في أي زمن نعيش؟

في أي زمن نعيش؟

إيتالو كالفينو على سطح شقته في روما عام 1984 (Getty)

كتب الروائي الأميركي جوناثان فرانزن: "الروايات قضية غامضة أخلاقيًا، ذلك أننا نشعر بالذنب لعدم قراءتنا المزيد منها، ونشعر بالذنب أيضًا لممارستنا نشاطًا في تفاهة قراءتها. فهل لن نكون أفضل حالًا حين يختفي شيء من أشياء العالم التي نشعر حيالها بالذنب؟". كلام فرانزن جاء في سياق مراجعته لرواية كرستيان ستيد، التي قال عنها: "هناك جملة من الأسباب لكي لا نقرأ رواية "الرجل الذي كان يحب الأطفال" في هذا الصيف. فهي أولًا رواية، وألم نتوصل جميعًا إلى نوع من الاتفاق السري، خلال السنتين أو الثلاثة الماضية، على أن الروايات تنتمي إلى عصر الصحافة وستذهب بذهابها أو أسرع؟".

في مقال شهير بعنوان "لماذا نقرأ الأدب؟"، يلاحظ ماريو فارغاس يوسا أن قراء الأعمال التخييلية، الرواية تحديدًا، في تناقص

أما الروائي الإسباني خافيير مارياس، فقد كتب مقالًا بعنوان "سبعة مسوّغات لعدم كتابة الرواية وواحد لكتابتها"، ومن بين المسوغات السبعة يشير مارياس إلى أن كتابة الرواية لم تعد تُكسب الشهرة، ولقد بات من العبث "بذل جهد في كتابة رواية لتحصيل الشهرة، بينما ليس بالضرورة اليوم فعل أي شيء خاص أو ملموس لكي نكون شهيرين: زيجة أو ارتباط مع الشخص المناسب، وما يتبع ذلك من حزمة فضائح زوجية مثيرة.."، وكذلك فالرواية لم تعد تمنح الخلود، "لأن الخلود ــ من بين أسباب أخرى ــ لم يعد له عمليًا وجود. بهذا الصدد فالأثر ذاته الذي ينتقل إلى الخلود يبدو منعدما، أقصد بهذا أثر كل فرد: كل واحد منا معرض للنسيان بعد شهرين من وفاته. إن الروائي الذي يظن عكس ذلك فهو يفصح عن غرور أو سذاجة تعود إلى زمن قديم".

اقرأ/ي أيضًا: برونو شولتز في شارع التماسيح.. فساد المدينة الفاضلة

في مقال شهير بعنوان "لماذا نقرأ الأدب؟"، يلاحظ ماريو فارغاس يوسا أن قراء الأعمال التخييلية، الرواية تحديدًا، في تناقص، وأن غالبية الباقين من القراء هن نساء. واستنادًا إلى مفهوم شائع، فإن قراءة الرواية "هي نشاط كمالي يمكن الاستغناء عنه.. ترف للأشخاص الذين يملكون وقت فراغ. هو شيء يمكن وضعه بين الرياضات أو الأفلام أو لعبة شطرنج؛ وهو نشاط يمكن أن نضحي به دون تردد حينما نرتب أولوياتنا".

إلى سنوات قليلة مضت، كان من الشائع الإشارة إلى أننا نعيش في "زمن الرواية"، وإلى أن "هذا النوع الأدبي المميز قد اكتسح الشعر والقصة القصيرة والمسرحية والمقال، وهو الآن يتسيد مملكة الأدب بلا منازع". فما الذي حدث كي يتحدث اليوم ثلاثة روائيين عالميين عن "انحسار وتراجع ولا جدوى"؟!

ما حدث هو أننا بتنا نعيش في زمن مختلف تمامًا، لا هو بزمن الرواية ولا بزمن الشعر، إنه زمن السوشيال ميديا، حيث المدونات والمنتديات والصفحات الفيسبوكية قد نسجت، في غفلة منا، مناخًا وحساسية جديدين.

هنا، ووسط تلال من الرداءة الموصوفة، يوجد نصوص جريئة، تنطوي على رغبة في ارتياد أراض بكر، واستشراف آفاق جديدة.. شباب وشابات بأسماء مغمورة، ينحتون مفرداتهم الخاصة، ويبتكرون صورًا طازجة، ممزقين وصايا الأسلاف ومتحللين من أعباء تركتهم الثقيلة. ثمة لغة مرحة خالية من التجهم، وأفكار متحررة من آثار الأيديولوجيا المفسدة، وثمة استدعاء ذكي لتفاصيل كثيرة ظلت طويلًا قابعة في الهامش المقموع. وكذلك هناك ميل جارف إلى التكثيف والاستغناء عن اللغو والحشو وكل ما لا يلزم..

ما حدث هو أننا بتنا نعيش في زمن مختلف تمامًا، لا هو بزمن الرواية ولا بزمن الشعر، إنه زمن السوشيال ميديا

ربما لا تتيح لنا النماذج الواعدة أن نتحدث عن كتابة جديدة مكتملة المعالم، ولكننا نستطيع الإشارة إلى حساسية جديدة، وبذور ذائقة مختلفة قيد التشكل، ورغبة جامحة في تجديد الموضوعات والرؤى.. وهي أشياء يجب على الكتّاب المحترفين، إذا أرادوا لنتاجاتهم أن تبقى على قيد الحياة، أن ينتشلوها من ركام اللغو والثرثرة الفارغة، وأن يلتقطوا دلالاتها، ويرصدوا اتجاهاتها، ويسعوا إلى مواكبتها.

اقرأ/ي أيضًا: الهزل في قصص الأزل.. إيتالو كالفينو ساردًا سيرة العالم الأولى

عندما كتب إيتالو كالفينو مؤكدًا على الخفة، والسرعة، والدقة، والوضوح، والتعددية.. كـ"وصايا للألفية الجديدة"، فقد كان يدرك أي متغيرات كاسحة يحملها فجر الألفية الجديدة، وأي عالم صاخب، مشرع على التغيير الدائب، سوف نحيا في كنفه.

وهذا هو الرهان المطروح اليوم على الرواية: أن تواكب العصر مجددة أدواتها وأفكارها ومقولاتها، كي لا تصبح نوعاً سابقاً، ساد ثم باد..

 

اقرأ/ي أيضًا:

رواية "قلب أبيض جدًّا".. الماضي جحيم الغد

"عزيزي الكاتب" رسائل الناشرين إلى هوميروس وشكسبير