المنفى السوري من ثلاث جهات

المنفى السوري من ثلاث جهات

من فيلم غرسة

المنفى هو الموضوع الذي يجمع ثلاثة أفلام وثائقية قصيرة، أُنتجت من قبل الاتحاد الأوروبي والحكومة الألمانية، لثلاثة مخرجين وصحفيين سوريين، بغرض الكشف عن شكل الحياة التي يعيشها السوريون، بعد مرور ثماني سنوات على بدء الحراك الشعبي في البلاد، وذلك من خلال مشروع They Are Syria وإعطائهم فرصة التعبير عما يفكرون به ويعيشونه من مخاوف وأحلام.

في فيلم "منفي في بيتي" صورة عن الكاتب المنفي في وطنه والمثقف المعزول الذي يحاول النجاة

كيف يواصل هؤلاء حياتهم وكيف ينظرون لها؟ مجموعة أشخاص بوجوهٍ متعددة واختلافات جذرية، يفرضها المكان والظروف التي مروا بها، تنقلنا الأفلام في دقائق إلى العالم الخاص لكل منهم.

اقرأ/ي أيضا: الفيلم السوري "إلى سما".. التوثيق العام عبر الوجدان الشخصي

تحاول الأفلام تقديم صورة عن الإنسان السوري اليوم، والذي بات إنسانًا منفيًا بكل ما لهذه الكلمة من معنى، حتى في شقته وعلى سريره هو منفيّ، كما هو حال الكاتب الروائي خالد خليفة، بطل أحد الأفلام، والمعنون بـِ منفي في بيتي للمخرجة السوريّة لينا سنجاب. خليفة الذي لا يريد أن يترك بلده، بيته، مكانه، لم تحقق له تلك المعادلة أمانًا نفسيًا بل صار عليه مواجهة معضلات من نوع آخر، فنجده يتعامل مع الظلمة والوحدة والانتظار، تلك ليست موضوعات أدبية يعمل عليها خالد خليفة في أعماله، ولكنها أزمات حياتية يواجهها يوميًا في بيته ومدينته ومحيطه الذي يتحرك فيه.

الظلمة التي يصف بها خليفة معالم مدينته خلال جولة قصيرة في سيارته، هي عنوان لفترة تمتد على سنوات مضت ولم ينته منها بعد، حدث فيها كل ما هو غير متوقع، سنوات المفاجآت هذه حملت عزلة ثقيلة الظل يجدها الكاتب أينما حل، أصدقاء وأحبة سافروا، قصف مستمر، وظلمة محسوسة لا يمكن تجاهلها. يجد الكاتب نفسه في مواجهة أزماته وحيدًا، ويستدعي من أجلها في أغلب الأحيان أعمالًا ثقيلة من شأنها تبديد ثقل تلك الظلمة.

في فيلم "منفي في بيتي" صورة عن الكاتب المنفي في وطنه والمثقف المعزول الذي يحاول النجاة، ولكنه لا يجد مخرجًا فيضطر للبحث عن نجوى نفسية بالكتابة والعمل.

تلك النجاة هي هوس علا الجندي أيضًا، بطلة فيلم "غرسة" للمخرج ليل عبد العال. للتعرف على حكاية الجندي كان عليها أن تروي لنا محطات مؤثرة من سيرتها، نبدأ معها من الخاص، من حكاية اعتقالها خلال بداية الثورة بسبب مشاركتها في مظاهرات مدينتها، حيث تجد نفسها محاصرة بالخوف والقلق إثر العنف الذي تعرضت له خلال الاعتقال، وهو الأمر الذي دفعها للرحيل إلى لبنان، وهناك بدأت قصتها.

لا تكفي الصورة فقط لقول ما نريد قوله من حكاية علا الجندي وتجربة عملها في لبنان، على خلاف ما هو عليه الحال في حكاية خالد خليفة التي تعتمد على الصورة، صورة المدينة المظلمة، صورة الكاتب يجلس وحيدًا في مقهى، يطبخ في بيته، يدخن وينظر إلى المدينة من شباكه.

أمّا في فيلم "غرسة" فنحن أمام محاولة نجاة جماعية، تريد الجندي إيجاد حلول من خلال لعب دور مؤثر في كل ما يشعر به السوريين المهجرين في لبنان.

"غرسة" هو المركز التعليمي والإغاثي الذي افتتحته وتعمل به مع مجموعة من النساء الراغبات بالتعلم. توضع غرسة الأمل تلك على المحك عندما تصلها فيزا إلى السويد، ما يجعلها تتمزق بين فكرة الرحيل أو البقاء، فقد تبدو الحياة براقة في السويد، حيث الأمان والبدايات الجديدة، إلاّ أن ما يقلق علا الجندي كامرأة سوريّة هو ما ستضطر لتركه في لبنان بعد الأمل الذي شعرت به من خلال العمل.

الأمل أيضًا هو المحرك الأساس لحياة مروى وصالح وابنتهما تسنيم، أبطال فيلم "سنعود يا حبيبتي" للمخرج حسن قطان. التمسك بالأمل هو ما يدفع الشخصيات لتغيير شكل حياتها مرارًا وتكرارًا، بهدف البحث عن الأفضل. من منا قد نسيّ غرافيتي الرحيل الذي كتبه قلب مُحبٍ موجوع على هجر مدينته، "راجعين يا هوا" قبل الخروج من حلب عام 2016 بعد أن اضطر أهل المدينة لإخلائها، خرج صالح ومعه زوجته مروى إلى مدينة إدلب تاركين خلفهم مدينة ميتة، ولكن قبل الخروج تعاهدوا على العودة.

نتابع محطات من تلك السيرة، في تبدلاتها وسياقاتها المربكة، كحال حكايات السوريين وسيرهم، تحكمها الصدفة والجغرافيا، بين مناطق آمنة وأخرى غير آمنة تنتقل العائلة في رحلة حياة أقل ما يقال عنها أنها غير متوقعة وخطرة. يقيمون في إدلب فترة من الزمن، تلك كانت محطتهم التي لم يختاروها، ومن ثم يحاولون إيجاد حياة أخرى وخلق فرصة في مكان آخر، ينجبون طفلة، ومن ثم تعود الحياة لتضييق أكثر، إثر قصف مدينة إدلب من جديد ومحاصرتها، يعود العنف والاضطهاد ليقرر عنهم إلى أين سيرحلون مرة أخرى. إلى تركيا الآن مع الكثير من الآمال والمخاوف.

صار المنفى علامة من علامات تجارب السوريين وشكل مميز لحياتهم

صار المنفى علامة من علامات تجارب السوريين، وشكل مميز لحياتهم التي لم يعودوا يختارون فيها حتى أين يمكن لهم أن يعيشوا، الحق في اختيار مكان العيش، وحق الإنسان في العيش في مسقط رأسه، وقبل هذا وكله، الحق في حياة آمنة كلها تفاصيل مختبئة خلف حكايات الأفلام الثلاث، والتي حاولت الإضاءة على ثلاث نماذج مختلفة من التجارب السوريّة. مختلفة ومتباينة مكانيًا ونفسيًا، يمكن عبرها الإطلالة على الأثار التي تركتها الصراعات والعنف على حياة الناس. قام بالعمل على تلك الأفلام ثلاث مخرجين قادمين من العمل الصحفي، سبق لهم وأن عملوا في التوثيق والتصوير والكتابة خلال الثورة. اقرأ/ي أيضا:

اقرأ/ي أيضا: "داخل سورية الأسد".. صور عادية من الجحيم

ما يجمع هذه الأفلام هو اللقطات المقربة التي كثر استخدامها والتي تُظهر عزلة الكاتب في فيلم "منفي في بيتي"، والحالة النفسية الحرجة التي تعاني منها علا الجندي في فيلم "غرسة"، والتمسك بالأمل رغم الخذلان في فيلم "سنعود يا حبيبتي"، والتي كان من شأنها إظهار منفى نفسي تعيشه الشخصيات في صراعها مع كل ما يجري حولها.

اقرأ/ي أيضا:

"دم النخل".. طائفية سينما النظام السوري بتصفيق بشار الأسد

بيان ضد استخدام أنقاض المدن كإستديوهات للتصوير