عصر بوتفليقة.. من تقديس الوطن إلى تقديس الفرد

عصر بوتفليقة.. من تقديس الوطن إلى تقديس الفرد

استقر في الأذهان أن بوتفليقة صاحب الفضل في كل شيء ومن الظلم للشعب استخلافه بغيره (أسوشيتد برس)

نال الرّئيس الجزائري الأسبق الشّاذلي بن جديد (1929-2012) من سخرية الجزائريين ما جعله وجبة فكاهية يومية على مدار عشرية من الزّمن، رغم أنه من أطيب الرّؤساء الذين عرفهم الجزائريون، ونالهم في عهده من رغد العيش ما لم يعرفوه قبله وبعده. فقد تخصّصت النكتة فيه، وصوّرته على أنّه "غبيّ وأبله"، وباتت عبارة "هل من جديد عن الشّاذلي؟" أوّل سؤال يبادر به الجزائري من يلقاه.

إن أربع عهدات للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة كانت كافية لأن تُشترى ضمائرُ كثيرة، من خلال سياسات الرّيع الحكومي

استقال الرّجل، أو أقيل، عام 1992. ودخلت البلاد مباشرة بعد ذلك في طاحونة من العنف والإرهاب، وجيء بالثوريّ محمّد بوضياف من منفاه الاختياريّ المغربي، فلم يمكث إلا ستة أشهر حتى أُرسل إلى السّماء، على مسمع ومرأى الجزائريين في الأرض، ثمّ خلفه الثوريّ والمعلّم علي كافي، ثم العسكري اليمين زروال، الذي تنازل عن الحكم الذي آل إلى الرّئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة عام 1999.

اقرأ/ي أيضًا: عيد ميلاد بوتفليقة على فيسبوك.. وليمة للسخرية

كان "إطفاء نار الفتنة" أوّل ما تعهد به الرّجل، وقد أنجز وعده فعلًا، بغضّ النّظر عن وجاهة الآليات أو تعسّفها. فما همَّ الجزائريين البسطاء أنّهم لم يعودوا يدخلون بيوتهم عند المغرب مثل الدّجاج. وأنّهم باتوا يسيرون في طرق كانت بالأمس القريب حاصدةً للرّؤوس ومزهقةً للنّفوس، من غير أن يعترض سبيلهم معترض، ما عدا بعض الحيوانات البرية. وهي مزية كبيرة في نظر من اكتوى بنار العشرية السّوداء.

لكن هل يجوز لصاحب هذا الفضل أن يحتكر الكرسيّ؟ ويجعل المناصب الكبرى في الدّولة رهن إشارته، فيعطيها لمن مجّد شخصه حتى وإن كان غير جدير بها، على حساب الكفاءات والرّهانات الوطنية؟ إذ بات سائدًا في البلاد، حتى أنّ الأمر تحوّل إلى قناعة راسخة؛ أنه لا يمكن لشخص من الأشخاص أن يصل إلى منفذ من منافذ الإدارة أو الوزارة أو السّفارة، إذا لم يكن دائرًا في فلك الرّئيس. وهو ما جعل الكفاءات الوطنية في المجالات كلّها إمّا أن تهاجر، وإمّا أن تبارك، وإمّا أن تعارض وتتحمّل الثمار الناتجة عن خيارها. وما يدعو إلى الانتباه أن النظرة الشّعبية لهذا النوع من الكفاءات باتت تقوم على الاستهزاء، فتوصف بـ"الجايحة" أي البلهاء.

إن أربع عهدات للسيّد بوتفليقة كانت كافية لأن تُشترى ضمائرُ كثيرة، من خلال سياسات الرّيع الحكومي، حتى بات محيطه في الحملات الانتخابية يُنسب إليه الإنجازات، بما فيها تلك الدّاخلة في حقوق المواطن، فاستقرّ في الأذهان أنه صاحب الفضل في كلّ شيء، ومن الظلم للشّعب استخلافه بغيره.

انتشرت في الجزائر عبارة "تحت الرعاية السامية للرئيس"، حتى بات كل شيء حرفيًا يعقد برعاية الرئيس بما في ذلك مهرجان البعير!

لقد انتشرت عبارتا "تحت الرّعاية السّامية لرئيس الجمهورية" و"بأمر من الرّئيس"، حتى بات مهرجان البعير يعقد برعاية الرّئيس، مثلما حدث ذلك قبل أيّام في أقصى الجنوب، وبضعة محافظ مدرسية توزّع على الأطفال اليتامى والفقراء بأمر منه!

اقرأ/ي أيضًا: بوتفليقة يتلقى رسالة شعرية.. هل مرضك قدرنا؟

إنّ المجموعة الوطنية في الجزائر، خاصّة الكفاءات المعرفية، مطالبة برصد الثّمار السّوداء لسياسة تقديس الرّئيس على حساب تقديس الوطن، على مستوى الذّهنيات والنّفسيات والسّلوكات، قبل أن تتمّ خصخصة الدّولة نفسها لصالحه وصالح محيطه، ونجد أنفسنا رعايا لدى شخص، لا رعايا وطن ضحّى بشهداء يفوق عددهم عدد بعض الشعوب العضوة في هيئة الأمم المتّحدة.

هل ندرك خطورة أن يتصرّف الرّئيس على أنه هو الوطن؟ وأنّ معارضيه خونة للوطن نفسه؟ ما معنى أن يُسمح بتشويه أيقونة الثّورة جميلة بوحيرد، فقط لأنها لم تدخل تحت مظلّته، ويُفرش البساط الأحمر لشخص مبحوث عنه من طرف منظمة الشّرطة الدولية هو وزير الطاقة السّابق شكيب خليل؟ ما معنى أن يرحل في صمت ثوريون كانوا ضمن النواة الأولى لثورة التحرير، فقط لأنهم رفضوا تزكية سياساته، في حين تقام جنائز رئاسية لنكرات يفترض أن يحاكموا بتهمة أكل أموال الشّعب؟ 

لقد تعدّت هذه النزعة الشّخصانية حتى إلى الفنون التي ترعاها الحكومة. ففي مجال السّينما مثلًا، انتقلنا من إنتاج الأفلام الثورية التي تمجّد الجماعة التي قامت بالثورة، ذلك أن الزّعامة فيها كانت جماعية، إلى إنتاج أفلام ثورية تمجّد الأشخاص، إذ تكفي ميزانية فيلم واحد لإنعاش المشهد السينيمائي الجزائري، الذي بات هشًّا حتى أمام مشاهد أفريقية يصعب فيها على النّاس تحصيل الخبز.

باتت المجموعة الوطنية في الجزائر، خاصة الكفاءات المعرفية، مطالبة برصد الثمار السوداء لسياسة تقديس الرئيس على حساب تقديس الوطن

أمام هذا الوضع، أليس حريًّا بالجزائريين أن يعتذروا للرّئيس الشّاذلي بن جديد على أنّهم ظلموه بالضّحك عليه؟ وأن يزوروا الرّئيس اليمين زروال في بيته، مثلما يُزار كبير قوم حكيم وعاقل، هو الذي زهد في السّلطة، وقد كان قادرًا على أن يبقى فيها حتّى اليوم؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

 أجنحة الحكم في الجزائر.. تناقضات مقصودة

هكذا ضربني الرئيس الشاذلي بن جديد