فيلم

فيلم "إلى سما".. هزمناكم في الحكايات

من الفيلم (IMDB)

لا يشعر مشاهد فيلم "إلى سما" أنّه فيلم مصنوع بكاميرا واحدة، ولا أنّه مرويّ بصوتٍ مفرد، فثمّة طاقة وجدانية تأخذنا رغمًا لنحلف أغلط الأيمان أنّ حلب بأكملها تحدّثت في هذا الشريط المصنوع من بكاء، والمصنوع ليُبكي، وإلّا لماذا نُصاب بعده بالزلزال؟ ولماذا نتفقّد أجسادَنَا والمكانَ لنعرف من الذي يرتجف: قلوبنا أم الأرض؟

يحدث ذلك لأنّ المدينة التي رأتْ بكلِّ عيونها روتْ كلُّ أفواهها، فما نراه أكبر من قدرة عينيين، وأوسع من أن يُحيط بقصته فم واحد.

لا يشعر مشاهد فيلم "إلى سما" أنّه فيلم مصنوع بكاميرا واحدة، ولا أنّه مرويّ بصوتٍ مفرد

هذا ما أخذتنا إليه وعد الخطيب في فيلمها الذي صنعته خلال سنوات الغليان التي عاشتها في حلب، منذ انطلقت فيها المظاهرات الثورية وحتّى سقوطها، متذرّعةً بأنّها ترسل رسالة إلى ابنتها سما، لكي تقول لها: هذه هي المساحةُ التي حبلتُ بكِ فيها، وهذا هو المرجل الحامي الذي نشأتِ فيه خلال سنواتك الأولى، وهذا ما فعله أبواكِ اللّذان لم يكن في وسعهما أكثر، فاعرفي من أنتِ حين تجيء مواعيد تعريف الذات في مستقبلكِ!

في وعد، صانعةُ الفيلم وراويتهُ: الثورةُ والحبُّ والأمومة.

اقرأ/ي أيضًا: أفضل وثائقي في "بافتا" لفيلم "إلى سما".. الجائزة رقم 53

ثلاثة أشياء تجتمع معًا، وتمتزج مزيجًا ينعكس علينا، حتى لكأنّ الخليط موجود لكي يُصيبنا ما أصابها. فمنذ رأيناها طالبةً حالمةً بمشاركة زملائها في جامعة حلب بالتغيير، ثمّ عاشقةً يورّطها الحبّ بمصير يزيد ارتباطها بحلم التغيير، ثمّ أُمًّا في ذروة اشتداد العدوانية على المدينة بما يجعلها تصلح صورةً مختصرة للأمّهات السوريات.. منذ ذلك كلّه ونحن نعرف أنّنا أمام امرأة تعبد الكاميرا. تحملها لتحكي إليها، وتحملها لتجعل الآخرين يتحدّثون إلى عدستها، وعبر قوّة الإيمان بهذا الفعل في حفظ الحكايات لا تكتفي الكاميرا بأن تُصبح آلة سحرية ملأى بأسرار المدينة الإنسانية، بل تصبح صندوقًا أسود.

بكلماتٍ أخرى، تصبح صندوق المدينة الأسود في يد امرأة.

صوّرتْ وعد حياتها وارتباطها وزواجها وصداقاتها ونشاطها الإعلامي الثوري، صوّرتْ الحياة في منطقة اللاحياة. صوّرت ما لا يصوّر وما لا يخطر على بال أحدٍ أنّه سيكون جزءًا من سيرة المكان، مثل الباص المحروق الذي لونّه الأطفال وحديقة المنزل الصغيرة التي تكاد تتحدّث قبل أن تُحيلها قذيفة إلى رماد. صوّرت حلب المنسية، حلب التي فعلت ما استطاعت إليه سبيلًا، حلب التي انهارت وماتت. سجّلت لنا أقوالها الأخيرة لكي لا يخلط مؤرخو الأهواء والنوايا السيئة في الغد القتيل بالقاتل. روت قصّة البطش في الوقت الذي نافسها على القصّ رواةٌ آخرون: الطائرات الحربية والأسلحة الثقيلة والحصار، وهؤلاء لا يزالون يفعلون المستحيل لئلا تكون هناك قصص قابلة لأن تُروى أصلًا.

لطالما تساءلتُ بعد المشاهدة: لماذا أصرّت على تصوير كلّ شيء؟ فأخجلني من السؤال سؤالٌ آخر: ما مقدار الخسارة لو لم تُصوّر؟

في مواجهة الموت تصبح الحياة بلا معنى. حالما يرتفع صوت الموت في مكانٍ تخفت أصوات الحياة وتتلاشى معاني القدرة على العيش. على هذا، التصوير سبيل وعد الوحيد إلى امتلاك المعنى والسيطرة على واقعها، أي امتلاكها سببًا وجيهًا للبقاء. الفن لا يعيد المعنى المفقود وحسب، إنّما يأخذنا إلى إدراك معنى آخر للوجود في مثل هذا المكان في هذا الوقت، ولهذا ستصل الأشياء البسيطة إلى مستوى المعجزة، وفي هذا الفيلم تتسنّى لنا مواجهة معجزات كثيرة، أشدّها إذهالًا مشهد الولادة القيصرية في المستشفى الذي بناه الطبيب حمزة، زوج وعد وحبيبها. يولد الطفل ميتًا لأنّ أمّه مصابة، لكنّ طبيب التوليد يضربه، يضغط عليه، يقلبه عقبًا على رأس إلى أن يُطلق جسده الميّت صراخات الولادة. مشهد عظيم لن يكتب أحد عن الفيلم دون أن يشير إليه.

مشهد لن يحدث إلّا في مكان قرّر التحدّي ومواصلة التنفّس رغم الجو المسموم.

مشهد لن يحدث إلّا في أمكنة عليها أن تولد كلَّ دقيقة، وكلَّ مرّة بطريقة، لا لكي تستمر الحياة كما يمكن أن يخطر على بال الرومانسيين، إنّما لأجل الإيمان بقدوم العدالة.

لكنّ معجزة الأشياء البسيطة والصغيرة لا تقلّ حرارة عن هذا المشهد، فالقلوب تتمزّق في عرس وعد وحمزة. من قال إنّ الأعراس لا يمكنها أن تكون سببًا للنحيب؟ حلب قالت ذلك! وأيضًا مشهد تلوين الأطفال للباص المدمّر المحروق جنائزيّ بكلّ معنى الكلمة، ومثلها مشهد حصول الجارة عفراء على حبة مانجا من زوجها الذي عثر على شجرة تحوي ثمارًا قليلة، وقتها قالت المرأة إنّها باتت قادرة على احتمال الحصار الآن.

حبّة المانجا هدية صغيرة، لكنها في الحصار معجزة عظيمة، والمعجزات تُبكي! ألا يُذكرنا ذلك بقهوة محمود درويش في اجتياح بيروت كما دوّنها في "ذاكرة للنسيان

لا يُناقش الفن في هذا الفيلم. الفن نقاش حسمته الكاميرا الشجاعة. ما يُناقش هو الأثر الذي تحفره فينا المشاهد، واحدًا تلو آخر، إلى درجة شعورنا أنّ لها أصابع قادرة على تغيير ملامحنا الخارجية، والداخلية أيضًا.

حالما يرتفع صوت الموت في مكانٍ تخفت أصوات الحياة وتتلاشى معاني القدرة على العيش

بالتأكيد لعب المونتاج دورًا سحريًا في تنظيم السرد المأخوذ من أرشيف هذه المرأة، وهو أرشيف يبدو أكبر من أن يحتويه فيلم واحد، لكنّ السرد الذي اختار أسلوب الرسالة للطفلة القادمة أنبأ بما سيحدث؛ الوعدُ بالحياة.

اقرأ/ي أيضًا: الفيلم السوري "إلى سما".. التوثيق العام عبر الوجدان الشخصي

المونتاج اختار هذا الوعد ليصبح العام خاصًّا، والخاص عامًا، ليتصل الحال الإنساني ببعضه البعض، فما يحدث في حلب يمكن له الحدوث في عفرين، أو إدلب، أو غزّة، أو في أمكنةٍ أخرى، والمقولة الواضحة القادرة على اختصار آلام كلّ مُعَذِّبي الأرض: هزمتمونا في الحرب لكننا هزمناكم في الحكايات.

اقرأ/ي أيضًا:

"إلى سما".. وثائقي سوري يتألق في الـBAFTA