فيلم

فيلم "The Post".. الإعلام بين القيادة والانقياد

من الفيلم

يمنح المخرج الأمريكيّ ستيفن سبيلبيرغ فيلمه "The Post" أبعادًا وإشاراتٍ تفيض عن كونه مجرّد فيلم يستعيد حادثة شهيرة في تاريخ الولايات المتّحدة الأمريكيّة. حادثة أحدثت زلزالًا واسعًا آنذاك، أي في فترة السبعينات، حين قامت صحيفتا نيويورك تايمز وواشنطن بوست بنشر وثائق سريّة أعدّتها وزارة الدفاع الأمريكيّة - البنتاغون حول الحرب الفيتناميّة واستحالة تحقيق الجيش الأمريكيّ لأي إنجازاتٍ عسكريّة هناك، على عكس ما كانت تروِّجه القيادة الأمريكيّة أمام شعبها.

يحمل  فيلمه"The Post" قدرًا كبيرًا من الإشارات التي تُحيلنا إلى واقع الولايات المتّحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب

يحمل فيلم The Post قدرًا كبيرًا من الإشارات التي تُحيلنا ربّما إلى واقع الولايات المتّحدة في عهد الرئيس الحالي دونالد ترامب، مقدّمًا أوّلًا نقدًا لاذعًا للمؤسّسات السياسيّة الأمريكيّة وسياساتها الخارجيّة وحروبها الكارثيّة، ومستعرضًا أيضًا مدى قوّة الصحافة وتأثيرها في المجتمع الأمريكيّ، تزامنًا مع انتقادات ترامب المستمرّة للصحافة في تغريداته.

اقرأ/ي أيضًا: سباستيان ليليو لـ"ألترا صوت": وضعت الشخصية المنبوذة في المركز

يبدأ فيلم The Post بمشهد اشتباك بين الجيش الأمريكيّ ومقاتلين فيتناميين في مقاطعة هاو ناغيا. الاشتباك الذي يحدث إزاء كمين نُصب للأمريكيين، وكبّدهم خسائر بشريّة فادحة؛ يعدُّ ورقةً رابحة استخدمها سبيلبرغ مفتاحًا لما سوف يتلو لاحقًا في فيلمه، إذ إنّ الخسائر البشريّة في ذلك الاشتباك هي التي تولّدُ بقيّة المشاهد بأكملها، دافعةً موظف البنتاغون دانيال إلسبيرغ (ماثيو ريس) الذي عايش ذلك الاشتباك وكان جزءًا منه إلى نقل حقيقة ما يحدث للمقاتلين الأمريكيين في فيتنام بعيدًا عمّا تروّجه القيادة الأمريكيّة، مُتّخذًا من سرقة دراسة وزير الدفاع الأمريكيّ آنذاك روبرت ماكنمارا (بروس غرينوود) وتسريبها سبيلًا لذلك، حيث تتعقب تلك الدراسة ثلاثة عقود من التورط الأمريكيّ في فيتنام، ناهيك عن أنّ ماكنمارا نفسه كان مدركًا لعدم قدرة بلاده على ربح المعركة.

على الجانب الآخر من فيلم The Post، ينتقل سبيلبيرغ بنا إلى مدينة واشنطن سنة 1971، وتحديدًا داخل أروقة صحيفة الواشنطن بوست، حيث تعمل كاثرين غراهام (ميريل ستريب) على تحويل شركتها التي ورثتها عن زوجها بعد وفاته، والذي ورثها بدوره عن والد كاثرين، من شركة عائليّة إلى شركة عامّة محاولةً توفير دخل مادّي دائم لصحيفتها من خلال الاستثمار، وذلك في ظلّ شعورها المستمر بأنّها غير قادرة على إدارة شركتها كما ينبغي، نظرًا لأنّها أوّل ناشرة في تاريخ الولايات المتحدّة آنذاك، حيث كانت تلك المهنة ذكوريةً بامتياز. وهنا يثير سبيلبرغ موضوعًا مهمًا، وهو دور المرأة في فضاء الصحافة وقدرتها على ممارسة تلك المهنة، حيث صنعت غراهام من نفسها آنذاك، بقصد أو بدون قصد، شخصيّة نسائيّة رائدة في عالم الصحافة الأمريكيّة.

تعود دراسة ماكنمارا إلى الواجهة من جديد، بعد نشر صحيفة نيويورك تايمز أجزاء منها، محدثةً صدمةً كبيرة في الرأي العام الأمريكيّ، لا سيما وأنّ الحرب الفيتناميّة كانت آنذاك لا تزال مستمرّة، الأمر الذي أثار غضب الشعب الأمريكيّ الذي أدرك أنّه يُرسل أبنائه إلى الهلاك، ودفع إدارة الرئيس جونسون إلى العمل على مقاضاة النيويورك تايمز ومنعها من النشر كمحاولة لإيقاف تلك التسريبات من النشر، كونها، وبحسب الإدارة الأمريكيّة، تمسّ بالأمن الوطنيّ، وتهزّ صورة الجيش الأمريكيّ عالميًا.

يجد بن برادلي (توم هانكس)، رئيس تحرير الواشنطن بوست، في مقاضاة التايمز فرصة لعودة صحيفته إلى الواجهة من جديد، باحثًا عن وسائل تمكّنه من الحصول على أجزاء من تلك الدراسة تمكّنه من أن يكون وصحيفته جزءً من ذلك الحدث، حيث يلجأ في البداية إلى السيدة كاثرين غراهام طالبًا منها الحصول على الدراسة من صديقها مكانمارا، إلّا أنّ كاثرين ترفض لأسباب عديدة، أوّلها صداقتها مع الوزير وعلاقاتها المميزة مع البيت الأبيض. ولكنّ بن باغديكيان، أحد موظفيّ الصحيفة، يحصل على أجزاء من تلك الدراسة من صديقه دانيال إلزبيرغ، المسؤول الأوّل عن تلك التسريبات بعد تعهّد بن بنشرها في الواشنطن بوست.

قامت إدارة الرئيس جونسون بمقاضاة النيويورك تايمز ومنعها من النشر كمحاولة لإيقاف تلك تسريباتها حول حرب فيتنام

يواجه برادلي في البداية رفضًا قاطعًا من السيدة كاثرين التي رفضت نشر تلك الوثائق في صحيفتها حفاظًا على الصحيفة من الحظر ومنعًا لمحاكمتها وزجّ موظفيها في السّجن. إلّا أنّ رغبتها الخفيّة في إثبات قدرتها على ممارسة كناشرة، دفعتها إلى الموافقة على نشر الوثائق، معتبرةً أنّ صحيفتها مخصّصة لمصلحة الأمّة لا الأنظمة.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "غياب الحب".. صبي مفقود في عالم مسموم

الملفت أيضًا في فيلم The Post لسبيلبيرغ، غير مشاهد الطباعة الدقيقة داخل مطبعة الصحيفة، هو الهزّة الخفيفة التي رافقت عملية الطباعة بعد موافقة كاثرين على النشر، والتي ظهرت واضحةً في مكاتب موظفيّ الصحيفة، في إشارة واضحةً إلى ما سوف يتلوها لاحقًا، أي الهزّة الكبيرة التي تضرب البيت الأبيض بعد أن تضاعفت عدد الصحف الناشرة لتلك الوثائق، ما جعله يقف في مواجهة الإعلام ككل، لا صحيفتي التايمز والواشنطن بوست فقط، الأمر الذي يؤدي إلى خسارته بعد أن أقرّت المحكمة بحريّة الإعلام ووجوب حمايتها، كونها أساسًا في ديمقراطيّة الولايات المتحدّة.

اقرأ/ي أيضًا:

الفيلم الروماني "لا تلمسني" يحصد الدب الذهبي في مهرجان برلين

"مهارات السكين".. وثائقي حول المطاعم الراقية وحياة ما بعد السجن