المسيحي في السينما المصرية: كرة ثلجية عالقة (2-2)

المسيحي في السينما المصرية: كرة ثلجية عالقة (2-2)

لقطة من فيلم شفيقة القبطية

في فترة الخمسينيات، شهدت الأفلام المصرية ظهور الشخصية المسيحية في عدد منها، نظرًا لما شهدته تلك الفترة من مناخ قومي تعبوي يحتفي بعنصري الأمة من أجل العبور بمصر إلى مصاف الدول المتقدمة. ولكن كان ظهور المسيحي ثانويًا في هذه الأفلام عادة، ويخضع لاعتبارات مرجعها الأساسي السير على نفس الخط الرسمي لدولة يوليو التي كان في صدارة أولوياتها تصدير صورة وردية لإنجازات الدولة الناشئة، يساعدها في ذلك سيطرتها الكاملة على صناعة السينما.

في ظل هذا المناخ، لم يكن متاحًا بالطبع الحديث عن مشاكل الأقليات في ظل نظام "الضباط الأحرار" الذي كان يتبع منهجًا فريدًا في معالجة المشاكل بإنكار وجودها من الأساس، أو بالمزايدة على أصحابها. 

في الستينيات، زادت وتيرة الظهور المسيحي في الأفلام المصرية وبرز من بينها دور الفنان إسكندر منسي في فيلم أم العروسة (1963)

في الستينيات، زادت وتيرة الظهور المسيحي في الأفلام وبرز من بينها الدور الذي أدّاه الفنان إسكندر منسي في فيلم أم العروسة (1963)، وهذا الدور تحديدًا يقدّم مثالًا مناسبًا للكيفية الوحيدة التي كان يمكن أن تظهر بها الشخصية المسيحية في فيلم مصري آنذاك. وفي الفيلم، الذي أخرجه عاطف سالم والمأخوذ عن رواية بنفس الاسم للكاتب عبد الحميد جودة السحّار، نتابع الوقائع اليومية لحياة أسرة مصرية بسيطة من الطبقة المتوسطة، وترتيبات الإعداد لزواج الابنة الكبرى ومحاولات رب الأسرة (عماد حمدي) الدؤوبة لتدبير تكاليف تلك الزيجة، فيقرر اختلاس مبلغ من عهدته المالية في الشركة التي يعمل بها بنية ردّه فيما بعد، لكن ذلك يوقعه في مشكلة كبيرة ولا ينقذه سوى صديقه مرقص (إسكندر منسي) الذي يساهم في إكمال النهاية السعيدة للفيلم.

في العام ذاته، ظهر الدور الأغرب على الإطلاق لشخصية مسيحية في فيلم مصري، وكان ذلك في فيلم "الناصر صلاح الدين" ليوسف شاهين. في الفيلم، لعب الممثل صلاح ذو الفقار دور شخصية تدعى عيسى العوّام، وهو قائد عربي مسيحي يشارك في الحرب ضد الصليبيين، بل يقدّمه الفيلم كواحد من مساعدي صلاح الدين الأيوبي المقرّبين، ويقع في غرام لويزا (نادية لطفي) قائدة "الهوسبتاليين"، وهو فريق طبّي مرافق للجيوش الصليبية. والحقيقة أن عيسى العوّام، فضلًا عن كونه شخصية هامشية في الحرب، كان مسلمًا بالأساس وليس مسيحيًا مثلما ورد في الفيلم، والتفسير الوحيد لظهور هذه الشخصية بتلك الطريقة في الفيلم هو التأكيد على الوحدة الوطنية بين المسلمين والمسيحيين في فترة تاريخية شهدت إرهاصات الاحتقان الطائفي في المجتمع المصري.

وعلى هذا المنوال الذي يحتفي بشعار "يحيا الهلال مع الصليب" المستدعى من مرحلة ثورة 1919، يمكننا الإشارة إلى ظهور بعض الشخصيات المسيحية في الأفلام المأخوذة عن ثلاثية نجيب محفوظ (تم إنتاجها في الفترة بين عامي 1962 و1973) والتي أخرجها حسن الإمام، خصوصًا في فيلم "بين القصرين"، حيث توسّع كاتب السيناريو محمد مصطفى سامي في إظهار التلاحم بين المسلمين والمسيحيين أثناء ثورة 1919 بطريقة مختلفة عن الأصل المحفوظي المكتوب، وكان ذلك التوجه سببًا في ظهور ذلك المشهد الأيقوني الذي يظهر فيه أحد القساوسة يخطب في جمع من المسلمين من على منبر أحد المساجد يحثّهم على مناصرة سعد زغلول ويؤكد على الوحدة الوطنية، كما يذهب الشيخ إلى الكنيسة في زيارة مقابلة، وفي الأثناء نشاهد خروجًا جماعيًا لطالبات مدارس الإرساليات والراهبات في مظاهرات إلى الشوارع، ليتقابلن مع طالبات المدرسة السعيدية ويخالطن الرجال في مسيرات حاشدة تنادي بالإفراج عن سعد زغلول زعيم الأمة ورمز الثورة المصرية على الاحتلال الإنجليزي.

حسن الإمام يضع لمسته

في نفس العام، أخرج حسن الإمام فيلم "شفيقة القبطية"، من بطولة هند رستم والمأخوذ عن رواية للكاتب جليل البنداري، مقدّمًا حكاية ميلودرامية جانبت الدقة في ما يتعلّق بتاريخ الراقصة شفيقة وتاريخ الأقباط المصريين عمومًا. و"شفيقة القبطية" هذه كانت واحدة من أشهر راقصات مصر في أواخر القرن التاسع عشر، ولدت في حي شبرا القاهري عام 1851 لأسرة مسيحية متدينة، ولكنها هربت من بيت أهلها في مراهقتها، وتعهدّتها بالرعاية راقصة شهيرة في ذاك الزمان تدعى شوق، وبدأت رحلة شفيقة بالرقص في الموالد، وأضافت لفظ "القبطية" إلى اسمها لتؤكد لأسرتها على تمسّكها بدينها إلى أن أصبحت أشهر راقصة في مصر بعد وفاة أستاذتها شوق.

كانت شفيقة ذات نفوذ ولها عشّاق من كبار أغنياء مصر، وذاع صيتها خارج مصر وكان المعجبون ينثرون الجنيهات الذهبية تحت قدميها، ولكن حياتها اتخذت مسارًا مأساويًا بعدما تقدّم بها العمر واستمرارها في تبذير ثروتها الهائلة، حتى إنها ماتت معدمة في عام 1926، ولم يسر في جنازتها سوى رجلين فقط وهما أيضّا من تكفّلا بدفع تكاليف جنازتها.

اقرأ/ي أيضًا: قائمتي لأفضل 5 أفلام مصرية

أما شفيقة التي يقّدمها فيلم حسن الإمام فحكايتها مختلفة تمامًا، فهي امرأة متزوجة تضطر لترك ابنها الوحيد عزيز في حضانة والدتها (أمينة رزق) بعد أن طردها والدها من المنزل بسبب عملها كراقصة، وعلى الرغم من ثرائها الواسع وصداقتها لعدد من كبار رجال الدولة، فإنها تظل ممنوعة من رؤية ابنها. يكبر الابن (حسن يوسف) ويقع في حب سعاد (زيزي البدراوي) ابنة رئيس وزراء مصر (حسين رياض)، لكنه لا يجد سوى الإهانة لفقره من جانب رئيس الوزراء الذي بدوره في علاقة غرامية مع والدته شفيقة.

بالمصادفة تتعرّف شفيقة على ابنها أثناء مشهد إهانة رئيس الوزراء له، فتقرر الانتقام لشرف ابنها بردّ الإهانة للوزير أمام عائلته، وهو الأمر الذي يؤدي إلى إيداع عزيز في السجن وتخلّي الوزير عن شفيقة. في الأثناء، تقوم خادمة شفيقة (سلوى محمود) بسرقة أموالها وتصبح عشيقة لعدد من الوزراء، وتقرّر شفيقة دخول الدير. وكي تكتمل دائرة الميلودراما الفاقعة، يخرج عزيز من السجن مقرّرا الزواج من السيدة التي دافعت عنه وضحّت من أجله (هو لا يعرف أنها والدته)، فيذهب إليها في الدير ويصارحها برغبته ولكنها تموت بين يديه.

عام 1962 ظهر الدور الأغرب على الإطلاق لشخصية مسيحية، وكان ذلك في فيلم "الناصر صلاح الدين"، لشخصية تدعى عيسى العوّام

في الفيلم، يحاول السيناريو إبراز الرموز الدينية في بيوت بسطاء حي شبرا، الذي ولدت فيه شفيقة، حتى تكاد تغطي جدرانها: لوحات زيتية بسيطة للمسيح والسيدة مريم وصلبان متعددة الأحجام وأيقونات وصور لقديسين قدامى ومعاصرين.

وحين تذهب شفيقة إلى بيت أهلها، بعد أن صارت راقصة شهيرة، ترتدي لباسًا محتشمًا أقرب لزي الراهبات وتدخل إلى البيت لتجد أمها جاثية أمام تمثال العذراء تدعو لحفيدها بالهداية والفلاح، غير مبالية بوصول ابنتها. تخاطب شفيقة والدتها بنبرة مستعطفة من أجل السماح لها برؤية ابنها، ثم تعرض عليها مظروفًا نقديًا للمساعدة في الإنفاق على ابنها، لكن الأم ترفض بإصرار هذه الأموال "الحرام".

في مشهد آخر، نرى سعاد، بعد أن وصلها خبر كاذب عن موت عزيز، قد قرّرت دخول عالم الرهبنة، ونتابع عملية ترسيمها في الكنيسة وسط عدد من الراهبات، وكل منهن تحمل نسخة من الكتاب المقدس. وفي هذه المرحلة من الفيلم يبرز عدد من الرموز الدينية المسيحية، نظرًا لطبيعة المكان الذي صارت تعيش فيه سعاد بعد أن أصبحت راهبة.

بعد عامين، عاود حسن الإمام الكرّة بفيلم "الراهبة" من بطولة هند رستم أيضًا، منتقلًا بالحكاية هذه المرة إلى لبنان. وتدور قصة الفيلم حول شقيقتين مصريتين تقيمان في جنوب لبنان وتمتلكان استراحة على الطريق السياحي، تتعرّفان من خلال الأفواج السياحية التي تفد إلى المكان على مرشد سياحي مصري (إيهاب نافع) وتقع هدى (هند رستم) في علاقة حب من طرف واحد ناحية المرشد، الذي يقع بدوره في حب الشقيقة الأخرى (شمس البارودي) ويتفقان على الزواج. تُصاب هدى بالصدمة حين تعرف بنيتهما الزواج وتحاول نسيان فشلها العاطفي بالانغماس في العمل بأحد الملاهي الليلية وتتحول إلى نجمة كبيرة في عالم الاستعراض، ولكنها تقرّر أن تصبح راهبة في نفس اليوم الذي تتزوج فيه شقيقتها!

اقرأ/ي أيضًا: 4 اختلافات رئيسية بين أفلام مارڨل ودي سي

وكالعادة، يطعِّم الإمام فيلمه ببعض الرموز المسيحية المألوفة التي نشاهدها في بيت الشقيقتين، ويُدخل إلى الحكاية إحدى راهبات الدير (نادية حمدي) الذي تتردد عليه هدى. تنصح الراهبة هدى بالصلاة من أجل أن تتخطّى محنتها العاطفية، وتعزّيها بأنها ربما تكون زوجة صالحة مع رجل آخر، ولكن هدى تخبرها بأنها وهبت نفسها لخدمة الربّ، وفي ختام الفيلم نشاهد حدثًا نادرًا في تاريخ السينما المصرية وهو تفاصيل عملية ترسيم الراهبة في الدير وما يصاحب ذلك من طقوس خاصة.

الطبيب المؤمن بالعلم

وبعيدًا عن حسن الإمام وتوليفته السينمائية، قدّم الممثل سعد أردش في أولى أدواره السينمائية دورًا مميزًا لشخصية طبيب مسيحي في فيلم "قنديل أم هاشم" (1968)، للمخرج كمال عطية والمأخوذ عن رواية بنفس الاسم للكاتب الكبير يحيى حقي، كتب لها السيناريو الكاتب الكبير صبري موسى.

 وتدور قصة الفيلم، كما الرواية، حول جدلية العلاقة بين المجتمع التقليدي والحداثة الوافدة، من خلال قصة عن أسرة صغيرة وفقيرة مكونة من أب عامل (عبد الوارث عسر) وأم بسيطة وساذجة (أمينة رزق) وإسماعيل الابن طالب الطب (شكري سرحان)، وابنة العم فاطمة (سميرة أحمد). تعيش الأسرة بجوار ضريح السيدة زينب في الحي القاهري الذي يحمل اسمها، وهناك يتبرّك الناس بزيت قنديل أم هاشم (زيت إشعال مصباح الإنارة فى مسجد السيدة زينب) وهو الزيت نفسه الذي تواظب الأم على تقطيره في عين فاطمة من أجل أن تُشفى من المرض الرمدي الذي أصاب عينيها، لكن النتيجة تكون عمى كامل يصيب الفتاة المسكينة.

أخرج حسن الإمام 1962 فيلم "شفيقة القبطية"، مقدمًا حكاية ميلودرامية فيما يتعلق بتاريخ الراقصة شفيقة وتاريخ الأقباط المصريين عمومًا

وبمساعدة مالية من بيع قطعة أرض تمتلكها فاطمة، يسافر إسماعيل إلى ألمانيا لدراسة الطب، وهناك تبهره الحضارة الغربية وانفتاحها. يتعرّف على إحدى السيدّات الألمانيات التي ترى فيه براءة مختلفة عن أقرانها الغربيين فتتخذه كابن لها، ويصادق ابنتها طوال سنوات دراسته، وعندما يحين موعد عودته إلى مصر يفترق شملهم في فراقٍ باكٍ. وإذا كان إسماعيل حسم قراره بالعودة إلى بلده، فإن زميله المصري مسيحي الديانة (سعد أردش) يقرّر البقاء في ألمانيا بعد زواجه من صديقته الألمانية التي تعرّف إليها خلال سنوات الدراسة، وبعد أن حسم قراره هو الآخر لصالح الحياة الغربية.

منذ تلك اللحظة، تبرز الثنائية التي يلعب عليها الفيلم بوضوح: التقليد في مقابل التجديد، الشرق في مقابل الغرب، الجهل في مقابل العلم. يعود إسماعيل ناقمًا على جهل عائلته وتخلف مجتمعه وإيمانه بالخرافات الذي أضرّ بصحة ابنة عمه، ويقرّر معالجة فاطمة بواسطة العلم "الغربي" الذي اكتسبه في ألمانيا، ولكن مسعاه يبوء بالفشل لإصرار أمه، كما هو حال جميع أهالي الحي، على استخدام الزيت "المبارك".

في الأثناء، يعود الطبيب المسيحي إلى مصر ويفتتح عيادة خاصة في حي الزمالك الراقي، تساعده في إدارتها زوجته الألمانية، حيث زبائنه من الأجانب وكبار رجال المجتمع القاهري، ويذيع صيته حتى يصبح أشهر أطباء العيون في مصر. الطبيب المسيحي يلحّ على صديقه المسلم أن يعمل معه في العيادة وأن يتواصل مع صديقته الألمانية ليتزوجها، ولكن إسماعيل يؤجل حسم اختياره لحين تأكده من "صحة الحضارة الغربية بنسبة 100%"، على حد تعبيره.

 ولعل اللافت في هذا الصدد هو تعامل الفيلم مع شخصية الطبيب المسيحي بشكل متوازن، من خلال تقديمه كمواطن طموح يعتبر الذهاب للدراسة في أوروبا وسيلة للتطور المهني والشخصي وليس أداة للتسلّق الاجتماعي أو "المنظرة على خلق الله"، قبل أن تصبح هجرة المسيحيين إلى خارج مصر أمرًا مألوفًا، مع تعدد الأسباب التي تقف وراء تلك الظاهرة كنتيجة للظروف الاجتماعية والاقتصادية المستجدة في مصر منذ سبعينيات القرن الماضي.

اقرأ/ي أيضًا:
فبراير الأسود: تنتظرنا أيام سوداء!
أفضل 10 أفلام لهذا العام حسب مجلة دفاتر الفرنسية