فيلم أماركورد (1973): هيّا نضحك على الفاشية

فيلم أماركورد (1973): هيّا نضحك على الفاشية

لقطة من الفيلم

فيلم أماركورد (1973) من أشهر أفلام -شبه- السيرة الذاتية في السينما الإيطالية، ومن أمتع أعمال فيديريكو فيليني. من خلاله، نتعرَّف إلى صورةٍ لإيطاليا الثلاثينيات، كما عاشها ولدٌ (استوحى فيليني شخصيته من صديق له في الطفولة) يكبر في قرية بورغو سان جوليانو (على مقربة من مدينة ريميني الساحلية).

على العكس من بازوليني وبرتولوتشي وتورنتوري، لا تحضر السياسة في أعمال فيليني مباشرةً ومنجَزة

في بناءٍ كوميدي-درامي، نرى النظام الفاشي، المروِّع أصلًا، كاريكاتيريًا وهزليًا وتافهًا (ألم تُجادل حنا أرندت، في الستينيات، أن أيخمان قد ارتكب الفظائع، في المقام الأول، تحت دوافع مبتذلة وغبية وليست أيديولوجية، وأن "الشر ليس راديكاليًا أبدًا"، متوصلةً إلى مفهومها عن "تفاهة الشر")، كما نرى الشبق الجنسي عند مراهق لا يتوقف.

في الواقع أو الخيال، عن ملاحقة نساء من عمر أمه. مرةً، يمصُّ بِزَّ بائعة السجائر الهائل، وأخرى يضع يديه بين ساقي غراديسكا (ماغلي نويل) جميلة القرية.

بين المستوى الاجتماعي السياسي الذي يظهر فيه النظام الفاشي، والمستوى الشخصي الذاتي الذي يتصدَّر فيه البطل المراهق، يُراوِح الفيلم، وإن بنِسَب تصب، لا شك، في صالح الأخير.

اقرأ/ي أيضًا: 9 وثائقيات تناولت الحرب السورية

فيليني، وإن كان معاديًا للفاشية، ليس يساريًا. وعلى عكس الحال عند مخرجين إيطاليين من قبيل بيير باولو بازوليني وبرناردو برتولوتشي وجيوزبي تورنتوري، لا تحضر السياسة في أعماله مباشرةً ومنجَزة.

سخرية فيليني، من الفاشية أو الكاثوليكية، تحيل إلى الذات (بالمعنى الدارج)، غالبًا، وليس إلى شيء آخر

في "أماركورد"، نضحك على الحشود الفاشية ونسخر من رداءة مظهرها، لكننا، حتى -في لحظة شديدة الدرامية- عندما يتغوَّل البوليس الفاشي على والد بطلنا المراهق ويجبره على شرب زيت الخروع، لا نشعر أننا في كابوس مفزع جدًا وخانق مثلما هو الأمر في "سالو أو 120 يومًا في سدوم" (1975) لبازوليني، ولا نحس أن الفاشية كلية الجبروت ورهيبة كما في "الممتثِل" (1970) لبرتولوتشي.

أيضًا، السخرية الحرّاقة من الكاثوليكية، كما تظهر في الفيلم، ليست مطعَّمةً بالأيديولوجيا مقارنة بـ"باريا" (2009) لتورنتوري. حين يسأله القس: "هل تقترف النجاسة؟ هل تستمني؟ هل تعرف أن القديس لويس يبكي حين تستمني؟"، يجيب الولد المراهق (طبعًا، في نفسِه): "فليبك القديس لويس. سواء كنتُ أستمني أم لا، لن أخبرك، لأنك، بعدها، ستذهب لتخبر أبي. عمومًا، لا تدَّعي أنك، شخصيًا، لا تستمني. كيف لا تستمني حين تراها، في دكان السجائر، وتقول لك: تريد المستورد؟ ولمّا ترى نظرات اللبؤة في عيني معلّمة الحساب، كيف لا تستمني؟".

سخرية فيليني، من الفاشية أو الكاثوليكية، تحيل إلى الذات (بالمعنى الدارج)، غالبًا، وليس إلى شيء آخر. والشخصيات الكثيرة، متعددة التفاصيل والعوالم، التي تظهر في "أماركورد" وتضحكنا، لا تقول إلا ذاتها وأحلامها الصغيرة. وهذا ما كان يلومه بازوليني، الشيوعي، على مواطنه!

اقرأ/ي أيضًا:

المسيحي في السينما المصرية: كرة ثلجية عالقة (2-2)

"20 سبتمبر".. وهم الحب الأول هو الأخير!