"20 سبتمبر".. وهم الحب الأول هو الأخير!

لقطة من فيلم 20 سبتمبر

بعد نهاية فيلم "هدية من الماضي"، وقف الدكتور مختار يونس، أستاذ السينما، وسط قاعة عرض سينما "زاوية" بوسط القاهرة، وأشار للجميع.. قال: "أنا هنا.. بطل الفيلم". سألوه عن الدمعة التي فرّت من عينيه في المشهد الأخير: هل قبلت "باتريسيا" دعوتك وزارت القاهرة؟.. فردّ: لا.

كان الردّ متوقعًا بالنسبة للجميع، فمشاعر الجميلة الإيطالية، التي انتهت علاقته بها قبل ثلاثين عامًا أبرد ممّا توقع، بينما جاء هو في رحلة بحث ساخنة، وطويلة، لهدف واحد، أن يقابل حبيبته القديمة ولو مرة واحدة.

من أين بدأ الفيلم؟
من القاهرة يظهر مختار يونس، الذي يحمل وجه وقناع، القناع "الحاد" يظهر به في محاضرات معهد السينما، بينما الوجه الحقيقي في البيت مع ابنته كوثر، التي رأته مدرسًا وأبًا، واختارت أن تصوِّر فيلمًا عن الأب.

كتبت في بداية الفيلم: "تمّ التصوير بكاميرات سرية"، فكانت كلها لقطات مهزوزة، تسقط فجأة على الأرض، وترتفع لتصور السقف، والصورة مقلوبة أحيانًا، ومعدولة في مشاهد أخرى، تضيع تفاصيل وتظهر تفاصيل بدون قيمة.. لا تسحب من رصيد الفيلم، أو تشوّه صورته.

كوثر مخرجة فيلم 20 سبتمبر أرادت صنع نوع جديد من السينما، لا تسجيلي ولا روائي. فكانت الصورة النهائية تكسر كل قواعد السينما

كانت كوثر، مخرجة الفيلم، تريد أن تصنع نوعًا جديدًا من السينما، لا هو تسجيلي، ولا روائي. فكانت الصورة النهائية جديدة فعلًا، وتكسر كل قواعد السينما.

سجَّلت 135 ساعة في غفلة من البطل، وقطعت وركبت وقالت عن "العملية الجراحية" التي أجرتها للفيديوهات المتفرّقة إنها "تصطاد سمك في مياه".

كان الفيلم بالنسبة إلى كوثر طوق نجاة، ومغامرة. بدأت الطريق ولا تعرف أين سينتهي، فلا سيناريو جاهز، ولا خطة واضحة، ويمكن ألا تصل أبدًا، فكل شيء معلّق بين يدي القدر.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم "تخّرج".. أحد ألوان الحياة الباهتة

هل ستحصل على فيزا لإيطاليا؟ هل ستجد باتريسيا؟ وإذا حققت كل ذلك يبقى السؤال الكبير: هل ستوافق الشخصيات على عرض الفيلم؟

لم تأخذ كوثر موافقة الأبطال، كان يمكن أن تنتهي من الفيلم، من رحلة إلى روما وعشرات الساعات من التصوير ثم تطلب موافقة أحدهم فيرفض، وهو ما حدث. قبل يومين من العرض طلبت من والدها، الدكتور مختار، الموافقة لكنه اعترض لأنه لا يريد كشف حياته الشخصية. وفي النهاية، وافق.

في المشهد الأول، أدارت كوثر كاميرا الموبايل داخل السيارة دون علم الأب، الذي "يتسلطن" بأغنيات قديمة ويمثّل بأصابعه أنه يضرب الناس بالنار في الشارع، ويردد أفكاره عن سينما الأطفال.

يحمل مختار حنينًا إلى حبيبة قديمة، اسمها باتريسيا، إيطالية، تعيش في روما، تركها قبل ثلاثين عامًا، واحتفظ بالخاتم الذي يربطه بها حتى إنه يعتبر إعادته إلى صاحبته واجب وطني لتغيير الصورة الشائعة عن الشباب المصريين: "يسافروا ويعلّقوا البنات الأجانب ويوعدوهم بقصص حب تنتهي لما يرجعوا بلادهم".

منذ هجره لها كانت دائرة حياتها ناقصة واكتملت الآن، هكذا صارحت باتريسيا الدكتور مختار في فيلم 20 سبتمبر

تشتري كوثر تذكرتين سفر إلى روما، تفاجئ الأب بهما: "هدية عيد ميلادك"، يماطل ويطلب التأجيل بسبب موعد قريب مع وزير التعليم. وتبلغ أمها: "سيذهب إلى إيطاليا ليبحث عن حبيبته القديمة، ولو وجدها ربما يتزوجها"، توافق: "لأنه لو لقاها سيرتاح من الحنين".

وتبدأ المغامرة. يبحث الأب عن باتريسيا بشغف منذ اليوم الأول في روما، شاب نصف مصري يقع في طريق كوثر فيساعدهما على الوصول إلى العنوان، الذي تعرفه ولا تعرف إن كان صحيحًا وكاملًا أم لا. تركب تاكسي وتذهب إليه فتفاجأ أن "باتريسيا غيّرت العنوان".

حين يكتشف الأب أن الوصول إلى حبيبته صعب تسوء حالته النفسية، وتتدهور حالة كوثر أيضًا لدرجة أن دمعة فرّت من عينيها لم نعرف إن كانت تعاطفًا مع والدها أم حزنًا على مشروع الفيلم الذي يضيع.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم Arrival.. خيال بإيقاع واقعي

تبحث مخرجة الفيلم عن حبيبة والدها في مواقع التواصل الاجتماعي، تويتر وفيس بوك وإنستجرام، تحاول الوصول إلى أي "بروفايل" خاص بها، حتى وصلت إلى الصيد الثمين الذي تبحث عنه من بين أكثر من باتريسيا كانت في نتائج البحث.

يصر الأب على شراء هدية غالية قبل اللقاء يقدّمها مع الخاتم القديم. تقف كوثر في المساحة بين الواقع والخيال، تحاول أن تحوّل تصوراتها عن الحياة إلى حقيقة على الأرض، ترتب لقاء بين والدها وحبيبته القديمة في روما، وتحرض عليه، وتنفخ فيه من روحها فيتحول إلى واقع رغم كل السدود والدوامات التي مرّت بها حتى وصلت إلى لحظة اللقاء التي تقطع أوراق ورسائل عمر من الغياب لتؤكد أن الحبَّ لا يشيب، لا يصيبه العَجَز ولا العَجْز ولا يموت، إنما يترك حفرة في القلب، وعضّة في الروح لا يختفي أثرها أبدًا.

منذ هجره لها كانت دائرة حياتها ناقصة واكتملت الآن، هكذا صارحت باتريسيا الدكتور مختار في اللقاء الذي جرى بمنطقة بعيدة اضطرّ لأجل الوصول لها أن يسافر ويمر على قضبان القطار، ليردّ عليها بأنها "ستظل في نفس المكان في قلبه"، ويدعوها إلى زيارة القاهرة ويتحمل تكاليف السفر.

ورغم أنها وصفته بـ"فارسي العربي"، كان اللقاء باردًا، لكنه تلقائي ومتوتر. ظهر أغلب التوتر على وجه البطل المصري، الذي يواجه حلم الثلاثين سنة. قابل حبيبته ورد لها الخاتم، وقام بواجبه الوطني!

كان فيلم هدية من الماضي بالنسبة إلى كوثر مغامرة. فلا سيناريو جاهز، ولا خطة واضحة، ويمكن ألا تصل، فكل شيء معلّق بين يدي القدر

اللقاء الذي انتظرت كوثر أن يكون نهاية أسطورية للفيلم كان طرفه الثاني باردًا، ليس نهمًا إلى لحظة حب كالذي سافر من القاهرة إلى روما، ربما كان سبب هذا البرود الإيطالي أن مختار ترك في قلبها ورمًا من هروبه المفاجئ إلى مصر، أو مرارة من امتناعه عن الرد على رسائلها. وهناك احتمال ثالث، إنه برودة مشاعر الأوروبيين.

احتفلت الإيطالية، التي لا تزال تحتفظ بجمالها في الستين، بالهدية، واحتضنت حبيبها القديم، لكنه ظلّ مرتبكًا وتائهًا.. فركبت سيارتها وغادرت دون أن تدعوه إلى مشروب أو غداء، أو تعرض عليه أن تحمله إلى محطة القطار، أو تقضي معه الوقت المتبقي حتى موعد طائرة العودة!

لم "تختلس" كوثر، المخرجة التي كانت جزءًا من المشهد لآخره، لحظة مناسبة لنهاية الفيلم بالكاميرا الخفية، فكان لا بدّ من لقطة أخرى. بحثت بين الساعات التي سجّلتها بكاميرا الموبايل، واللاب توب، وكاميرا "بروفيشنال".

اختارت لقطة رحيل مختار، الأب العجوز، من أرض الأحلام والحنين، وهو يحبس دمعة في عينيه، ويقاوم النوم حتى لا تنتهي لحظة انتظرها ثلاثة وثلاثين عامًا، ويسند رأسه إلى ظهر الكرسي، ويتذكر.

يثبت الفيلم -محدود الإنتاج- أن الصورة والتقنيات والكاميرات الاحترافية على الهامش بينما الحكاية وزغزغة الروح أولًا، قبل أي شيء، ستتكفل بتحقيق الأهداف كلها.

وينتهي "20 سبتمبر" بإهداء "إلى ماما"، فمهما كان الحنين إلى أشباح الماضي، الدفء لا يزال عندها.

اقرأ/ي أيضًا:
فيلم "غرباء تماما". الصندوق الأسود لحياتنا الجنسية
6 أفلام اختارها النقاد ورشحت لجولدن جلوب هذا العام