17-يونيو-2017

لقطة من الفيلم

يبدأ المخرج الإيراني مجيد مجيدي فيلمه العظيم Children of Heaven بالدخول مباشرة إلى عمق رسالته السردية، إلى الثيمة الرئيسة لقصته: يبدأ الفيلم بالطفل "علي" يراقب إسكافيًا متقنًا وهو يصلح حذاء ورديًا، سنعرف لاحقًا أنه لأخت الطفل "زهرة"، ويعطي مجيدي لمشهد إصلاح الحذاء وقته الكامل، دون تقطيع يذكر.

تستمر مأساة "أطفال السماء" أو "أطفال الجنة" مع ذلك الحذاء دهرًا، تحدث فيه تفاصيل كثيرة من حياتهما وحياة المدينة الهادئة حولهما

يترك الإسكافي ينهي صنعته كما يجب، ليربط المشاهد منذ البداية بما سيكون عليه الفيلم حتى النهاية: قصة من 90 دقيقة عن معنى الحذاء وقيمته، وكيف يمكن أن تدور حياة كاملة حوله. في المشهد الموالي، يضيع زوج أحذية الطفلة من أخيها، فتبدأ القصة.

ومنذ اللقطة الأولى لا يكاد يخلو مشهد في الفيلم من وجود للأحذية، إما داخل إطار الصورة المرئية، أو بصوت وقعها على الأرصفة، أو في إعلان عبر التلفاز، أو على أرجل التلاميذ في طابور المدرسة، أو من زجاج نافذة البائع، أو قرب باب شقة الأسرة الفقيرة التي ستحكى قصتها كاملة عبر تتبع زوج من الأحذية، ضائع في زحام الفقر والعوز.

يصارع الإنسان في صمت كي يعيش كريمًا، أي، "كي لا يرى عليه امرؤ متطول" طولًا من الفاقة، كي لا تبدو حاجته للناس، حتى أقربهم له.

اقرأ/ي أيضًا: 5 أفلام اختلفت نهاياتها تمامًا عن الروايات التي بُنيت عليها

يدرك علي وأخته فقر أبيهما وضعف الحال المادي لأسرتهما، فيتبادلان يوميًا زوج حذاء علي، تذهب به الأخت صباحًا إلى مدرستها وتعدو راجعة إلى أخيها ليذهب به لمدرسته.

يتبادلان الدموع واللحظات الصعبة، يحكيان في صمت مأساة نصف سكان طهران، مأساة غياب المساواة عن شعب أنهكه الحصار الاقتصادي من العالم، وأثقلت كاهله وقلبه سنوات الاستبداد من حكوماته. يحكي الطفلان في عدوهما بين أزقة طهران القديمة حكاية بلد كامل. لكنهما يفعلان ذلك في صمت أيضًا، صمت المخرج الذي يجب أن تعبر رسالته من غرابيل دقيقة جدًا لمصالح الرقابة الرسمية.

يحكيان القصة كأنها للأطفال، وهي لهم فعلًا، لكنها لآبائهم وأمهاتهم، ولنا نحن، ولكل من أدخل قدمه ذات يوم في حذاء.

تستمر مأساة "أطفال السماء" أو "أطفال الجنة" مع ذلك الحذاء دهرًا، تحدث فيه تفاصيل كثيرة من حياتهما وحياة المدينة الهادئة من حولهما.

لا نرى في النصف الأول من الفيلم إلا بيتهما وحيّهما ويومياتهما في المدارس. لكن مجيدي يرينا تلك الحياة بطبيعتها العادية، كما هي. إذ عرف عنه أنه حاول أن يبقى تصوير الفيلم سريًا –قدر الإمكان- حتى يصور من أيام الناس ما عليه تلك الأيام حقًا، فاستطاع بعفوية بالغة أن يسير على حبلين متوازيين، فيلمين متوازيين: الروائي التمثيلي والوثائقي التأريخي.

وهو إذ يفعل ذلك، يبقي الألوان على حالها، باهتة! ولا يستخدم الموسيقي التصويرية إلا نادرًا جدًا، في نهاية المشاهد، عندما يكون الانتقال الدرامي بحاجة إليها. يصور لنا مجيدي عبر قصة "حذاء ضائع" وآخر "متسخ"، وعشرات الأحذية الأخرى من حولهما، كل طبقات المجتمع الإيراني، وكل أفراحه وأتراحه، وكل ما يعيشه من تناقضات.

اقرأ/ي أيضًا: 4 من أجمل أفلام السينما الكورية

عند انتصاف الفيلم، ينتقل بنا مجيدي من الأزقة الضيقة والحواري، إلى طهران الكبيرة، إلى شوارعها الواسعة وعماراتها الشاهقة وأحيائها الراقية، يرينا الوجه الآخر لعاصمة إيران، يرينا جزء الصورة الناصع، الفاخر، المزدحم بالألوان والأشكال والأبعاد.

يرينا مجيدي الفرق بين من "السماء" و"الأرض"، ولا ينسى أن يذكرنا في نهاية تلك الجولة السياحية بالهاجس الدائم للطفل علي، الذي يطلب من أبيه –بعد أن حصلا على مال لقاء عملهما في حديقة أحد الأغنياء- أن يشتري حذاء لزهرة، كان ذلك طلبه الوحيد، إذ لازال ذنب فقده الحذاء يؤرقه، لا يزال لونه الوردي اللامع، الباهت، في آن واحد، يطارده ويبقي الدمع في عينيه. لا تزال طهران رغم ما فيها من جمال، فاقدة لحذائها، غير قادرة على السير بالسرعة التي تريد.

مع تقدم السرد البديع للفيلم، يحصل الطفل علي على فرصة للمشاركة في سباق يفوز صاحب المركز الثالث فيه بزوج أحذية، يخبر أخته فرحًا بذلك، فرحًا أنه سيأتي في المركز الثالث، وتلك مفارقة تحمل الكثير من المعنى، كيف يتقلص الحلم حتى لا يصير التفوق هدفًا، ويصير الهدف خلف خط النهاية بمنزلتين!

يصارع الإنسان في صمت كي يعيش كريمًا، كي لا تظهر حاجته للناس، حتى أقربهم له

لكن يشاء النص أن يأتي علي في المركز الأول، ويسقط من الإعياء سائلًا من حوله: هل جئت في المركز الثالث؟ فيكون جوابهم ميدالية ذهبية، ويكون رده على فرحهم به: شحوب وجه وحزن قلب ونظرة محروم إلى ذلك الحذاء الذي كان يمني النفس بالفوز به واستبداله بحذاء آخر لأخته.

يعود علي بفوزه، بخيبته، إلى البيت، ترى أخته في وجهه الانكسار، فتهرب منه. يجلس بقرب حوض الماء الدائري، ينزع زوج أهذيته المهترئ ويرميه بعيدًا عنه، يتحسس قدميه التين أدماهما السباق والضياع. ينزلهما إلى الماء حيث لا تنفع الأحذية، وكأنه أخيرًا يتخلص من همه كله، يتخلص من الأرض التي لا يجوز المشي عليه إلا بحذاء، يتخلص من قسوتها وقسوة الحياة عليها، يتخلص من ثقله، ويحرك قدميه في الماء، حزينًا، لكن حرًا، حرًا أخيرًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

فيلم Captain Fantastic.. صراع الحضارة بين البساطة والتكلف

فيلم T2 Trainspotting: لعبة النوستالجيا