"السلام من أجل الازدهار".. تفاصيل رؤية واشنطن الاقتصادية لمؤتمر البحرين

اعتمد نموذج الولايات المتحدة للتسوية السياسية على "السلام" الاقتصادي (Getty)

كشف الموقع الرسمي للبيت الأبيض في تقرير بعنوان السلام من أجل الازدهار.. رؤية جديدة وواسعة للشعب الفلسطيني في الشرق الأوسط رؤية واشنطن الاقتصادية التي ستطرحها على الدول المشاركة في مؤتمر البحرين خلال الشهر الجاري، والتي قال في مقدمته إنها مكونة من ثلاثة مبادرات أساسية تدعم ركائز المجتمع الفلسطيني هي: الحكومة والاقتصاد والشعب.

يرى المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات أن الخطة الاقتصادية لا تعد خطة تسوية أصلًا، بل فرض لوجهة نظر مفادها بأنه لا توجد قضية وطنية فلسطينية، بل قضايا إنسانية معيشية

رؤية الإدارة الأمريكية لتمكين الشعب الفلسطيني

التقرير الذي تضمن أربعة نقاط رئيسية عرضها الموقع جاء في إطار المساعي الأمريكية لإرغام السلطة الفلسطينية بالموافقة على صفقة القرن، فقد أشار إلى أن الخطة الاقتصادية ستعمل على تسهيل الاستثمارات بقيمة 50 مليار دولار خلال السنوات العشر القادمة، ولديها القدرة على تغيير الواقع الاقتصادي في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة المحاصر بشكل جذري.

اقرأ/ي أيضًا: عرب "صفقة القرن".. تسوية قسرية رغمًا عن أصحاب القضية!

وتشير التقارير المتعلقة بمؤتمر البحرين إلى أن الدول المانحة، والمستثمرين المشاركين بالمؤتمر سيقدمون 28 مليار دولار لمناطق نفوذ السلطة الفلسطينية في الضفة والقطاع، فيما ستذهب تسعة مليارات لمصر، و7.5 مليار للأردن، وستة مليارات للبنان، ويعلق البيت الأبيض آماله على أن تكون دول الخليج من أكبر المانحين، على أن تودع المبالغ في صندوق يؤسس حديثًا لدعم اقتصادات الأراضي الفلسطينية، ويديره بنك تنمية متعدد الجنسيات.

وترى الإدارة الأمريكية أن خطة السلام من أجل الازدهار ستمكن الفلسطينيين من بناء المجتمع الذي تريد الأجيال الجديدة تأسيسه بدعم من المجتمع الدولي، وتزعم أن قوة هذه الرؤية تكمن في أن تحقيق الرخاء الاقتصادي للشعب الفلسطيني لن يتم إلا من خلال السلام.

وتستضيف المنامة يومي الثلاثاء والأربعاء القادمين مؤتمرًا اقتصاديًا بحضور الولايات المتحدة والإمارات والسعودية ومصر والأردن والمغرب لمناقشة مقترحات مستشار الرئيس الأمريكي جاريد كوشنير حول الخطة الاقتصادية التي وضعتها واشنطن لإقناع السلطة الفلسطينية بقبول صفقة القرن، فيما رفضت لبنان والعراق حضور المؤتمر، إلى جانب منظمة التحرير الفلسطينية التي اعتبرت المؤتمر مجرد "وعود نظرية"، وأكدت على أن الحل السياسي هو الحل الوحيد للصراع، والمؤتمر ليس سوى "محاولة لرشوة الفلسطينيين لقبول الاحتلال الإسرائيلي".

رؤية البيت الأبيض للاقتصاد الفلسطيني

يقول تقرير البيت الأبيض الذي يذكر جزئيات مهمة سيتم مناقشتها في مؤتمر البحرين إن السلام من أجل الازدهار سيعمل على زيادة النمو الاقتصادي الفلسطيني بشكل سريع، ويساهم بخلق فرص عمل للفلسطينيين، عبر توفير بيئة عمل للمستثمرين يسودها الأمان والثقة عن طريق تحسين شروط حقوق الملكية، وسيادة القانون، والاستدامة المالية، ومكافحة الفساد.

ونهاية العام الفائت كشفت سلطة النقد الفلسطينية في بيان لها أن معدل النمو الحقيقي في عام 2018 تراجع إلى 0.6 بالمئة مقارنة مع 3.1 بالمئة عام 2017، مشيرًة إلى أن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وتقلص المساعدات الخارجية، وتأثيرات الحصار الإسرائيلي على غزة، فضلًا عن سياسة الاستيطان أرخت بتداعياتها السلبية على نمو الاقتصاد الفلسطيني.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أوقف تمويل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (أونروا) مما أدى إلى عجز بنحو مائتي مليون دولار، فقد هبطت المساعدات الدولية من ملياري دولار في 2008 إلى 720 مليون دولار في 2017، وتوقعت سلطة النقد أن تستمر معدلات البطالة في الارتفاع لتصل إلى حوالي 31.3 بالمائة من إجمالي القوى العاملة.

ويدعي تقرير البيت الأبيض أن الخطة الاقتصادية سوف تقلل من القيود المفروضة على نمو الاقتصاد الفلسطيني عن طريق فتح أسواق الضفة والقطاع أمام الأسواق العالمية والإقليمية، وستساعد استثمارات البنية التحتية على الاندماج مع الاقتصادات المجاورة، فضلًا عن دعمها مجموعة خطوات لتحسين التعاون الفلسطيني مع مصر وإسرائيل والأردن بهدف الحد من الحواجز التنظيمية أمام حركة السلع والأفراد الفلسطينيين.

وبحسب تقرير لصحيفة هآرتس العبرية فإن دول الأردن ومصر والمغرب مضطرة للذهاب إلى مؤتمر البحرين لعدة أسباب، إذ إن الأردن وافقت على الذهاب إلى المؤتمر بسبب عدم إمكانية حدوث أي اجتماع دونه، بالأخص أنه قد تؤول عنه مجموعة قرارات مصيرية حول الصراع العربي – الإسرائيلي، إضافًة لأن المبالغ المالية التي سيحصل عليها من خطة واشنطن الاقتصادية ربما تتضمن موافقته على استيعاب عشرات أو مئات الآلاف الفلسطينيين.

أما الحضور المصري فمرجعه العلاقة المتينة بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأمريكي دونالد ترامب، فضلًا عن مليارات الدولارات التي تحصل عليها مصر سنويًا من الرياض منذ انقلاب السيسي عام 2013، إضافة للأموال السنوية القادمة من واشنطن مقابل إبرامها اتفاقية كامب ديفيد للسلام مع إسرائيل، فيما المغرب يسعى لأن يكون متواجدًا في التطورات السياسية التي تشهدها المنطقة، فضلًا عن حاجته للأموال من أجل تسيير شؤونه، وبحسب الصحيفة الإسرائيلية فإن دول الخليج هي التي ستتحمل تكاليف الرؤية الاقتصادية المقدرة بـ70 مليار دولار، وليس المغرب أو باقي الدول العربية.

ويشير تقرير البيت الأبيض إلى أن الخطة الاقتصادية التي سيتم مناقشتها في مؤتمر البحرين ستسهل الطريق أمام مليارات الدولارات لدعم البنية التحتية الأساسية للفلسطينيين، وستعمل على تدريب السلطة الفلسطينية لإدارتها، وزيادة المنافسة بين المستثمرين مع الإبقاء على التكاليف منخفضة، إضافة لتقديم القطاع الخاص استثمارات في مجال ريادة الأعمال والشركات الصغيرة، وسيكون الهدف الأول إزالة القيود المفروضة على النمو الاقتصادي، فضلًا عن تعزيز التنمية الاقتصادية، والتكامل الإقليمي بين مناطق السلطة الفلسطينية مع الدول المجاورة (لبنان، الأردن، مصر، إسرائيل) من خلال تقليل الحواجز التجارية بينها.

وذكرت وكالة رويترز أن أهم البنود الاقتصادية لمؤتمر البحرين تكمن في تمويل 179 مشروعًا للتنمية الاقتصادية من بينها 147 مشروعًا في الضفة والقطاع، و15 في الأردن و12 في مصر وخمسة مشاريع في لبنان، على أن تشمل المشاريع البنية التحتية والمياه والكهرباء والاتصالات ومنشآت سياحية وطبية وغيرها، مع تخصيص عشرات الملايين من الدولارات لعدة مشروعات تهدف لتحقيق اتصالات أوثق بين قطاع غزة وسيناء في مصر من خلال الخدمات والبنية التحتية والتجارة، إضافًة لدعم توسعة موانئ وحوافز تجارية لمركز التجارة المصري قرب قناة السويس، وسط مزاعم أمريكية بأن الخطة ستخفض من معدلات الفقر والبطالة بنسبة 50 بالمائة.

كيف تنظر الإدارة الأمريكية لخطة تمكين الشعب الفلسطيني؟

يقول تقرير الازدهار من أجل السلام إن الخطة الاقتصادية ستدعم تحسين نظام التعليم في الضفة والقطاع، وتتضمن عدم حرمان أي فلسطيني من قلة الفرص التعليمية، كما أن الخطة ستعمل على تدريب وتطوير مهارات المعلمين الفلسطينيين، وتوسيع نطاق التعليم ديموغرافيًا، مع تقديم المنح المالية لتطوير المناهج الأكاديمية، وتزعم الإدارة الأمريكية أن الخطة ستحول الضفة والقطاع إلى مركز تعليمي متميز.

والعام الماضي قالت الأمم المتحدة إن نحو 44 مدرسة كان من المقرر تعرضّها للهدم الجزئي أو الكلي، في مناطق ج، والتي تشكل قرابة 60 بالمائة من مجموع مساحة الضفة الغربية، وتقع تحت السيطرة العسكرية والإدارية الإسرائيلية، وبررت تل أبيب قرار الهدم بأن المدارس بُنيت بطرق "غير قانونية".

وذكر تقرير صادر عن منظمة اليونيسيف أن قرابة 25 بالمئة من الأطفال الفلسطينيين، وقرابة سبعة بالمئة من الطفلات الفلسطينيات غادروا المدرسة في تموز/يوليو الماضي دون إكمال تعليمهم، بسبب عدة عوامل من بينها الصراع المسلح، والاعتداءات التي يتعرض لها التلاميذ من قبل المستوطنين والجنود الإسرائيليين عند عبور الحواجز.

ويضيف تقرير السلام من أجل الازدهار أن الخطة الاقتصادية سوف تقوم بتعزيز برامج تنمية للقوى العاملة، وستساعد على ضمان دخول الشباب الفلسطينيين في سوق العمل، وتعزيز مهاراتهم المهنية التي يحتاجونها للمنافسة في السوق العالمية، كما أن الخطة ستقدم موارد وحوافز مالية لتطوير قطاع الرعاية الصحية الفلسطيني، وتحسين الخدمات والمعايير فيه، فضلًا عن منح استثمارات في مجال القطاع الثقافي، وتقديم الدعم المالي للفنانين والموسيقيين الفلسطينيين.

وعلى الرغم من جميع الوعود الاقتصادية التي تحاول واشنطن عبرها دفع السلطة الفلسطينية للقبول بمؤتمر البحرين، فإنها لا تزال تلقى رفضًا فلسطينيًا قاطعًا. ويوم الأحد طالب وزير المالية والتخطيط الفلسطيني شكري بشارة وزراء المالية العرب بضرورة تفعيل شبكة الأمان العربية بقيمة 100 مليون دولار شهريًا، وفقاً لقرارات جامعة الدول العربية.

مطالب الوزير الفلسطيني جاءت في افتتاح الاجتماع الطارئ لوزراء المالية العرب لبحث كيفية توفير شبكة الأمان المالية لدولة فلسطين، والتي تساءل خلالها عن كيفية نمو اقتصادي قابل للديمومة في ظل حرمان الفلسطينيين من الاستثمار في أكثر من 64 بالمائة من الأراضي المعروفة بمناطق ج بعدما أصبحت مخصصة "لتطوير المستوطنات وللأغراض العسكرية الإسرائيلية"، مشيرًا إلى أن حركة المواطنين الفلسطينيين، والسلع داخليًا تتعرض لسلسلة معوقات من الحواجز العسكرية في الضفة تزيد عن 700 حاجز عسكري إسرائيلي.

رؤية واشنطن للحكومة الفلسطينية

ويزعم التقرير أن خطة السلام من أجل الازدهار سوف تدعم القطاع العام الحكومي، وتوفر الخدمات والإدارة اللازمة للفلسطينيين من أجل أن يكون لهم مستقبل أفضل، والمساعدة بوضع استراتيجية لإصلاح القطاع العام الفلسطيني، على غرار تجارب دول شرق آسيا التي نهضت اقتصاديًا في أكثر الأوقات الاقتصداية حرجًا كما يقول التقرير، الذي أضاف أن الخطة ستمكن السلطة الفلسطينية من  رسم مسار جديد للفلسطينيين، فضلًا عن إعادة بناء مؤسسات القطاع العام الفلسطيني، وتوجيه السلطة الفلسطينية لتعزيز استقلال القضاء، ودعم منظمات المجتمع المدني.

وكان كوشنير قال في حوار مع صحيفة القدس الفلسطينية إن الخطة الاقتصادية الأمريكية تشمل تأسيس مشاريع استثمارية كبرى في البنية التحتية الحديثة، والتدريب المهني والتحفيز الاقتصادي للفلسطينيين، وهي جميعها من أفكار رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق شمعون بيريز، وغيره من الزعماء الإسرائيليين الذين رأوا أن التطبيع العربي مع إسرائيل كفيل باختفاء القضية الفلسطينية، وتبقى القضايا المعيشية الحياتية.

ويرى المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات أن الخطة الاقتصادية لا تعد خطة تسوية أصلًا، بل فرض لوجهة نظر مفادها بأنه لا توجد قضية وطنية فلسطينية، بل قضايا إنسانية معيشية. إنها أقرب إلى رؤية اليمين الإسرائيلي للتسوية السياسية، بإملاء وجهة النظر الإسرائيلية القديمة على العرب، وجوهرها "السلام الاقتصادي" من خلال مجموعة من المحفزات الاقتصادية، مشيرًا إلى أن الجديد في هذه الخطة هو إسهام دول خليجية في دفع تكلفة هذا السلام الذي يقود إلى دمج إسرائيل في المنطقة.

ويشير تقرير السلام من أجل الازدهار في نهايته إلى أنه لتحقيق معايير نماذج القطاعات الخاصة الناجحة يجب على القطاع العام الفلسطيني تحقيق الاستقرار والاستقلال المالي، وتقديم الرعاية للعاملين ضمنه، وتقديم خدمات جيدة للفلسطينيين، فملخص الرؤية الاقتصادية لمؤتمر البحرين تهدف لتوفير الخدمات الحكومية بتكلفة منخفضة وجودة عالية، بحسب ما يذكر التقرير عينه.

وتعليقًا على أهم النقاط التي تتضمنها صفقة القرن برعاية أمريكية اعتبر الزميل بمركز سياسات الشرق الأوسط بمعهد بروكنجز شادي حامد في مجلة ذي أتلانتك الأمريكية أنه من "الأفضل للولايات المتحدة الابتعاد عن عملية سلام وهمية إذا كانت غير راغبة في ممارسة ضغوط جدية على إسرائيل أو التعامل بجدية مع الاعتراضات الفلسطينية، بدلاً من إضفاء الشرعية على سلوك إسرائيل أو إعطاء وهم التقدم دون مضمون".

اقرأ/ي أيضًا: جديد علاقات إسرائيل مع السعودية والإمارات.. ترتيبات ما قبل صفقة القرن

وكانت صحيفة يسرائيل هيوم العبرية قد كشفت مؤخرًا أن أبرز النقاط التي تتضمنها صفقة القرن توقيع اتفاقية ثلاثية بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية وحركة حماس تنص على إنشاء دولة فلسطينية تسمى "فلسطين الجديدة"، في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة باستثناء المستوطنات الإسرائيلية المقامة بالضفة.

تشير التقارير المتعلقة بمؤتمر البحرين إلى أن الدول المانحة، والمستثمرين المشاركين بالمؤتمر سيقدمون 28 مليار دولار لمناطق نفوذ السلطة الفلسطينية في الضفة والقطاع لدعم السلام الاقتصادي

وأضافت الصحيفة العبرية أن الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية ستبقى تحت سيطرة إسرائيل، وستنضم إليها مستوطنات معزولة، وسوف تتوسع مناطق الكتل لتصل إلى المستوطنات المعزولة التي ستضاف إليها، فيما لن يتم تقسيم القدس التي ستكون عاصمة لإسرائيل، وما أسمتتها بـ"فلسطين الجديدة"، وسيكون السكان العرب هم مواطنو فلسطين الجديدة.