فهيد الشمري.. سماجة التهريج

فهيد الشمري.. سماجة التهريج

فهيد الشمري (يوتيوب)

لا يخرج الحديث الذي أدلى به وزير خارجية البحرينية خالد آل خليفة لموقع "تايمز أوف إسرائيل" بقوله "إسرائيل دولة باقية"، قبل أن يعود مجدّدًا في حديث له مع قناة التلفزة العبرية 13 ليؤكد على أن إسرائيل "جزء طبيعي من المنطقة"؛ عن الرغبة العميقة لحكّام معظم الدول الخليجية لإخراج حالة التطبيع الفعلي لهذه الحكومات من حالة السر إلى حالة العلن، دون أي اعتبار لحالة التعنت التي تبديها إسرائيل إزاء مشروع حلّ الدولتين الذي يضمن للفلسطينين الحد الأدنى من حقوقهم السياسية.

يشكّل المهرج السعودي فهيد الشمري مع الكويتي أحمد  جار الله طباقًا موسيقيًا على وتر واحد هو التطبيع

في الوقت الذي ما يزال حكام الإمارات يناورون لجهة إبقاء علاقاتهم الحميمة مع الإسرائيليين، يبادر الإسرائيليون للإعلان عنها دون أية مراعاة لحالة خدش حياء أحبتهم الإمارتيين، حيث أوردت صحيفة "يديعوت أحرنوت" العبرية نبأ زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس إلى أبو ظبي لحضور مؤتمر أممي حول البيئة. على الجانب الآخر من الخليج حيث تحتفظ عُمان بسبق العلاقة الرسمية مع إسرائيل، لم يكن مفاجئًا إعلان رئيس جهاز الموساد يوسي كوهين عن إعادة العلاقات الرسمية، عبر افتتاح مكتب تمثيلي لوزارة الخارجية الاسرائيلة في السلطنة.

اقرأ/ي أيضًا: تقدير موقف: ورشة المنامة و"خطة السلام" الأمريكية.. لماذا فشلت حال إطلاقها؟

إذا كان للمرء أن يتفهم سعار العلاقات التي يبديها بعض حكام الخليج نحو إسرائيل لجهة الاحتماء بها من الخطر الإيراني، الذي يبدو لهم وجوديًا كاسحًا، وهو على جديته ليس كذلك بدليل تعايشهم معه طيلة السنوات الماضية، فإن المرء ليندهش من تساوق بعض الأصوات الإعلامية الخليجية مع تلك الحملة، التي بدلًا من أن تعمل على تبرير ذلك السعار شعبيًا من زاوية تحالف اللحظة الراهنة التي تجعل عدو عدوي صديقي، كما هو الحال في الوضعية الإيرانية الإسرائيلية، تصر على تصويره كنوع من التحالف الاستراتيجي الذي لا فكاك منه مع دولة صارت بين ليلة وضحاها مثالًا للدولة الجارة الصدوقة الحريصة على أمن جيرانها ومصالحهم، دون أن تأخذ تلك الأصوات صورة إسرائيل العدوانية في الوجدان الخليجي كدولة معتدية على الحقوق الفلسطينية والعربية والإسلامية. الأمر الذي دفع برئيس تحرير صحيفة السياسة الكويتية أحمد جار الله بتسويد صفحة الفلسطينين أمام الرأي العالم الخليجي، انطلاقًا من عجزه عن تبييض صفحة الإسرائيليين في وقتٍ قياسيّ، لذا نراه ينعطف على ذاكرته السوداء مع الفلسطينين ليعثر لهم على زلة أخلاقية لا تغتفر في المحيط الشعبي، عنوانها التسول المتبوع بنكران الجميل لأصاحب النعمة والتفضل: "على من نضحك، نحن ندفع الأموال للقدرات الفلسطينية ويردون علينا بالشتائم وقلة الأدب"، وكأنه في مقصده هذا لا يتوخى تبرير موقفه المتهافت في التخلي عن الفلسطينيين، بل الدعوة إلى معاقبتهم والتشنيع عليهم.

عجيب أمر جار الله المتحذلق هذا الذي يرفض "التطبيل والتزمير الشعبوي لفلسطين"، فيما لا يخجل من التطبيل لإسرائيل المصنفة كدولة فصل عنصري من العيار الثقيل، سبق لها أن أحالت حياة الفلسطينيين إلى جحيم عبر دفعها لهم إلى المنفى، الذي بدلًا من أن يتعاطف جار الله مع ضحاياه ينعطف على لوم متطلباتهم التي لا تنتهي وفق رأيه.

يكاد المهرج فهيد الشمري في الفيديو الذي بثه، في السابع والعشرين من شهر حزيران يونيو/ الماضي على قناته اليوتيوب في  "فضفضة إدارية 1"، تحت عنوان "صفقة القرن"، أن يشكّل مع جار الله طباقًا موسيقيًا على وتر واحد، من حيث إصرارهما على اختراق الوجدان الشعبي الخليجي المناصر للقضية الفلسطينة. كلا الرجلين مهمومان بالإدانة الأخلاقية للفلسطينيين كونهم متسولين ليس غير، ففي حين يركّز جار الله سهام تجريحه على الفلسطينيين وحدهم، يقوم الشمري باحتقار الجميع، فلسطينيين وإسرائيليين. في الظاهر لا يبدو فهيد الشمري أكثر من مهرج وضيع يستمد حضوره التهريجي من اللجوء إلى البذاءة والتفاهة معًا، عبر السير على خط التفكير الشعبوي الذي يمكن للمرء أن يلمسه في ذهنية بعض الناس العدميين، الذين لا يقيمون اعتبارًا لأية ظاهرة إجتماعية سوى بالهزء منها أو الحط من قيمتها، فالفلسطيني اللاجئ عندهم متسول، بينما الفلسطيني المقاوم صاحب مشاكل، أما في العمق فإنّ فهيد لا يبدو أكثر من مجنّد إلكتروني مبتذل يقوم بتوظيف ملكاته الكوميدية في التشفي والحقد، ضمن سرب الذباب الإلكتروني لصاحبه سعود القحطاني بصيغته الشعبوية، الذي تكمن وظيفته الأساسية في محاولة التشويش على الوجدان الشعبي في القضايا الكبرى.

خطاب فهيد الشمري المستند إلى الذهنية العنصرية يعجز تمامًا عن فهم قوة الروابط اللغوية التي تشكل الأمم والشعوب

في محاولة مبيتة من الشمري لتخفيض مستوى تعاطف الشارع الخليجي، المأخوذ بمعرفة الجذور العرقية والروابط العشائرية للبشر والخلائق، لجأ الشمري لقطع الصلة بين الفلسطينيين الحاليين مع جذورهم العربية، عبر ردهم إلى بقايا الشتات الروماني، وهو شتات لم يُكلف الشمري نفسه العناء ليوضح لنا ماهيته، سوى قوله بأنه خليط عجيب غريب من التتار والفرس واليهود، لا صلة عرقية تجمعه مع عرقه العربي الصافي المنحدر من بلاده العربية السعودية، فأبناء الشتات الروماني عنده كثر، فهم تقريبًا كل شخص عربي يقيم خارج العربية السعودية، كما لو كانت السعودية مركزًا عرقيًا لتحديد من هو عربي ومن هو من الشتات الذي يدعيه. المنطق الأناسي الذي يحكم تفكير الشمري في التميز بين من هو عربي عرقيًا، وبين من لا يمت للعرب بصلة، نجده في تفكير شخص بدائي ما زالت تتحكم فيه ذهنية نسب العرب لقبائل بعينها، دون أن يلتفت لحقيقة أنّ الوجود العربي للقبائل العربية في العراق وبلاد الشام سبق حتى هجرة القبائل العربية زمن الفتوحات الاسلامية، كما أنّ الانتماء العربي للناس كف منذ زمن بعيد من أن يتحدد وفق أصل قبلي عربي خالص، بقدر ما صار رابطة لغوية اكتسحت مناطق شاسعة زمن العصور الوسطى.

اقرأ/ي أيضًا: مؤتمر البحرين في انطلاقته.. مشروع كوشنير الذي ولد ميتًا

إن خطاب الشمري المستند إلى الذهنية العنصرية يعجز تمامًا عن فهم قوة الروابط اللغوية التي تشكل الأمم والشعوب، ويكاد في نفيه للعروبة عن الفلسطينيين يلتقي بالخطاب الصهيوني الذي حاول بن غوريون من خلاله نفي العروبة والإسلام عن الفلسطينيين المقيمين في أرض فلسطين التاريخية، وردهم أيضًا إلى بقايا الشتات اليهودي الذي نجا من مذبحة تدمير هيكل القدس على يد الرومان عام 135 م.

وعلى طريقة نفي الفلسطينيين من العروبة، أصرّ الشمري على نفيهم كذلك من الإسلام، وهذه المرة ليس من باب مدى التزامهم الديني الذي يعجز عن الكشف عنه كما يدعي، وإنما من باب رفع الطابع القدسي الذي ينسبه الفلسطينيون لمسجدهم الأقصى، الذي يدعون أن قدسيته لا تقل عن قدسية الجامع النبوي والبيت الحرام، في حين يصرّ الشمري على نفي مثل هذا الادعاء، ويستمر بانزلاقه للمهاترة للنيل من منزلة المسجد الأقصى عبر نسب هيكله لمعبد يهوديّ سابق عليه، دون أن ينتبه لحقيقة أن الجامع الحرام نفسه لم يكن يومًا إلا معبدًا وثنيًا لعبادة الأصنام، وأن الجامع الأموي الذي كان بالأصل كنيسة مسيحية سبق لها أن نهضت على أنقاض معبد حُدُد الوثني، ومع ذلك كله فإن عُرى القداسة لم تسقط عن أيٍّ منها.

الشيء العميق الذي يجهله الشمري هو أن صراع الفلسطينيين مع إسرائيل ليس صراعًا محصورًا حول قدسية المسجد الأقصى، من حيث كونه معلمًا إسلاميًا بامتياز وحسب، وإنما من خلال محاولة إسرائيل إبقاء سيطرتها عليه كما على المناطق المحيطة به رغم أنه يشكل من حيث المبدأ جزءًا من أراضي الدولة الفلسطينية المستقبلية، وإن حذفه من معادلة الصراع الرمزية لا يشكل استخفافًا بالتضامن الإسلامي الذي يحصده مع الفلسطينيين وحسب، بل استخفافًا وتنازلًا عن جزء جوهري من الأرض الفلسطينية التي أقرتها الشرائع الدولية لهم.

الهجوم على مقدسات الفلسطينيين ولعنة أهلهم، عبر القول "أن مسجدًا في أوغندا خير من القدس وأهلها"، ليس أكثر من قبول الشمري على نفسه من أن يكون جزءًا من مشروع التطبيل والتزمير لدولة فصل عنصري ذات طبيعة عدوانية، دائمة البحث لها عن أعداء افتراضيين لا يسبتعد أن تكون العربية السعودية واحدًا منهم.

لم يكتف الشمري على عادة أهل الشوارع والحواري بالحط من قيمة اعتزاز أهل فلسطين بعروبتهم كما إسلامهم، بل أحب أن يزيد جرعة الإهانة لهم فلم يجد سوى التوجه للمس بكراماتهم، عبر رميهم بالتسول على أموال الدعم الذي تقدمه لهم حكومة أسياده السعودية، وهو تصوّر لا يفهم الدور الذي كانت تشغله فلسطين في وعي النخبة الحاكمة السعودية نفسها، كما في وعي شعوبها، بأن معركة فلسطين ليس معركة أهلها وحسب، بل معركة تخصّ المحيطين العربي والإسلامي، انطلاقًا من وحدة المصير التي تربط البلدان العربية وشعوبها.

خطاب فهيد الشمري خطاب مليء بالأكاذيب التي لا يقدر عليها سوى منبوذ مقطوع الجذور والكرامة والشرف

لقد كان خطاب الشمري خطابًا وقحًا مليئًا بالأكاذيب التي لا يقدر عليها سوى منبوذ مقطوع الجذور والكرامة والشرف، فالشمري العارف ببواطن الأمور لا يرى في موقف الفلسطينيين من مقاطعة مؤتمر المنامة القاضي بتخصيص 50 مليار دولار لتحسين البنية التحتية للمناطق التي يقيمون فيها سوى مناورة للمطالبة بالأكثر، ثم ينعطف ليقرّر عنهم أنهم لن يقبلوا بأي حلّ لقضيتهم حتى ولو حصلوا سياسيًا على كل ما يريدون، فالأصل في قضية فلسطين كما يرى هو تحولها عندهم لمشروع للتكسب على المال الخليجي. يناور الشمري ويُرغي ويُزبد للحط من كرامة الفلسطينيين الذين لم يدخروا أرواحهم لاستعادة وطنهم الذي تم الاستيلاء عليه من قبل الإسرائيليين، فهل يعرف الشمري أن الفلسطينيين والسلطة الفلسطينية التي يتهمها الشمري بالتسول رفضت قبول حصتها من الضرائب على الوقود والبضائع التي تقوم بتحصيلها عنها في الموانئ الإسرائيلية والبالغة 200 مليون دولار، لأن إسرائيل اشترطت اقتطاع مبلغ ستة ملايين مخصصة شهريًا لعائلات الشهداء والأسرى في سجون الاحتلال، رغم الشح بالموارد المالية التي تعاني منه؟ وحقًا ماذا يعرف الشمري، المولود في مملكة النفط، كما يصر على أن يقدم نفسه دومًا، عن كرامة الفلسطيني الذي عاش في مخيمات اللجوء، ثم انطلق للمشاركة في بناء العالم، ومنها بالتأكيد دول الخليج العربي الذي يصر جارالله والشمري على أن لا يروا فيه سوى متسول ناكر للجميل والذمة؟

اقرأ/ي أيضًا: "السلام من أجل الازدهار".. تفاصيل رؤية واشنطن الاقتصادية لمؤتمر البحرين

قد تبدو الفيديوهات التي يصورها الشمري على قناته في اليوتيوب شأنًا شخصيًا يتعلق بشخص سمج يطلّ على العالم من ديوان للتهريج الخاص به، الذي يظهره تارة شخصًا ضعيف الذاكرة يعجز لمدة عشر دقائق كاملة عن تذكر كنية وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل، كما يظهره تارة أخرى في موقف آخر شخصًا مثيرًا للغثيان من خلال دعوته للفلسطينيين للتوقف عن دراسة الطب والهندسة والاختصاصات العلمية الأخرى والالتفات لدراسة سبل زيادة إنتاج الزيت والزعتر التي تشتهر به الأراضي الفلسطينية في جامعات خاصة لهذا الأمر. إلا أن إصراره على وصف الفلسطينيين على أنهم شعب من بقايا الشتات الروماني بقصد نفيهم من العروبة والإسلام، أمر لا يمكن أن يستقيم فهمه، خاصة إذا ما عرفنا أنه أمر يكاد يتكرر في كل حلقة يأتي فيها على ذكر الفلسطينيين، في دولة قمعية مثل السعودية لا تقيم اعتبارًا لحرية الرأي لرعاياها في أي قضية خلافية تذكر، فكيف إذا كانت في قضية يقصد منها تسويد صفحة أناس بعينهم على نحو عنصري بغيض، إن لم تكن سلطات الذباب الإلكتروني ترعاه وتشجعه وتمنحه الدعم الكافي للقيام بمثل هذه الدعاية الرخيصة ضد الفلسطينين، بقصد تبريرها الاندفاع الهستيري لحكام السعودية صوب أصدقائهم الإسرائيليين الذين باتوا يرون فيهم طوق النجاة لخلافاتهم العميقة على النفوذ في المنطقة مع الإيرانيين.

اقرأ/ي أيضًا:

رغم الموقف الرسمي.. أصوات عالية ضد التطبيع في السعودية

"عشق" التطبيع مستمر.. رياضيون إسرائيليون في أبوظبي بدعوات رسمية واستقبال دافئ