مكتبة فلسطين: قبل الشتات.. التاريخ المصور للشعب الفلسطيني  1876 - 1948

مكتبة فلسطين: قبل الشتات.. التاريخ المصور للشعب الفلسطيني 1876 - 1948

قبل الشتات.. التاريخ المصور للشعب الفلسطيني 1876 - 1948

عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت صدرت في 1987 الطبعة العربية الأولى من قبل الشتات لـ وليد الخالدي، أحد أهم المؤرخين الفلسطينين ومن القائمين على تأسيس مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت عام 1963. لقد جاء وضع الكتاب وفق وصف الخالدي لإلقاء الضوء على الفلسطينيين كشعب قبل تشتتهم، في محاولة جادّة لدحض ما روجت له الصهيونية العالمية بأن فلسطين "أرض بلا شعب"، وقد اختص الكتاب في الفترة الزمنية التي رافقت بدايات الحركة الصهيونية العالمية في أوروبا الشرقية حوالي العالم 1876 وينتهي عند الخامس عشر من أيار لعام 1948 والذي يمثل انتهاء الانتداب البريطاني ونهاية مرحلة الحرب الداخلية من الحرب العربية – الإسرائيلية، وكذلك قيام دولة إسرائيل وبداية الشتات الفلسطيني والترحيل الممنهج.

ويحتوي الكتاب على 474 صورة مختلفة تم اختيارها من بين عشرة آلاف صورة فوتوغرافية منوعة تُظهر النواحي السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية للمجتمع الفلسطيني، وقد جاء معظم هذه الصور من إرشيف مؤسسة الدراسات الفلسطينية التي احتوت على مجموعات الأستاذين واصف جوهرية وخليل رعد –عميد المصورين الفوتوغرافيين الفلسطينيين- اللتين شكلتا نواة هذا الأرشيف.

أيام الحُكم العثماني الأخيرة 1876 - 1918

يفتتح الخالدي كتابه باستعراض لتاريخ فلسطين منذ إطلاق تسمية فلسطين على أراضي الساحل من قبل الكتّاب اليونانيين واللاتينيين القدماء كهيرودوتس وغيره. وفي العالم 70 للميلاد، شهدت مدينة القدس أحداث قمع لثورة اليهود على يد الإمبراطور الروماني تيتوس مما أدى إلى هدمها بشكل كبير، وقامت مدينة وثنية جديدة مكانها في الفترة ما بين 132 - 135 قبل الميلاد في أعقاب ما يُعرف بالثورة اليهودية الثانية على يد الإمبراطور هادريان وأطلق عليها اسم "كولونيا إيليا كابيتولينا".


مدرسة قروية

في عام 320، زارت الملكة هيلانة والدة الإمبراطور قسطنطين مدينة القدس، وعلى إثر هذه الزيارة ولاعتناقه المسيحية، بدأ الطابع المسيحي يطغى على المدينة، وقام بتشييد كنيسة القيامة، وتزايدت حدّة بناء الكنائس في القدس وفلسطين منذ ذلك الوقت، والملفت في الأمر أنه لم يكن مسموحاً لليهود بدخول القدس سوى يوم واحد في السنة.

بعد أن فتح المسلمون القدس عام 637 للميلاد على يد الخليفة عمر بن الخطاب، تم الاهتمام بتحديد مكان الصخرة التي عرج منها النبي محمد إلى السماء، وحين تم ذلك، دعا الخليفة بلال بن رباح ليؤذن في ذلك المكان، وكانت هذه أول مرّة يؤذن فيها للصلاة بعد وفاة الرسول.

ويسرد الخالدي أبرز محطات الحُكم الإسلامي لفلسطين بدءًا من الأمويين الذين قاموا ببناء مسجد قبّة الصخرة في ظل حُكم الخليفة الأموي الخامس عبد الملك بن مروان، والمسجد الأقصى في زمن الخليفة الوليد بن عبد الملك والذي يُعتبر مزيجًا مُدهشًا من العمارة البيزنطية والفارسية والعربية.

أما تحت ظل الحكم العباسي، فقد كان أغلب الحكام الذي تتابعوا على حُكم فلسطين مسلمين اتخذوا من القاهرة مقرًا لهم بدلًا من بغداد عاصمة الخلافة العباسية. ويشير الخالدي إلى زيارة اثنين من الخلفاء العباسيين لمدينة القدس، أولهما الخليفة المنصور – ثاني الخلفاء العباسيين – الذي زارها مرّتين  وأمر بإصلاح كل ما تَلِفَ في المدينة بُعيد الزلزال الذي ضربها في ذلك الوقت، والخليفة الثاني الذي زار القدس هو المهدي ثالث الخُلفاء (775-785 م) وكانت زيارة مخصصة لأداء شعائر الصلاة في المسجد الأقصى.

وقد كانت فلسطين في تلك الفترة تمتاز بالمنتوجات المختلفة التي توفرها، مثل المحاصيل الزراعية كالزيتون والتين والعنب والسفرجل والبرقوق والبلح واللوز والعنّاب والموز، والمنتجات الأخرى كالسكر والسمّاق بالإضافة إلى الرخام والكبريت والصلصال والملح والقار. وكانت الحجارة أيضًا مُنتجًا مهما في فلسطين ومنها كانت تُصدّر الى المدن الأخرى.

ومن أبرز الشخصيات التاريخية في تلك الفترة التي استقرت في فلسطين بشكل عام وفي مدينة القدس بشكل خاص رابعة العدوية (717-801 م) والإمام أبو حامد الغزالي الذي بدأ بكتابة مؤلفه الشهير "إحياء علوم الدين" وهو مُقيمٌ فيها.


‎⁨ملك الفلسطينيون وزرعوا 120,304 دونمات من أصل 125,979 دونماً تنتج بطيخ⁩

ولعل من المفارقات الواضحة هو ما يشير إليه الخالدي عن أعداد اليهود في فلسطين، فيذكر أنه عند دخول صلاح الدين الأيوبي لمدينة القدس بعد الاحتلال الصليبي، أن عدد اليهود كانَ قد وصل إلى شخص واحد يعمل كصبّاغ، وقد كتب عنه الحاخام بتاحيا الريجنزبيرغي حوالي العام 1177 ميلادي، أمّا خلال الفترة اللاحقة لوجود الأيوبيين، فقد اصبحت الديار الإسلامية موئلًا لليهود من أوروبا، وذلك على عكس مسلك الصليبيين الذين اضهدوا المسلمين واليهود.

في فترة حُكم المماليك، قُسّمت فلسطين إلى ستّة أقضية وهي: غزّة، اللد، القدس، الخليل، قاقون ونابلس. وقد كانت هذه المنطقة تُشكل مفترق طرق رئيسي لكافة العابرين بين دمشق والقاهرة وحلب من تجار وإداريون وحجيج وجُند وعلماء.

في العالم 1516 أصبحت فلسطين وما حولها جزءًا من الإمبراطورية العُثمانية، وبقيت كذلك لنهاية الحرب العالمية الأولى. وقد كان للعثمانيين الأثر الكبير في فلسطين من حيث الاهتمام بالمقدسات الإسلامية وتطبيق أسس التسامح مع المسحيين فيها، وقد تم الاعتراف ببطريركية الروم الأرثودكس في القدس في القرن السادس عشر بإعتبارها القيمة على الأماكن المقدسة، كما فتحت السلطات العثمانية كما فعلت الأنظمة الإسلامية السابقة في فلسطين الباب أمام مئات الآلاف من اللاجئين اليهود هربًا من الاضطهاد الديني الذي واجهوه في أوروبا، لكنهم لم يستقروا طويلًا في فلسطين، ويذكر الخالدي أن عدد اليهود في القدس خلال القرن الأول من الحكم العُثماني وصل إلى 980 شخصًا عام 1587 بدلًا من 1330 شخصًا عام 1525.

وقد كانت فلسطين تحت الحكم العثماني الأكثر انفتاحًا على أوروبا المسيحية، حيث إن دول أوروبية عديدة كانت قد فتحت قنصليات لها في فلسطين، ويذكر الخالدي أنه خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بدأت البعثات التبشيرية المسيحية من كاثوليكية وبروتستانتية ورومية وأرثودكسية تتغلغل بمدارسها ومستشفياتها ومطابعها وغيرها. وفي العالم 1892 أكملت شركة فرنسية بناء خط حديدي هو الأول الرابط بين مدينتي يافا والقدس.

وكنتيجة لضعف نفوذ الدولة العثمانية في نهايات القرن التاسع عشر، فقد أدّت الثورة الصناعية والتغلغل الاقتصادي الأوروبي في فلسطين إلى ضرب الحرف والمنتوجات المحلية، وإلى ممارسة ضغوط متزايدة على عاصمة العثمانيين لأخذ امتيازات للأجانب تتمثل في الحصانة تجاه السلطات الإدارية والقضائية العثمانية، وأول المستفيدين من هذه الامتيازات المهاجرون اليهود الصهاينة الأوائل.


‎⁨فريق كرة القدم التابع لمدرسة سان جورج عام 1909

وقد تم تغيير التقسيم الإداري لفلسطين ما بين الأعوام 1887 و1888 والتي عُرفت لاحقًا بفلسطين تحت الانتداب، من الوضع الذي كانت عليه إبّان حُكم المماليك إلى ثلاث وحدات إدارية وهي: سُنجق القدس، والذي تألف من نصف أراضي البلاد في الجنوب وبقي تحت حُكم الإستانة المُباشر نظرًا لأهميتها الدينية، وسنجقي نابلس وعكا في الشمال وألحقا بولاية بيروت. ويذكر أيضًا أنه قد بلغ تعداد السكان الفلسطينيين في السناجق الثلاثة حينها حوالي 600 ألف فلسطيني منهم 60 ألف مسيحي تقريبًا، أمّا اليهود فقد كان تعدادهم نحو 25 ألف شخص نصفهم من المتدينيين الذين إبتعدوا عن الوظائف والتجارة والزراعة وتفرغّوا للصلاة والعبادة.

ومما يُثير الدهشة أيضًا، أن كافة اليهود في ذلك الوقت لم يكونوا يعدّوا مواطنين عثمانيين، بل من حملة الجنسيات الأجنبية التي تتمتع بحماية كاملة كما ذُكر أعلاه.

لم تشهد فلسطين قبل ظهور الصهيونية أي عداوة بين المسلمين واليهود، بل كانت العلاقات مستقرة ومسالمة يدعمها أكثر من ألف سنة من التعايش والعداء المشترك للغير. وقد رأى الفلسطينيون أنفسهم أنهم ورثة الديانات الثلاث وأنه تربطهم بالدولة العثمانية علاقة مواطنة وليسَ رعايا دولة.

وقد كان لتعديل الدستور العثماني عام 1876 دور كبير في وصول العديد من الفلسطينيين إلى مناصب عُليا في الدولة العثمانية كوزراء ونواب ومدراء في دوائر الخدمة المدنية وقادة في الجيش. ومما يذكره الخالدي أيضًا، أنه كانت لنهضة العرب الفكرية والثقافية دورُ بارز في مطالبة الفلسطينيين بالحصول على أكبر قدر من السلطة أو تطبيق الحُكم اللامركزي ودعا آخرون إلى الوحدة العربية والاستقلال عن الإستانة.

منذُ تأسيس الحركة الصهيونية وعقد مؤتمرهم الأول عام 1897 في مدينة بال (بازل) السويسرية، تبلورت فكرة الاستيلاء على فلسطين وجعلها وطنًا قوميًا لليهود لما إدّعوا أن لهم ارتباط ديني وتاريخي قديم مع هذه الأرض.

ومما يلفت الانتباه أيضًا، أن أول مستعمرة يهودية أقيمت في فلسطين كانت في العام 1878 أي قبل عقد مؤتمر الحركة الصهيونية بكثير، وقد بدأت طلائع المهاجرين اليهود في الوصول بدايةً من العام 1882. وتجدر الإشارة هنا إلى دور أثرياء اليهود في أوروبا والعالم في تمويل وتسهيل إنشاء المستعمرات اليهودية وهجرة اليهود إلى فلسطين مثل البارون موريس دي هيرش (ألماني) الذي أنشأ رابطة الاستعمار اليهودي في فلسطين، والبارون إدموند دي روتشيلد (فرنسي) الذي بدأ حملة تأييد الاستعمار اليهودي في فلسطين.


‎⁨عائلة من رام الله

في العام 1901 تم إنشاء الصندوق القومي اليهودي في لندن، والذي لعب دورًا كبيرًا في الحصول على أراضي كثيرة في فلسطين وتسجيلها بأسماء اليهود ولا تستخدم فيها إلا القوى العاملة اليهودية، وفي العام 1914 وصل عدد المستعمرات اليهودية في فلسطين إلى ثلاثين، وتعداد اليهود إلى ثمانين ألفًا.

ويختم الخالدي القسم الأول بالإشارة إلى أن تحالف العرب مع بريطانيا خلال الحرب العالمية الأولى قد جاء في سبيل سعيهم للحصول على الاستقلال من الحُكم العثماني، وكان لتفسير المراسلات التي تمت بين الشريف الحُسين والسير هنري مكماهون على أنها وعدٌ باستقلال العرب وسيادتهم على فلسطين وما حولها، إلاّ أن اتفاق الدول الكبرى حينها – بريطانيا وفرنسا وروسيا – كان قد أدّى إلى تدويل الجزء الأكبر من فلسطين ووضعها تحت الإنتداب البريطاني لاحقًا.

أمّا الذي أفضى لكل ما حدث بعد الحرب العالمية الأولى وحتى اليوم، فكان وعد السير آرثر بلفور وزير خارجية بريطانيا في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1917 والذي تضمن تأييد بريطانيا لإقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين.

من الاحتلال البريطاني إلى الثورة الفلسطينية الكُبرى 1918-1935

يُشير الخالدي في القسم الثاني من كتابه إلى أنَّه وعلى الرغم من ضعف الدولة العثمانية في أواخر أيامها إلاّ أنها كانت معارضة تمامًا لأفكار وطلبات الحركة الصهيونية، وفيما بعد، وحين انتصرت بريطانيا، وقامت باحتضان الحركة الصهيونية، فقد شعر الفلسطينيون بالخيبة والخوف معًا، لا سيّما بعد أن تنصلت بريطانيا بكل ما تعهدت به للشريف الحسين آنذاك.


‎⁨سكان قرية أبو غوش غربي القدس يؤدون قسم الولاء للجنة العربية العليا في نيسان/أبريل 1936

في العام 1919، كانت آمال الفلسطينيين معلقة بتحقيق لجنة "كينج – كرين" التي أوفدها الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون لإستطلاع رأي الشعب الفلسطيني والمنطقة فيما يتعلق بمستقبلهم، وقد أتت نتائج التحقيق في صالح الفلسطينين حيث تضمن التقرير "أن الصهاينة كانوا يتطلعون إلى إزاحة الأهالي غير اليهود المقيمين حاليًا في فلسطين إزاحة كاملة، بمختلف وسائل الشراء"، غير أن مرض الرئيس الأمريكي وقف حيال تمرير التقرير وتوصياته مما أدى إلى عدم موافقة مجلس الشيوخ الأمريكي على توقيع معاهدة فرساي التي كانت تتضمن موادَ تُعطي الولايات العربية استقلالًا دون وصاية.

ومن الجدير بالذكر أيضًا، أنه في تلك الفترة انسحبت الولايات المتحدة من تسويات ما بعد الحرب الأمر الذي أعطى بريطانيا تفردًا في محاباة الحركة الصهيونية وتطبيق وعد بلفور. وكان مما قامت به أيضًا عزل رئيس بلدية القدس موسى كاظم باشا الحُسيني لمعارضته البرنامج الصهيوني في نيسان/أبريل 1920، وفي نفس الشهر، أوصى مؤتمر سان ريمو بإسناد الانتداب على فلسطين رسميًا لبريطانيا، دون الأخذ بعين الاعتبار تطلعات ورغبات الشعب الفلسطيني.

وقد شهدت تلك الأشهر مواجهات عديدة بين الفلسطينيين واليهود لا سيّما بعد تعيين السير هربرت صموئيل كأول مندوب سامٍ على فلسطين، وهو المعروف عنه تأييده الكبير للصهيونية وأفكارها ومن أشد الداعمين لفكرة سلب فلسطين.

أمّا فيما يخص المستعمرات اليهودية، فقد بدأت تتزايد بشدة خلال تلك الفترة مترافقة مع زيادة أعداد المهاجرين اليهود من أوروبا ولا سيّما ما بين الأعوام 1933 إلى 1935 حيث وصلها حوالي 130 ألف مهاجر.

شكّلت هذه التحركات الصهيونية المدعومة من بريطانيا قلقًا شديدًا لدى قادة الحركة الوطنية الفلسطينية، فتم تنظيم مؤتمرات عديدة جاء على أثر سحب بريطانيا للكتاب الأبيض الأول الذي يُراعي حقوق الفلسطينين وتم رفضه من قادة الحركة الصهيونية، بالإضافة إلى ذلك، فقد تم تشكيل خمس أحزاب سياسية فلسطينية جديدة ما بين الأعوام 1932 و 1935.

ويُشير الخالدي إلى أنه في العام 1935، وفي سبيل تهدئة خواطر الفلسطينيين، إقترحت بريطانيا تشكيل مجلس تشريعي يتألف من 28 عضواً نصفهم من الفلسطينيين علمًا بأنهم كانوا يشكلون حوالي 70.5% من مجموع السكان، لكن هذا المقترح واجه ضغوطات من أعضاء البرلمان البريطاني المؤيدون للصهاينة لسحبه بحجة أنه يُعيق إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.

الثورة الكبرى 1936-1939

لربما لم تشهد الأراضي الفلسطينية كافّة، من البحر إلى النهر، ما شهدته هذه السنين الأربع التي كانت بمثابة التاريخ الفاصل ما بينَ تحقيق حلم استقلال فلسطين، وواقع قيام "إسرائيل" فيما بعد. وقد تشكلت في مُختلف القرى والمُدن الفلسطينية لجان قومية كانت بمثابة القاعدة التنظيمية للثورة الكبرى. وكما ذكرنا سابقًا عن تشكيل خمس أحزاب فلسطينية، فإن هذه الأحزاب كانت قد اتحدت تحت ما سُميَّ آنذاك "اللجنة العربية العُليا" وترأسها المفتي الحاج أمين الحُسيني.


‎⁨ملكية الأراضي عام 1945

وكان للإضراب العام الكبير الذي وقع ما بين أيار/مايو 1936 إلى تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه، الأثر الكبير على سُلطات الانتداب البريطاني، وقد شهدت هذه الفترة وصول المتطوعين العرب لمقاومة البريطانيين على رأسهم القائد فوزي القاوقجي، الذي أدار بشجاعة وكفاءة عالية تنظيم عمليات المقاومة.

في المقابل وكما يذكر الخالدي، قامت القوات البريطانية بتعزيز أسطولها العسكرية ورفع حدّة عملياتها الانتقامية التي كان منها تدمير جزء من البلدة القديمة في يافا، وقد أرسلت بريطانيا أيضًا للزعماء العرب للتدخل لدى اللجنة العربية العُليا والطلب منها تعليق الإضراب، وقد تمت الموافقة على ذلك بعد مناشدة ملك السعودية، والعراق وأمير شرق الأردن لها.

وإذا ما استعدنا تلك الأحداث اليوم، فبإمكاننا الإفتراض أنه لولا تدخل الزعماء العرب لتخفيف الضغط على بريطانيا والتوسط لدى الفلسطينيين بقبول لجنة بيل، لربما اتخذ التاريخ منحى آخر.

وكان لنشر توصيات لجنة بيل في تموز 1937 والتي تضمنت فيما تضمنته اقتراح بتقسيم فلسطين إلى دولة يهودية ودولة فلسطينية يتم إلحاقها بشرق الأردن صدىً كبيرًا في أوساط الشعب الفلسطيني، الأمر الذي أدّى إلى تفجر الثورة من جديد.

وعلى إثر قيام المقاومة الفلسطينية باغتيال الجنرال لويس أندروس حاكم لواء الشمال، في الناصرة أيلول/سبتمبر 1937، قامت بريطانيا بإصدار أمر بحل اللجنة العربية العليا واعتقال أعضائها، وقامت بنفي كل من الدكتور حسين الخالدي، أحمد حلمي، يعقوب الغُصين، فؤاد سابا ورشيد الحاج إبراهيم إلى جزر سيشل في المحيط الهندي، أمّا الحاج أمين الحُسيني، فقد استطاع الإفلات ولجأ إلى لبنان.

في خريف عام 1938، والذي شهد الموجة الثالثة للثورة، قامت بريطانيا بتجريد الفلسطينيين من كافة أنواع السلاح وعملت على تسليح العصابات الصهيونية، خاصّة الجيش السرّي للوكالة اليهودية "الهاغاناه"، وتُظهر العديد من الصور وجود ضباط بريطانين يقومون بتدريب المستعمرين الصهاينة على كيفية إستخدام الأسلحة المختلفة. أمّا في العام 1939، فقد تم عقد مؤتمر عام في لندن بحضور زعماء صهاينة ومندوبون عن الدول العربية المجاورة في سبيل تحقيق تسوية بين الطرفين، وكان أبرز الغائبين عن المؤتمر الحاج أمين الحُسيني لاعتراض بريطانيا على مشاركته فيه.

ولعلَّ نتائج هذا المؤتمر كما يوضح الخالدي، هي التي كانت سببًا رئيسًا في تردّي العلاقات الصهيونية – البريطانية، حيث جاءت مخرجاته في كتاب أبيض احتوى على عدد من النقاط من أبرزها تحديد الهجرة اليهودية إلى فلسطين بـ15 ألف مهاجر لمدة خمسة أعوام، وأن لا يُسمح بنقل ملكية الأراضي من الفلسطينين إلى اليهود إلا في مناطق معينة، وإنشاء دولة واحدة مستقلة بعد مضي عشر سنوات شريطة أن تتحسن العلاقة بين الفلسطينيين واليهود.

من مؤتمر لندن إلى توصية هيئة الأمم بتقسيم فلسطين 1939-1947

يؤرخ الخالدي في القسم الرابع من مؤلفه لما كان للحرب العالمية الثانية من تأثير على مجرى الأحداث في فلسطين، حيث يُشير إلى أن الفلسطينين خلال سنوات الحرب كانوا هادئين نسبيًا عمّا كانت عليه الأوضاع خلال الثورة الكبرى، ويعزو هذا الهدوء أو السلبية كما أطلق عليها إلى سببين؛ الأول هو القمع الوحشي الذي قامت به بريطانيا للثورة الـ1936، والثاني هو ما ورد في الكتاب الأبيض الصادر عام 1939.


‎⁨توزيع الكثافة السكانية عام 1946

وقد كان لتصريحات أنطوني إيدن وزير خارجية بريطانيا آنذاك التي تدّعي قبول مبدأ الوحدة العربية بعد أن تنتهي الحرب أثرًا إيجابيًا في التخفيف من المواجهات بين الفلسطينين والانتداب، على أن ذلك لم يمنع بريطانيا من مطاردة واعتقال ومحاولة اغتيال القادة والنشطاء والمناضلين الفلسطينين.

في العام 1945 تم تشكيل جامعة الدول العربية وضمت حينها مصر والعراق ولبنان والمملكة العربية السعودية وسوريا وشرق الأردن واليمن، وكان لتعهد الجامعة بحماية عُروبة فلسطين أملًا آخر للفلسطينين لينالوا استقلالهم.

بالمقابل، فقد شهدت تلك الفترة توترًا في العلاقات الصهيونية – البريطانية نتيجة توصيات الكتاب الأبيض الأخير، لكن تهديدات الحملة النازية في شمال أفريقيا عملت على تهدئة الأمور بين الطرفين باستثناء بعض الممارسات من عصابة شتيرن المتطرفة.

أثناء الحرب، عملت الحركة الصهيونية على تحريك مشاعر اليهود الأمريكيين، ففي أيار/مايو 1942 عقد دافيد بن غوريون مؤتمرًا في نيويورك شهده عدد من كبار الصهاينة الأمريكيين دعا فيه إلى تحويل فلسطين بكاملها إلى "كومنولث يهودي"، بالإضافة إلى هجوم مباشر ضد الكتاب الأبيض ووعد بلفور الذي اعتبره لا يحدد مكان الوطن القومي لليهود في فلسطين. ويشير الخالدي إلى أنه فور انحسار خطر النازية عن مصر وشمال أفريقيا، قامت عصابتا الإرغون والشتيرن بحملة إرهاب ضد البريطانيين.

ومما يلفت الانتباه هُنا أيضًا، أنّهُ ومن تداعيات الحرب ونتائجها، فقد كسبت الحركة الصهيونية تعاطفًا كبيرًا من صهاينة أمريكا، الأمر الذي أدّى بالرئيس هاري ترومان بالضغط على الحكومة البريطانية لسحب الكتاب الأبيض والسماح فورًا بهجرة 100 ألف يهودي دون قيد أو شرط، الأمر الذي عزاه لدوافع إنسانية، ويعلّق الخالدي على هذا الدافع بأنه لو كانَ صحيحًا، لكانت الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا ودول أخرى قد قامت بتسهيل إجراءات قبول اللاجئين الهاربين من الاضطهاد.

ومما يُعزز احتضان ترومان الكامل للحركة الصهيونية، فقد أعلن في تشرين الأول/أكتوبر 1946 موافقته على خطة الوكالة اليهودية لتقسيم فلسطين إلى دولتين، بحيث تحتل الدولة اليهودية ما نسبته 60% من أراضي فلسطين في حين لم تكن نسبة السكان اليهود تتجاوز 7%.

حاولت بريطانيا بعد ذلك أن تتنصل من مسؤوليتاها تجاه فلسطين لما واجهته من عُنف العصابات الصهيونية، الأمر الذي دعاها إلى طرح مشروع التقسيم على الجميعة العامّة للأمم المتحدة في أيلول 1947، وخلال شهر من ذلك التاريخ، أعلنت أنها ستقوم بسحب قواتها من فلسطين بغضون ستّة أشهر إذا لم يتم التوصل إلى صيغة مقبولة للإتفاق بين الطرفين الفلسطيني والصهيوني.

الحرب الداخلية ومحاولة تحطيم المجتمع الفلسطيني

11/1947 – 5/1948

في 29 تشرين الثاني/نوفمبر من العام 1947 صدر قرار التقسيم من قبل الأمم المتحدة، الأمر الذي أصاب الفلسطينين بالصدمة والذهول، وعلى الطرف المقابل، أدّى إلى شعور بالفرح والنصر لدى الصهاينة.

وفي تفاصيل التصويت على القرار يذكر الخالدي أن 33 دولة صوتت مع التقسيم مقابل 13 صوتًا معارضًا، وامتناع عشرة دول وتغيب عضو واحد، والدول التي عارضت القرار كانت كوبا والهند والباكستان واليونان وتركيا وأفغانستان وإيران بالإضافة إلى الدول العربية؛ سوريا والعراق والسعودية واليمن ومصر ولبنان، والطريف في الأمر كان امتناع بريطانيا عن التصويت بخجل وحياء زائفين.

ويشير الخالدي إلى أن الزعامة الصهيوينة كانت قد بدأت الاستعداد لتحويل فلسطين بأسرها إلى دولة يهودية في منتصف العالم 1942، وكان أبرز ما يؤرق الصهاينة منذ ذلك الوقت هو تفوّق الفلسطينيين العددي وحيازتهم لمعظم الأراضي، الأمر الذي أدّى بهم إلى وضع استراتيجيات مختلفة لقلب هذه المعادلة تحقيقًا للمصلحة الصهيونية.

وفي أيار/مايو من العام 1946، رسمت الهاغاناه التي أصبحت بمثابة جيش نظامي، خطّة عسكرية شاملة عُرفت باسم خطة أيار تعتمد على القيام بأعمال تحذيرية في مناطق "العدو" وأعمال عقابية لم تُحدد نطاقها الجغرافي، وكانت من أبرز أهدافها البشرية القادة السياسيين والعسكريين الفلسطينيين والممولون والمحرضون، بالإضافة إلى محاصرة واحتلال القرى والتجمعات السكنية المستخدمة في العمليات المعادية لليهود.


‎⁨المدنيون الفلسطينيون بعد إلقائهم في البحر، ميناء يافا أواخر نيسان 1948

ولم يكتف الصهاينة بخطّة أيار/مايو، ففي أواخر العام 1947، تم وضع خطّة جديدة عُرفت باسم "خطة د" أو دالت، وكان هدفها الرئيسي هو الاستحواذ على كافة المناطق المعدّة لإقامة الدولة اليهودية وطرد العرب منها بالقوة.

أمّا بخصوص رد الفعل العربي على كل هذه الأحداث، فيذكر الخالدي أنه على الرغم من مطالبة الفلسطينين الجامعة العربية لكي تساهم في رفع الكفاءة العسكرية للمقاومين إلاّ أنها كانت تُعاني من فُرقة بين الدول الأعضاء وقيود مفروضة عليها تمنعها من القيام بذلك، وكان الشيء الوحيد الذي قامت به هو تشكيل اللجنة العسكرية الفنية برئاسة اللواء صفوت اسماعيل الرئيس السابق لأركان القوات العراقية، وكان التقرير الأول لهذه اللجنة يفيد بأنه ليس لدى الفلسطينين شيء يُقارب حجم القوات الصهيونية وتجهيزاتها، وتضمن التقرير أيضًا حث الدول العربية على تعبئة كامل قواتها وتشكيل قيادة عامة للدفاع عن فلسطين. وفي 27 تشرين الثاني/نوفمبر أفاد اللواء إسماعيل بأنه" من المستحيل التغلب على القوات الصهيونية باستخدام قوات غير نظامية".

وبالطبع، كانت الجامعة العربية ومعها معظم الدول العربية آنذاك تخشى القيام بأي عمل قبل 15/05/1948 وهو موعد انتهاء الانتداب البريطاني خشية أن تقوم بريطانيا برد فعل يكلّف الرؤساء العرب كثيرًا، وإزالتهم عن الحُكم.

ولتفادي الإحراج العربي وتجنب الغضب البريطاني، وافقت جامعة دول العربية في كانون الأول/يناير من العام 1947 بإمداد اللجنة العسكرية الفنية بعشرة آلاف بندقية لوضعها في تصرف قوة قوامها 3 آلاف مقاتل غير نظامي عُرف فيما بعد بإسم جيش الإنقاذ.

في بدايات العام 1948، شهدت العلاقة بين القادة الصهاينة والرئيس الأمريكي ترومان تدهورًا نتيجة طرح فكرة الوصاية بدلًا من قرار تقسيم فلسطين، الأمر الذي لن يعمل على إنشاء دولة يهودية، وعلى إثر هذا المشروع الذي طُرح من قبل الخارجية الأمريكية، عُقد لقاء سرّي بين حاييم وايزمان والرئيس الأمريكي في آذار/مارس من نفس العام، وخرج منه الأول بانطباع أن ترومان مؤيد لسياسات الصهيونية فأبلغ تل أبيب بهذا الأمر.

فور وصول أنباء الاجتماع السابق إلى القادة الصهاينة في فلسطين، بدأت الهجمات العسكرية من قبل الهاغاناه والأرغون والشتيرن تتزايد، ودخلت الخطة "د" الهجومية حيز التنفيذ في الأسبوع الأول من نيسان/أبريل، وكان من أشد معارك الطرفين معركة القسطل التي أسفرت عن استشهاد القائد عبد القادر الحُسيني ومن بعدها قامت الأرغون بتنفيذ مذبحة دير ياسين وهزيمة قوات جيش الإنقاذ العربي بقيادة فوزي القاوقجي في هجومه على مستعمرة مشمار هعيمك.

في 18 نيسان/أبريل، أعلنت بريطانيا إنسحابها من مدينة طبرية، الأمر الذي استغلته قوات الهاغاناه فوراً فقامت بإحتلال المدينة وقضائها في اليوم نفسه، وكذلك في الحادي والعشرين منه، إنسحبت بريطانيا من حيفا وسارعت الهاغاناه للقيام بعملية "ميسباراببم" واحتلت حيفا.

وتتالت عمليات الهاغاناه وفق الخطة د، منها عملية "حامتس" بتاريخ 25 نيسان/أبريل واحتلت يافا على أثرها، وعملية يبوسي في 26 نيسان/أبريل وأحتلت الأحياء السكنية العربية في القدس الغربية وضواحي القدس الشمالية والشرقية، وعملية يفتاح في 28 نيسان/أبريل واحتل الجليل الشرقي بأكمله.

ولم تتوقف عصابة الأرغون عن عملياتها أيضًا، فشنت هجومًا على مدينة يافا مما أدى إلى تهجير أهلها المتبقين إلى غزة ومصر عن طريق البحر.


‎⁨الشابان الجالسان في الأمام، هما أكرم زعيتر إلى اليسار وأحمد الشُقيري إلى اليمين⁩

وعلى الصعيد العربي، يذكر الخالدي أنه في الثلاثين من نيسان/أبريل – بعد سقوط معظم المدن الفلسطينية – عُقدت قمة عربية في عمّان دُعي إلى حضورها القادة العسكريين للمرة الأولى الذين قدّروا أن القوة العسكرية المطلوبة لمواجهة الصهاينة هي ست فرق وستة أسراب جويّة، الأمر الذي لم يُلاقِ استحسان القادة العرب الذي ظلّوا يأملون بتدخل الدول الغربية في اللحظات الأخيرة لإنقاذ فلسطين، واعتبروا تقديرات القادة العسكريين مُبالغ فيها ولا مبرر لها، وحين تدخلت الجيوش العربية بعد فوات الأوان كان عددها أقل من نصف الحد الأدني الذي تم التوصيه عليه في الاجتماع.

في الرابع عشر من أيار/مايو لعام 1948، غادر المندوب السامي البريطاني فلسطين، وبعد منتصف الليل بدقيقة واحدة أعلن عن قيام دولة "إسرائيل" واعترف بها ترومان بعد عشر دقائق فقط.

*

 

وليد الخالدي مؤرخ ومفكر ومرجع في القضية الفلسطينية من مواليد مدينة القدس عام 1925، وقد تركت أعماله العديدة أثرًا كبيرًا في نشر الوعي فيما يخص فلسطين وتاريخها وحضارتها، وقد ساهم بشكل كبير في تأسيس مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت ومؤسسة التعاون التي تهدف إلى التنمية الثقافية والإجتماعية للشعب الفلسطيني في الشتات، عمل في الجامعة الأمريكية في بيروت وجامعة هارفارد كزميل أعلى في البحوث في مركز دراسات الشرق الأوسط، ومن أهم مؤلفاته؛ كل ما تبقى: القرى الفلسطينية المدمرة (1992)؛ خمسون عامًا على تقسيم فلسطين 1997؛ الصهيونية في مائة عام (1997)، خمسون عامًا على حرب 1984 (1997)، دير ياسين الجمعة 9/4/1948 (1999).

 

اقرأ/ي أيضًا:

مكتبة فلسطين: أرض أكثر وعرب أقل

مكتبة فلسطين: الأغنية الشعبية الفلسطينية