أوديسا عراقية.. نشيد الشتات الأخير

أوديسا عراقية.. نشيد الشتات الأخير

من الفيلم

ليس غريبًا على الإنسان رغبته في معرفة من أين جاء، ومعايشته لهذا الشعور هي نوع من حتمية فهم مكانه من العالم. يمكن الذهاب بعيدًا بهذه الفكرة إلى حد القول بأنه في حالة تجربة المهاجرين يمكن لتلك الرغبة أن تكون أكثر وضوحًا، حيث تتفرّع من نقطة الأصل والمنشأ تقسيمات كثيرة إلى أن تصير جزيئات متناهية الصغر بمرور الزمن. 

"أوديسا عراقية" فيلم قادر على تقديم حكاية شخصية على خلفية تاريخية وسياسية 

من عاشوا تلك التجربة يمكنهم مطالعة تاريخ عوائلهم بنظرة سريعة واكتشاف شساعة الانتماء وجغرافيا القرابة، ويمكنهم الشروع بعد ذلك في محاولة تشريح وفحص وإعادة بناء ذلك "البازل" العائلي إلى شكل محتمل متماسك. ربما يجد البعض ذهنه يدفعه بإلحاح دائم إلى أشكال ممكنة للقيام بذلك، وفكرة فيلم "أوديسا عراقية" للمخرج سمير نقّاس ليست بعيدة عن ذلك. هناك ما يشبه الخبرة الجماعية العالمية فيما يتعلّق بالهجرة ومصائرها خصوصًا بين الأشخاص الذين يمتلكون تاريخًا مشتركًا مع بلد لم تختره عائلته مكانًا للعيش.

"أوديسا عراقية" هو فيلم سمير نقّاش الذي عرض مؤخرًا في مهرجان القاهرة السينمائي (بين 11- 20 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري) وهو يتابع الطريق التى بدأها المخرج قبل سنوات في فيلمه السابق الجميل "انسَ بغداد". على المستوى الخارجي، "أوديسا عراقية" فيلم عن الشتات العراقي. ولكن من جديد يمكننا التذكير بأن أربعة أو خمسة ملايين عراقي يعيشون خارج بلدهم، فلماذا سمير بالتحديد؟ وهذا سؤال يجمل إجابته بداخله. فيلمه شخصي بشكل صريح ولكن عالمي وجماعي في الوقت ذاته، إنه قطعة فنية متعددة المستويات حيث يمكن لكثير من جوانب التجربة المصوّرة أن تتقاطع مع بشر آخرين في شتات آخر: أين يعيش فرد معين من العائلة؟ ما الذي أتي به أتى إلى هذا المكان؟ والسؤال الأبدي عن مدى إختلاف الحياة إذا لم تحدث الهجرة من الأساس. 

من ناحية أخرى، هناك آخرون أكثر تحديدًا في تجربة الشتات العراقي مثل شخصية صدّام حسين، والعراق في وقتنا الحاضر، وخبرات وتجارب العراقيين بالخارج كما توضحها الشخصيات داخل الفيلم. ثم هناك المستوى الأخير: سمير. وبتوضيح أكثر، فإنه تحت كل مشهد من مشاهد الفيلم الوثائقي يكمن سمير: حكاياته، علاقاته، عائلته، تاريخه، وهو ما يمنح المشاهدين الفرصة لتواصل أكثر حميمية معه. هذا إذن عمل قادر على تقديم حكاية شخصية على خلفية تاريخية وسياسية في أثناء فحصه العلاقة المتأنّية والمعقّدة بين كلا الجانبين.

يخون المخرج السرد الوثائقي في معظم فترات الفيلم في سبيل المحافظة على البساطة بإعطائه زمنًا أطول لرواية قصص المهاجرين من عائلته، ولكن الخلفية الشخصية مُهمّة في فهم اتساع وعمق ما يقدّمه سمير نور الدين. سمير (بغداد 1955) من أب عراقي وأم سويسرية، عاش في سويسرا معظم حياته ولكن بقية عائلته –مثل أغلب العائلات المهاجرة وعبر أجيال في الشتات- تبعثروا في أماكن بعيدة مثل أستراليا ونيوزيلاندا وبريطانيا وأمريكا وروسيا.

يكفي القول إن معظم أفراد عائلة سمير لا يعيشون في العراق بعد الآن، ومثله، فحكاياتهم تبدو أقل ارتباطًا بالبلد نفسه منها إلى التقاطعات والمشتركات بينه وبين مكان هجرتهم. سيارات مفخخة. العراق الذي يتذكره سمير في طفولته لا يمت بصلة إلى العراق اليوم، ومشاهد الموسيقى والرقص والشباب الجامح والمشهد الثقافي المتنوع في بغداد منتصف القرن الماضي تجعلنا نفكّر في مدينة معاصرة يمكن الاحتذاء بها. ولكن ماذا عن اللحظة الراهنة ومصير عائلة سمير، تلك العائلة التي كانت عائلة بغدادية متوسطة فصارت عائلة معولمة يحاول أحد أبنائها لملمة ذكرياتها المبعثرة في أنحاء العالم الأربعة.

نصف قرن من النزوح والدمار، يُظهرها المخرج سمير نقاس بطريقة يصعب تصوّرها على من هم خارج بلادنا المنكوبة بحكّامها

في مفتتح الفيلم، يوضّح المخرج من البداية استحالة تغطيته كل حكاية من حكايات عائلته الكبيرة والمبعثرة. نرى الكاميرا تطالع شجرة عائلة كبيرة الحجم بشكل لافت، وببطء يتمّ تسليط الضوء على عدد قليل من الصور في شجرة العائلة ويصبح واضحًا أن هؤلاء بالتحديد هم محطّ إهتمام ما سيأتي من مشاهد الفيلم الوثائقي. هناك عنصر تراجيدي يؤطّر تاريخ سمير، وهو شيء لا تتشارك فيه جميع تجارب المهاجرين: إنه شخصي إلى حد كبير وبالنظر إلى اشتغاله على مستو وطني فبالتأكيد يحمل قدرًا من المشابهات مع تجارب أخرى. ولكن هذا التاريخ الشخصي يرزح تحت ثقل أليم صارخ وفريد من نوعه ينجح سمير في التعبير عنه في مسافة تتراوح بين الإخلاص الكامل والعاطفية المحضة.

وثائقي سمير شخصي وتاريخي في آن واحد، ويتم الاشتغال على ذلك خلال الأجزاء الثلاثة التي تتألّف منها "الأوديسا". أولًا سمير ينظر إلى جدّه، الرجل الذي قاتل البريطانيين وظلّ واحدًا من أبطال المخرج. بعد ذلك يصبح الفيلم أكثر شخصية مع دراسة المخرج لموجات الهجرة العراقية التي تصادف وجوده بداخلها في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين. هناك جانب سياسي لذلك كلّه يؤطّر النصف الأخير من الفيلم، فهجرة سمير (القسم الثاني) تبدأ من وقت أتى صدّام حسين إلى الحكم بانقلاب عسكري واستمراره على كرسي السلطة طيلة ثلاث عقود، بينما القسم الثالث والأخير يبدأ من لحظة سقوط صدّام حسين.

في تلك الفترة الممتدة لحوالي نصف قرن، يُظهر سمير تاريخًا كاملًا من النزوح والدمار بطرق -من دون وجود مثل هذا الفيلم- لا يمكن تصوّرها تقريبًا بالنسبة لمن هم خارج بلادنا العربية المنكوبة بحكّامها. من الصعب وصف ذلك ولكن "أوديسا عراقية" يقوم بعمل مذهل في هذا الصدد.

اقرأ/ي أيضًا:

العراق.. سينما بطعم اليُتم

إعزيزة.. تمائم أرض السواد