فيلم

فيلم "بغداد في خيالي".. هل تخلّصنا من الماضي أم لا يزال يُطاردنا؟

من الفيلم (IMDB)

كان لسمير جمال الدين الكثير ليؤسّس عليه عمارة فيلمه الروائي الأول "بغداد في خيالي"، ولكنّه آثر الاتّكاء على ما هو كفيل بنبش الموروث المحلّي، ومنح الشريط تلك اللمسة والنبرة الصادمة. بحفنة أسئلة متشعِّبة ومتفرّعة، شيّد المخرج العراقي عمارته السينمائية، بأسلوبٍ يجعل من مشاهد الفيلم، شديدة الحساسية، تبدو وكأنّها مُعدّة مسبقًا لتُقفل بسؤالٍ مُعيَّن، دون أن يعني ذلك أنّ المشهد الذي سوف يليه، سيكون وبالضرورة، إجابة على السؤال المطروح قبلًا.

هل بات ما اختبرهُ العراقيون من الأسى والمعاناة، على اختلاف أشكالها ودرجاتها، إرثًا يحملونه أينما حلّوا؟

الفيلم، ببنيته ومضمونه وأحداثه وطبيعة سلوك شخصياته، لا يبدو معنيًا بالإجابة على أي سؤالٍ يطرحهُ، بقدر ما يبدو مأخوذًا بفكرة رمي الأسئلة في وجه المشاهد، وعند قفلة كلّ مشهد، كيفما اتّفق. لعلّ هذا هو التفسير الوحيد لغزارة الأسئلة التي وزّعها جمال الدين على جهاتٍ مختلفة لأجل ألّا تفقد معناها إن تراكمت في مكانٍ واحد لا نعود فيه قادرين على التمييز بين سؤالٍ عن معنى العلاقة بين الإنسان ومكانه الأول، في أزمنةٍ مضت وأخرى قائمة. وآخر عن كيفية مواجهة انهيار مقوّمات العيش داخل حدود ذلك المكان وخارجه الذي يُخال للإنسان، بفعل شكل وطبيعة الظروف الرازح تحت وطأتها، وللوهلة الأولى؛ أنّه ملاذه الوحيد، قبل أن يواجه حقيقة معاكسة تمامًا لما بناه في مُخيّلته.

اقرأ/ي أيضًا: أوديسا عراقية.. نشيد الشتات الأخير

المكان نفسه، والذي أحالته وقائعه السوداء وما ألمّ به من معاناة إلى جغرافيا مُحطّمة على طول الحدود؛ لن يتأخّر في مطاردة الهاربين بأسئلةٍ تُختزل بسؤالٍ واحد: هل بات ما اختبرهُ العراقيون من الأسى والمعاناة، على اختلاف أشكالها ودرجاتها، إرثًا يحملونه أينما حلّوا؟ بمعنى أنّ الفكاك ممّا سبق لم يعد أمرًا ممكنًا؟ سيسعى المخرج العراقيّ إلى لملمة خيوط السؤال وحلّ عقده بحيث تنفتح في النهاية على إجابةٍ ما، وذلك من خلال جالية عراقية صغيرة تتّخذ من مقهىً صغيرًا في لندن سمّاه صاحبه "أبو نؤاس" وطنًا مُصغّرًا، أو وطنًا يؤسّسونه ويرتّبون تفاصيله حسب رغباتهم، بحيث لا يعودوا قادرين على الالتفات إلى الخلف. هكذا، سنقع على شخصيات عالقة في المسافة الفاصلة بين سرديات الماضي، بالندم والحسرة والألم الذي تحملهُ. وبين الحاضر، بحيرته المفرطة، وطرده لليقين، وإثارته المستمرّة للشك.

تتجسّد حيرة هذه الشخصيات المرتبطة بعلاقاتٍ غريبة، الهدف منها صنع فضاءٍ إنسانيٍّ مفتوح على سرد يكشف ذواتٍ متعبة، ومسالك متناقضة؛ في عدم قدرتها على الإجابة على سؤال: هل تخلّصنا من الماضي، أم أنّه لا يزال يُطاردنا؟ يُحيل السؤال مُباشرة إلى غياب اليقين وعدم القدرة على المجيء به. تمامًا كما يُحيل إلى الرغبة الكبيرة في التخلّص من النوستاليجا أولًا. والذاكرة العابقة بمشاهد صادمة وفظّة ثانيًا. وجود النوستاليجا نفسها سيضمحلّ لصالح ما هو عالق بالذاكرة، الأمر الذي سيخلق ارتباكًا دائمًا بين الفرد وذاته، ستكون نتيجته دفع هذه الشخصيات لفاتورة انهيار مقوّمات العيش وغياب الطمأنينة، وتحوّل المعاناة من حدثٍ راهن في مكان مُعيّن، إلى إرثٍ ونمط حياة.

ستنطلق فكرة المقهى، كمحاولة أخيرة للهرب من الماضي، ممّا سبق ذكرهُ. وفيه، ستتكثّف الحكايات، لتنفتح على أحلام مُعلّقة، وخيبات متراكمة ورغباتٍ مؤجّلة. وباعتباره وطنًا مُصغّرًا ومُشيّدًا على لإنجاز مهمّة مُحدّدة، وهي تخليص تلك الجالية الصغيرة من عبء الذاكرة، سيجمع تركيبة بشرية كفيلة بالإحالة إلى التركيبة البشرية العراقية. إذ إنّ صاحب المقهى زكي من أصول كردية. وتوفيق، أحد روّاده، شيوعي. أمّا أمل فمسيحية بالإضافة إلى شخصية أخرى مثلية تجد في العاصمة البريطانية ومناخات المقهى المكان المناسب للتعبير عن ميولها الجنسية.

تتلاقى شخصيات الفيلم بما تحملهُ من ندوب وذكريات. بالإضافة إلى حالة الخوف التي تكاد أن تكون هي نفسها بين العراق وبريطانيا. ولعلّ الفارق بين المكانين يكمن في منبع أو مصدر الخوف فقط؛ هناك السلطة، وهنا الذاكرة القادرة على تحويل المكان والمناخ من حول صاحبها إلى آخر مشابه تمامًا لما خبره في العراق. هكذا، ستفشل مُحاولات توفيق بكبح جماح ذاكرته، قبل أن يستسلم أخيرًا، وتحت تأثير فكرة أنّه لو نجح في ذلك، فإنّه لن يستطيع إخفاء الندوب وآثار التعذيب على جسده، تلك الكفيلة باستفزاز ذاكرته، واستعادة سنوات السجن الذي قضى فيه شقيقه نحبه برفقة خطيبته، بينما خرج هو منه بصفقةٍ ستدفعه للشّعور بالخزي والعار طيلة حياته.

في فيلم "بغداد في خيالي"، يبني منفيون عراقيون وطنًا صغيرًا في مقهى، لكنه سرعان ما يصبح ساحة صراع

وجود هذه الشخصيات في لندن سيضعها أمام خيار العيش البريطاني، أو الارتهان إلى الأصل العراقيّ. ولأنّ الألم تحوّل إلى إرث، وكذا الأصل وبرفقته الهوية، سنرى أمل تُغيّر اسمها وديانتها دون أن تستطيع بذلك تجاوز الإرث الذي تحمله. هكذا، لن يكون التغيير السابق كافيًا. ولن تكون مُحاولات الاندماج في بالحياة الأوروبية خلاصًا من الماضي، وابتعادًا عن الأصل. ذلك أنّ أمل، ورفاقها، يحملون ذلك الاضطّراب الذي يجعل مسعاهم نحو حياة مختلفة، بغير طائل.

اقرأ/ي أيضًا: أفلام عدي رشيد.. ترميم العراق بما تيسر

سيبلغ سخاء الذاكرة ذروته داخل المقهى وخارجه حينما تظهر شخصية جديدة تُعقّد المشهد؛ إنّه زوج أمل السابق، الذي يعمل مُخبرًا لمخابرات البعث سرًّا، ومسؤولًا ثقافيًا في سفارة العراق في بريطانيا ظاهرًا. عند هذا الحد، تبدأ الأحداث بالتصاعد والتشابك، فتتداخل الذاكرة بالراهن والماضي بالحاضر، إلى درجة أنّ المقهى وجاليته الصغيرة تصير أضعف من احتمال التعقيد والإشكالات التي طرأت على حيواتهم بمجيء ذلك الرجل. ولعلّ مشهد احتراق المقهى يختزل حرارة وسخونة ما دار فيه قبل ذلك، بين روّاده، والدخلاء عليهم.

اقرأ/ي أيضًا:

هزاع في الدقي.. أول فيلم كوميدي يمني مصري

المنفى السوري من ثلاث جهات