل إلى نتيجة أنّ تبدُّدَ أرشيف مركز الأبحاث وتآكله، بالنَّظر لظروف تخزينه في المعسكر في الصحراء الجزائرية، لصالح انطلاقة الأرشيف الوطني الفلسطيني في سياق هذا الانتقال؛ لم يكن وليدَ حالة طارئة، بل هو مراكمة لخيارات قيادة منظمة التحرير بعد الخروج من لبنان، في محاولة لوضع قدم داخل الأراضي الفلسطينية لإنشاء كيان كان الهدف منه أن يكون مشابهًا للأنظمة العربية القائمة في المنطقة. فكانت نتيجة هذا النهج أن دفعت بنفسها إلى خيارات بالغة الخطورة إحدى تجلياتها كان ضياع أرشيف مركز الأبحاث، الذي كان يقدم مادة تحاكي تجربة الشعب الفلسطيني. هنا تكمن فداحة الخسارة، والأكثر خطورة من هذه الخسارة، هوَ الانتقال لإنتاج مادة تُعبّر عن خطاب السلطة، برؤية تتوافق وخياراتها، خطاب لا يسمح ولا يقبل لمواد وذاكرة أرشيف مركز الأبحاث أن تكون جزءًا منه، لأن الخطاب الثوري الذي تبنته منظمة التحرير سابقًا، والذي كان يطالب بكامل أراضي فلسطين التاريخية ويؤكد على حق عودة اللاجئين، ويتبنى الكفاح المسلح باعتباره وسيلة لتحقيق أهداف المنظمة؛ باتَ يتعارض ورؤية السلطة كدولة قيد الإنشاء، قبِلت بشروط مُجحفة لدولة منقوصة السيادة ومنزوعة السلاح، مقابل التخلي عن مطلب تحرير الأرض وحق العودة. هي مروية تكتبها السلطة الناشئة، يترتَّب عليها تبعية ومسايرة للتوازنات الدولية وشروط الاحتلال، تنتهي بتقديم رواية مغايرة للتاريخ الفلسطيني. بالنهاية لن يضمَّ الأرشيف الوطني الفلسطيني أو بالأحرى أرشيف السلطة سوى سجلات إدارة الدولة الناشئة ويستبعد كل تاريخ النضال الفلسطيني.

ضياع أرشيف مركز الأبحاث يضعنا أمام حلقة مفقودة. لم يكن هذا الضياع فقط نتيجة للعمل الإجرامي الذي قام به العدو من نهب لمحتويات هذا الأرشيف وإنما أصحاب القرار في المنظمة وقتها أهملوا استرجاعه. سواء كان هناك تقصير أو هناك تعمّد بتغييبه، هذا الإهمال، وبهذه الظروف والمواصفات؛ لا يترك لنا إلا أن نقرأه بسياق واحد: غياب الأرشيف، هو تنكّر لكل التاريخ النضالي للثورة الفلسطينية وما قبلها.

منذ البداية، كان هناك نهج يعمل على تغييب الذاكرة الفلسطينية ويحاول أن يخلق أخرى، من أجل إعادة كتابة وتشكيل وإنتاج تاريخٍ غريب عن فلسطين

هنا يكمن جوهر المسألة، وبتتبع الخيط الذي يوصلنا إلى الحلقة المفقودة، لنفهم ربّما مآلات هذا الضياع، فإنّ هذا الأرشيف لا يخدم سردية السلطة الناشئة التي تدفع إلى الواجهة بسردية مغايرة، جوهرها اتفاق أوسلو الذي يتقاطع مع السردية الإسرائيلية. هكذا يتجلى الخوف من الذاكرة حين تترابط كلّ تلك الخيوط من تاريخ النهب والسرقة، الممتد منذ النكبة إلى يومنا هذا، نفهم لما تمّت محاربة هذا الأرشيف بكل قوة وعنف وإرهاب، لأنه، وكما يعلم الجميع، الذاكرة الحية للشعب الفلسطيني. فيما يُراد لها تفسير يُلغي كل هذا التاريخ. هنا، نقف أمام جرعة ألم قاتلة، بينما كانت إسرائيل هي السباقة إلى تدمير ومحو الأرشيف الفلسطيني، فإن المشروع الفلسطيني الذي توقف عند بناء سلطة بحدود مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، هو من ساهم في محاولة تغييبه.

اقرأ/ي أيضًا: المركز العربي يختتم مؤتمر الدراسات التاريخية.. فلسطين عربيًا ومئوية وعد بلفور

هذا المعطى يشير إلى أنَّ هنالك نهجًا من البداية، كان يعمل على تغييب الذاكرة الفلسطينية ويحاول أن يخلق أخرى، وقد تورَّط فيه كثر، جهات وأطراف عدَّة، من أجل إعادة كتابة وتشكيل وإنتاج تاريخٍ غريب، لا علاقة له بذاكرة الشعب، والتي تظلُّ عصية على النسيان، لا تزول إلا بزوال هذا الشعب، وهذا ضرب من المستحل. كلُّ مروية يراد تكريسها، تقابلها مروية تناقضها، تقول أنّ ذاكرة الشعب الفلسطيني لا تزالُ حية وستبقى. وهنا، يكمن خوف الغزاة من الذاكرة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

المركز العربي يبحث تاريخ نكبة فلسطين في عامها الـ70

فيديو: هل تغيرت طرق التضامن مع فلسطين؟