فيلم

فيلم "Joker".. نشأة الحقد الطبقي والعنف الثوري في مدينة غوثام

من الفيلم (IMDB)

في مدينة غوثام الباردة تنتشر العشوائيات وأكوام القمامة وترتفع أسعار وقود التدفئة. المشاعر في مدينة غوثام باردة جدًا تمامًا كما الطقس البارد فيها. يقدم فيلم "Joker" رؤى فلسفية إلى الحياة والوجود والمجتمع الحديث والعنف الثوري والحقد الطبقي والضحك.

في فيلم "Joker"، يعي آرثر أن الطريقة الوحيدة للرفض تكمن عبر الاحتجاج العارم والعنف والقتل

آرثر (خواكين فينيكس) شاب ثلاثيني يعيش مع أمه في منزل صغير في إحدى عشوائيات مدينة غوثام. لقبه "هابي" ويعاني من اضطراب الضحك اللاإرادي. يقدّم آرثر عروض التهريج لأطفال مرض السرطان في المستشفى، فيرقص ويغني ويضحك المرضى.

اقرأ/ي أيضًا: 6 من أبرز من مثلوا شخصية "الجوكر"

يقع آرثر في العديد من المشاكل التي تجرفه تباعًا إلى الكذب ومن ثم ارتكاب جرائم قتل. تتوالى الأحداث الشخصية عند آرثر في الوقت الذي تكبر حركة الاحتجاج السياسية في شوارع غوثام. ويكتشف آرثر نفسه من جديد في ظل هذه الأوضاع، وينتهي الصراع بداخله بانتصار القسوة على الطيبة، وتحوله إلى جوكر مدينة غوثام.

الفراغ الوجودي

لديه علاقة طيبة مع الأطفال، وباستطاعته إضحاكهم، ولديه الرغبة والحافز للتعامل معهم. هابي قادر على رسم البسمة والضحكة على وجوه الأطفال الأبرياء لأنهم وحدهم القادرون على مبادلته الحب والتعامل معه بانسانية، وعلى إعطاء معنى لوجوده. الأطفال البريئون قادرون على رؤيته، بينما الناس الناضجون لا يرونه ويعتبرونه غير موجود. لا يؤمنون بقدراته ويثبطون عزيمته دومًا، ويشعرونه بالنبذ على الصعيد الشخصي.

كل شيء يجب أن يزول، هكذا يعبّر عما يدور في رأسه من أفكار. تداعى العالم بأكمله في نظر آرثر، وليس لديه إلا أفكار سلبية. يسأل آرثر "هل المشكلة بي؟ أم أن الوضع يزداد جنونًا في الخارج؟"، ويكتب "يا ليت موتي يكون مربحًا أكثر من حياتي". ثم يضيف: "حتى فترة قريبة لاحظت أن أحدًا لم يشعر بوجودي، حتى أنا لم أعلم إن كنت موجودًا، لكنني بالرغم من ذلك موجود".

بدأ يعي آرثر أن الطريقة الوحيدة للرفض تكمن عبر الاحتجاج العارم والعنف والقتل. بهذه الوسائل فقط ستتصدر أخبار الكادحين صفحات الجرائد وشاشات التلفزة. وبممارسته للعنف بدأ يشعر بأن الناس يلاحظون وجوده. فالأثرياء لم يتركوا مجالًا سوى للعنف بعد أن أفسدوا في المدينة حتى امتلأت بالنفايات والفئران فيما هم يعيشون في أحياء فخمة.

كان يشعر آرثر بأنه أفضل حالًا حين كان يعيش في المستشفى داخل غرفته الانفرادية! ويقول: "لا أريد أن أموت على قارعة الطريق، والناس يمرون من فوقي، أريد أن يراني الناس. أكره الحياة التي تنتهي بالموت على جانب الطريق دون أن يهتم أي أحد بي وبموتي".

في فيلم "Joker"، تتحول مهنة المهرج إلى شتيمة تطبع من يمارسها بالدونية والاحتقار

يريد أدوية اضافية لأنه يشعر بالألم، لعل وعسى أن يفقد حياته بجرعة زائدة، لكن العاملة الاجتماعية لم تفهم أن ألمه روحي وفكري. آرثر يتألم من وجوده، إنه يعتبر نفسه غير موجود لكنه موجود في نفس الوقت! إنه أشبه بشخصية روكانتان في رواية الغثيان لجان بول سارتر. يفرغ آرثر محتويات الثلاجة ثم يجلس داخلها. إنها أشبه ما تكون بثلاجة الموتى التي توضع الجثث داخلها.

الحقد الطبقي

والد آرثر البيولوجي توماس واين رجل غني ومرشح لمنصب عمدة غوثام، لكنه بالرغم من ذلك ينكره، وينكر علاقته بأمه. لم يطلب آرثر الكثير منه، طلب فقط عناق دافئ واعتراف بوجوده. يوجه آرثر الكلام لوالده المفترض: "لا أعرف لماذا يتصرف الجميع بوقاحة، لا أريد من شيئًا، لا أريدك أن تكذب عليَ، ربما فقط بعض الود وحضنًا دافئًا يا أبي!". وكل ما يحصل عليه استهزاء ولكمة على أنفه.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "The Dark Knight".. الجوكر ومنطق الفوضى

لكن آرثر في طلبه هذا الاعتراف إنما يعبر عن طبقة كادحة تطالب بالاعتراف بها من قبل الطبقة النخبوية التي يمثلها توماس واين. آرثر يشكل حالة عامة وعابرة تعيش في العشوائيات على الهامش وغير مرئية، إنهم أولئك المذلون المهانون وهو واحد منهم.

نكران توماس واين لآرثر جوهري ومضاعف، وأصاب آرثر في الصميم؛ إنه نكران شخصي، ونكران طبقي. يقول واين في تعليقه على جريمة قتل 3 موظفين لديه "إنهم رجال صالحون ومحترمون ومتعلمون، والرجل الجبان الذي قام بالجريمة يضع القناع، وهذا منطقي لأنه جبان، إنه شخص يحسد الأوفر حظًا منه".

ويكمل واين في نعيه لموظفيه بالقول: "الناجحون في حياتهم مثلنا، سينظرون إلى الفاشلين في حياتهم على أنهم ليسوا سوى مهرجين". وهكذا، تتحول مهنة المهرج إلى شتيمة تطبع من يمارسها بالدونية والاحتقار. ويأتي الرد في ظهور حركة جديدة تسمى "اقتلوا الأغنياء" ويضع المحتجون في الشوارع أقنعة المهرجين، ويرفعون شعار "نريد عمدة من المهرجين"!

هناك حقد داخل آرثر يتزايد يومًا بعد يوم، وحقد طبقي يتزايد عند الطبقة المهمشة حيث ترتفع نسبة البطالة والجريمة، حقد تجاه نكران الطبقة النخبوية الحاكمة الفاحشة الثراء. فالصراع الطبقي انتقل من الحيز الشخصي لآرثر وعلاقته بوالده توماس واين، ليشعل مدينة غوثام بأكملها ويتحول إلى صراع طبقي جماعي واسع.

قطعت الحكومة المحلية كل تغطياتها الاجتماعية، فمن سيقدم الرعاية الاجتماعية للفقراء بعد ذلك؟ إنه عالم يخرج بأكمله عن سيطرة الإنسان الكادح والفقير والطيب، وحين يعي آرثر هذه المفارقة، يقرر أن يسترد العالم ممن سلبه إياه، فلا يجد إلا العنف طريقًا لذلك. الناس كئيبون، لا تبدو عليهم علامات الحياة، إنهم أشبه بالموتى، فالنظام حولهم إلى موتى. في الباص لا أحد يضحك من الركاب، بالرغم من أن آرثر تصيبه حالة هستيرية من الضحك لكن بقية الركاب لا يتفاعلون أبدًا. لا أحد يكترث وتظل تعابيرهم جامدة جدًا.

يسأل الجوكر: ماذا تكسب عندما تجمع بين متوحد مريض عقليًا وبين مجتمع يهجره ويعامله كحثالة؟

المهرجون يحتجون في الخارج بينما تشاهد النخبة فيلمًا كوميديًا داخل صالة فخمة. هؤلاء يشكلون أعمدة النظام، يلبسون ثيابًا تبدو كأنها موحدة. بدلات سوداء، قمصان بيضاء، ياقات وربطات عنق سوداء. إنها مفارقة حادة، بين الفوضوية والتشويش في الخارج المنتفض، وبين النخبة الجالسة بانتظام داخل الصالة بهدوء. ومفارقة فجة بين ثياب واين الأنيقة وثياب آرثر الرثة.

اقرأ/ي أيضًا: ما الذي يخفيه وجه الجوكر في ثورات العالم؟

يقول آرثر: "أمر بجانبكم كل يوم ولا تلاحظونني، أما هؤلاء تهتمون لأمرهم لأن توماس واين بكى عليهم على الشاشة. لم يعد هناك أحد متحضر، كل واحد يصيح ويصرخ في الآخر، ولا أحد يضع نفسه مكان الآخر!"، ويسأل: "أتظن أن أمثال توماس واين قد يضعون أنفسهم مكان أمثالي؟ لا لن يفعلوا. يخالون أننا سنجلس مكتوفي الأيدي ونتلقى المذلة مثل أطفال صغار ومطيعين. يخالون أننا لن نتوحش ونتصرف بجموح. ماذا تكسب عندما تجمع بين متوحد مريض عقليًا وبين مجتمع يهجره ويعامله كحثالة؟".

حتى آلة الحضور اليومي للموظفين، يحطمها آرثر لأنها ترمز إلى النظام، إلى السيستم الروتيني اليومي المتبع. النظام لديه أدواته ومعاييره للعقاب عبر حسومات مالية للموظف في حال تأخره، إنه أشبه بنظام العبودية حيث يأكل هذا النظام قوة عمل الأجير الفقير. النظام يعاقب الأفراد، لكن آرثر لم يتلق يومًا مكافأة! كان سيكتفي لو قدم له البعض القليل من الشكر والإمتنان والتحفيز!

وكذلك الميديا، أداة الرأسمالية وسلاح الطبقة النخبوية، وهي التي تحدد للجمهور ذائقته، وتحدد المضحك من عدمه. الميديا تحدد مع من يجب أن نتعاطف، ومن هو الطريف والكوميدي. الميديا تعمد لاستلاب عقول الأغلبية لصالح الأقلية، حيث تصور النخبة من المجتمع على أنهم ملائكة ورجال صالحون.

الوحدة والخذلان

مديره يحسم له من راتبه، ومرة أخرى يطرده من عمله الذي يحبه. أصدقاؤه منزعجون من وجوده ويعتبرونه غريب الأطوار. ليس لديه أب ويشعر بحرمان عاطفي أبوي ويتوق لعناق أب، أي أب، شوق لقليل من الدفء والحرارة. ويتخيل آرثر سيناريوهات مليئة بالحب والعاطفة، سيناريوهات يتبين أنها من نسج خياله فقط. كان يتمنى لو أنه قبَل جارته الجميلة، ولو أنها فعلًا بادلته القبلات على جبينه.

ويتفاقم الشعور بالنبذ لدى آرثر ليصل إلى النبذ الإجتماعي، ويتضخم وصولًا إلى النبذ السياسي. يترافق هذا النبذ مع حرمان من العاطفة الأبوية والفشل في إقامة علاقة غرامية ثم يكتشف أنه طفل لقيط! آرثر يعيش في عالم بارد لكأنه يقول: "أنا مكروه إذًا أنا غير موجود" ويتمنى لو كانت الجملة "أنا محبوب إذًا أنا موجود".

في التراجيديا الإغريقية يمنع قتل الأب أو الأم، كما في شخصية أوديب الذي تلعنه الآلهة لأنه قتل أباه وتزوج أمه. لكن آرثر يتخطى عقدة أوديب بقتله أمه مباشرة. أمه تدعى Penny ويعني اسمها "قرش" وهي عملة نقدية بلا قيمة. إنها رخيصة جدًا. وحتى أمه تحبطه، ربما دون قصد منها، حين تقول له: "ألا يجدر بك أن تكون طريفًا لتصبح كوميديًا؟". عاش آرثر طوال حياته في الصورة التي رسمتها له أمه. صورة الطفل المبتسم هابي، وحين قتلها كان يقتل تاريخه الطفولي، ويتقدم باتجاه تقمص شخصيته الجديدة "الجوكر".

الميديا، أداة الرأسمالية وسلاح الطبقة النخبوية، التي تحدد للجمهور ذائقته وتوجهاته

اقرأ/ي أيضًا: الجوكر يعود من جديد!

كان وحيدًا في كل شيء. لا قريب ولا صديق ولا حبيب أو والد معين. آرثر ممتلئ بالغضب والسخط وخيبات الأمل، ولا بد من تفريغ كل هذا الغضب في مكان ما. خاب أمله من الأصدقاء، من صديقه راندل الذي أعطاه مسدسًا ثم وشى به، والبقية الذين يسخرون منه. وكان عليه تحمل مسؤولية أمه المريضة، وحين يأس من الخير والطيبة خنقها، فكانت تلك لحظة القطيعة مع المجتمع والقانون والقيم. إنه حر الآن وسوف يشق طريقه بنفسه. طريق إلى عالم جديد يضع هو قوانينه ويتحكم به.

اكتشف نفسه أخيرًا، ووجد طريقه، طريق الشر بعد أن سُدت في وجهه كل منافذ الخير. عرف حقيقته الصميمية، إنه الضاحك الباكي، والسعيد الحزين. لقبه "هابي" لكنه يقول: "لم أشعر بالسعادة ولا دقيقة في حياتي، هذا مضحك!". كان هابي يظن أن حياته مأساوية، لكنه أدرك أن حياته كوميدية هزلية!

مفارقة الخير والشر

تتنازع داخله رغبات الخير والشر وفي نهاية المطاف ينتصر الشر. ووفقًا لنواميس المجتمع فالشر هو حالة سلبية سيئة ومدانة، ولكن أليست الثورة في جوهرها فعلًا شريرًا؟ أليس خرق القوانين والعنف الثوري شرًا؟ والإشكالية الملحة باتت: هل العنف الثوري جريمة أم حق يمكن للكادحين نيله بالقوة؟

آرثر ليس مجرمًا، الصحيح أنه تحول إلى مجرم، وهناك أسباب دفعته إلى ذلك. وهذا الغضب المعتمل داخله ولم يتم توجيهه إلى الطريق المناسب قد انحرف واختار طريق الشر. وحين وعى وشاهد أن الكثيرون غيره يرزحون تحت الظلم ويمتلأون بالغضب، قرر حينها تحويل هذا الغضب إلى العنف والشر والثورة.

كان يمكن لآرثر أن ينتحر لأنه غير موجود أصلًا، ويضع حدًا لحياته الهازلة، لكنه لم يفعل ذلك، لأنه يعي من يضطهده، ويعرف تمامًا من المسؤول عن خراب المدينة وعن تعاسته وتعاسة الطبقة التي ينتمي إليها. ويعي سبب أزمته الوجودية، فهناك من هم مسؤولون عما آلت إليه حاله وأحوال الآلاف غيره.

أحد الأسئلة الإشكالية الكبرى في فيلم "Joker": هل العنف الثوري جريمة أم حق يمكن للكادحين نيله بالقوة؟

لم يعد لدى آرثر شيء ليخسره. يقول "لا يمكن لأحد أن يؤذيني أبدًا". وهذه صفة ثورية، لأن الثائر يصبح مخدرًا ولامباليًا، ويصبح السجن والموت والعقاب غير ذي أهمية في نظره. وحين يخسر الإنسان  كل شيء يتحرر. الثوري يتجرد من "الأنا الأعلى" الضابطة للسلوك في المجتمع، والأنا الأعلى بكونها رمزًا للإله، ويفقد تعلقه بالمميزات التي يقدمها له المجتمع، وتستعر داخله الرغبات والأهواء الجامحة دون أي كابح!

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "Joker".. كيف يأخذنا التنمر إلى أن نصبح وحوشًا

محى آرثر شعار "لا تنس أن تبتسم" وجعله "لا تبتسم"، وهذا التحول الدراماتيكي في سياق شخصيته الجديدة المكتشفة يستمر ويبلغ ذروته حين يصبح القتل بالنسبة له أمرًا اعتياديًا. المفارقة الكبيرة حين يصبح شعار المهرج "لا تبتسم"! ينتشي ويرقص وكأن جسده ممتلئ بالموسيقى، ويتحول آرثر من شخصية دوستويفسكية معذبة إلى جوكر ممتلئ بالقوة النيتشوية. ويرسم ابتسامته بالدم، ضحكته صارت مخضبة بالدماء.

اقرأ/ي أيضًا:

أجمل 5 أفلام أنيميشن عن "باتمان"

هل شوّهت الأفلام الروايات المقتبسة منها؟