فيلم

فيلم "The Two Popes".. جدل في اللاهوت والحياة

من الفيلم (IMDB)

مع نهاية عام 2019، قدّمت نيتفلكس فيلم "The Two Popes" أحد أفضل إنتاجات العام الفنية، وأكثرها عمقًا وإثارةً للجدل. يتمحور الفيلم بشكل أساسي حول لقاءات حصلت في العام 2012، بين بابا الفاتيكان يومها الألماني راتزنغر المعروف باسم بينيدكت السادس عشر والذي لعب دوره النجم أنطوني هوبكينز، والبابا الحالي جورج بيرغوليو المعروف باسم البابا فرنسيس، والذي لعب دوره كل من جوناثان برايس في مرحلة الكهولة، وجوان مينغوين في مرحلة الشباب. الفيلم الذي كتبه أنطوني مكارتن، وقام فيرناندو ميريليس بإخراجه، يرتكز بنسبة كبيرة على أحداث حقيقية.

تبدأ أحداث الفيلم في عام 2005، عقب وفاة البابا يوحنا بولس الثاني، والذي كان يحظى بشعبية جارفة حول العالم. وكما هو متعارف عليه، اجتمع الكرادلة الكاثوليكيين من مختلف دول العالم في مقرّ الكرسي الرسولي في الفاتيكان لانتخاب بابا جديد، في وقت كانت تمرّ فيه الكنيسة الكاثولوكية بأزمات جمّة، على رأسها فضائح التحرش الجنسي.

يتمحور فيلم "The Two Popes" حول لقاءات حصلت بين بابا الفاتيكان بينيدكت السادس عشر والبابا فرنسيس

اقرأ/ي أيضًا: مائة عام على فدريكو فيلليني.. أحلامه لا تزال تتحرك

تأخذنا كاميرا فيرناندو ميريليس إلى داخل أروقة الكنيسة الباباوية في الفاتيكان، لمشاهدة كواليس انتخاب حبر أعظم جديد، فيما تنتظر جمهرة من المؤمنين والصحفيين في الخارج بانتظار خروج الدخان الأبيض من مدخنة الكنيسة، في إشارة إلى نجاح أحد الكرادلة في الحصول على 72 صوتًا.

في ذلك الوقت، كان الصراع بين تيارين أساسين داخل الكنيسة الكاثوليكية، الأول محافظ أهم وجوهه هو راتزنغر، يتمسك بالعادات والتقاليد الكنسية، ويرفض إدخال تعديلات متوائمة مع العصر الحديث. التيار الآخر إصلاحي، أبرز وجوهه الكاردينال الإيطالي مارتيني، والأرجنتيني بيرغوليو. بعد جولتي تصويت، يحصد راتزغر عدد الأصوات اللازم وينصّب كحبر أعظم جديد.

يشعر بيرغوليو الذي كان يأمل بانتخاب مارتيني الإصلاحي بالخيبة، يعود إلى الأرجنتين. خلال السنوات اللاحقة يمارس بيرغوليو عمله المعتاد في بلاده ككاردينال لكثالكة الأرجنتين، لكنه يشعر مع الوقت بأنه عاجز عن التغيير من الداخل فيقرر الذهاب إلى روما لتقديم استقالته، في الفترة نفسها وللمصادفة، يقرّر البابا استدعاء بيرغوليو لمعاتبته بسبب تصريحات له يرى البابا أنها لا تتواءم مع خط الكنيسة، كما أنه تحمل انتقادات مبطنة للبابا. في تلك الفترة كان الكرسي الرسولي يشهد عواصف شديدة، مع اتهامات لمساعدين لراتزغر بالفساد المالي والتستّر على فضائح تحرش بالأطفال من قبل رجال دين.

يحصل لقاء بين بيرغوليو وراتزغر في مقر الأخير الصيفي  في إيطاليا.  يوجّه راتزغر كلامًا قاسيًا وينتقد أفكار بيرغوليو في ما يخص تصريحاته حول أمور عديدة ترفضها الكنيسة،  كالسماح للنساء في المشاركة في التحضير للقدّاس، احتضان المثليين ومساعدتهم عوضًا عن تهميشهم ونبذهم، إضافة إلى أمور أخرى.

يمثل بيرغوليو رجل الدين العملي والعصري والقريب من الناس، يرقص التانغو، يتجول على درجة نارية ويشاهد كرة القدم. لا يسكن بيرغوليو في قصر الأساقفة لأنه يرى أنه "أفخم مما يجب". لا تعجب هذه الأفكار راتزغر، يرى أن "خصمه" يميل للاستعراض والشعبوية على حساب تقاليد كنسية تعود لمئات السنين.

بالرغم من الخلاف الحاد بينهما، والطريقة الفظة التي عامل بها راتزغر ضيفه، تنجح كلمات بيرغوليو مع الوقت في ترك أثر لدى البابا، وتحرّك المياه الراكدة داخله. تتحول العداوة بينهما إلى صداقة في اللقاء التالي، يجد راتزغر الذي تقدّم في السن، وفقد النظر بعينه اليسرى وضعف قلبه، في بيرغوليو المنقذ الوحيد للكنيسة، يخبره برغبته في الاستقالة وبأن يكون هو خليفته. يرفض بيرغوليو بشكل قاطع لأنه يجد نفسه غير مؤهل، بسبب موقف اتخذه خلال الحرب في بلاده في سبعينيات القرن الماضي، يشعر بسببها بالخزي والعار. ينجح راتزغر بإقناعه، بحيث أن كل البشر خطّاؤون، بل يقوم ويعترف أمامه كمواطن عادي يعترف في كنيسة، بقيامه بالتغطية على أحد الكهنة مدان بالتحرش بالصبية.

استقالة بابا الفاتيكان بينيدكت السادس عشر هي الاستقالة الأولى لحبر أعظم منذ القرن الثالث عشر

يستقيل رايتزغر فعلًا، وهي الاستقالة الأولى لحبر أعظم منذ القرن الثالث عشر، وينتخب الكرادلة بيرغوليو بوصفه البابا الجديد في العام 2013، ويحمل اسم "البابا فرنسيس" كأول بابا من أمريكا اللاتينية، وأحد أكثرهم انفتاحًا وحملًا للأفكار التقدمية والداعية لتقبل الآخر، والتسامح مع الخاطئين واحتضانهم. البابا المؤمن بأن الله والدين هي أشياء متحركة ومتجددة لا يمكن حبسها داخل الكتب والأديرة.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "Marriage Story".. الحب على حلبة الطلاق

في المشهد الأخير يجلس الصديقان الجديدان البابا فرنسيس وسلفه على أريكة، ويشاهدان نهائي كأس العالم بين بلديهما الأرجنتين وألمانيا. الفوز هذه المرة سيكون من نصيب راتزغر.

اقرأ/ي أيضًا:

فيلم "Perfume".. مأساة رجل بدون رائحة

فيلم "Joker".. نشأة الحقد الطبقي والعنف الثوري في مدينة غوثام