27-مارس-2018

دمشق عام 1920

يشتغل الباحث والمؤرِّخ السوريّ عبدالله حنّا (1932) في كتابه الجديد "صفحات من تاريخ الأحزاب السياسيّة في سورية القرن العشرين وأجواؤها الاجتماعيّة" (المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات، 2018) على رصد وتبيان أبرز العوامل التي شكَّلت، مجتمعةً، ضرورة قيام أحزابٍ سياسيّة في المنطقة، كالعوامل الاقتصادية – الاجتماعيّة، ومن ثمّ التأثيرات التراثيّة، وتأثيرات أخرى غربية – أوروبيّة رأسماليّة واشتراكيّة، لينتقل لاحقًا لفرد مساحاتٍ في كتابه لتناول حياة تلك الأحزاب، ابتداءً من القرن العشرين وحتّى القرن الواحد والعشرين.

قدرة الحزب السوري القومي على النفاذ إلى المجتمعات العلويّة والمسيحيّة تأتي من كون هذه المجتمعات غير متمسكةً بالعروبة المرتبطة بالإسلام

يقوم كتاب "صفحات من تاريخ الاحزاب السياسية" إذًا، والواقع في 592 صفحة، موزّعة على 22 فصلًا، على ثنائية التأريخ من جهة، والبحث من جهة أخرى. وهكذا، سنتعرّف على شخصياتٍ بارزة من التيار السلفي النهضوي. يقول المؤلّف عبدالله حنا إنها لعبت دورًا مهمًا في مواجهة الاستبداد من جهة، والعمل على إخراج سوريا من الجهل الذي كان يلفّها آنذاك إلى عالم الرقي والمعرفة من جهة أخرى. ويُشدِّد عبدالله حنا، صاحب "الاتّجاهات الفكريّة في سورية ولبنان، 1973" على أنّ تلك الشخصيّات ساهمت في تكوين الأحزاب السياسية وتطوير تلك الناشطة في الساحة السياسيّة السوريّة آنذاك، كحركة الإخوان المسلمين التي سلكت طريقًا مختلفًا عن ذلك الذي سلكته الحركة الأم في مصر، من ناحية التعامل مع الأقليّات الدينيّة، حيث كانت الحركة في سوريا حريصة على سلوكها نهج الاعتدال والتسامح معها.

اقرأ/ي أيضًا: العرب وأمريكا.. علاقة قلقة

جاء تناول عبدالله حنّا صاحب كتاب "المرشدية في محيطها العلوي وأجواءها السياسيّة والاجتماعيّة" للدولة الوطنيّة السوريّة بين عامي 1918 – 1920 سبيلًا لعرض الكيفيّة والأجواء التي تكوّنت فيها الأحزاب السوريّة. يقدّم كلٍّا من: ثورة إبراهيم هنانو من جهة، والأجواء العشائريّة في دير الزور من جهة أخرى كنموذجين، ومن بعد ذلك، يذهب حنّا إلى استعراض مسيرة الأحزاب السوريّة في عهد الاستقلال، وهي "الحزب الوطني" و"حزب الشعب" و"حركة التحرير العربي".

جاء الكاتب عبدالله حنا على ذكر عدّة أحزاب شُكّلت في تلك الفترة، مستعرضًا مسيرة كلٍّ واحدٍ منها على حدا. إذ فرد في كتابه فصلًا كاملًا للحديث عن الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي أسّسهُ اللبناني أنطون سعادة سنة 1932. قائلًا إنّ قدرة الحزب على النفاذ إلى المجتمعات العلويّة والمسيحيّة جاء انطلاقًا من كون هذه المجتمعات كانت غير متمسكة بالعروبة المتداخلة والمرتبطة بالإسلام، ولذلك كان من السهل العمل على إقناعها بالهويّة القوميّة السوريّة، التي يتعصب الحزب لها على حساب القوميّة العربيّة التي كان لموقفه منها التباسات متعدّدة يعتريها نوع من الازدراء. وبالتالي، يوضّح عبدالله حنّا السبب وراء عدم تغلغل فكر هذا الحزب في المجتمعات المسلمة السنّية، كونها متمسكةً بالعروبة ورافضةً لطمس الهويّة العربيّة على حساب الهويّة السوريّة التي دعا الحزب، ولا يزال، إليها.

صفحات من تاريخ الأحزاب السياسية في سورية

ينتقل المؤلّف عبدالله حنا بعد ذلك للحديث عن حركة الإخوان المسلمين. ويقول في هذا الفصل المعنون بـ"الإخوان المسلمين" إنّ الحركة الأم في مصر استمدّت أفكارها من السلفية الصحراويّة في نجد، على عكس الحركة في سوريا، والتي استمدّت أفكارها من السلفية النهضويّة الشاميّة التي سارت على طريق أفكار الإصلاحي محمد عبده. ويشير الباحث في هذا الفصل إلى سعي الحركة في سورية، كما عدّة تيّارات سلفية نهضويّة، على تبيين الإسلام الصحيح من ذلك المحرّف وفقًا لمشيئة رجال دين ساهموا على نحوٍ لا يوصف في عزله وتأطيره.

لحزب البعث مساحة أيضًا في كتاب عب الله حنّا، إذ يروي صفحاتٍ من سيرته قبل اندماجه مع الحزب الاشتراكي، مؤكّدًا أنّ ثمّة من تأثّر داخل هذا الحزب بالفكر القومي الألماني، مبرهنًا على القدرة على تحقيق الوحدة العربيّة من خلال هذا الفكر الذي حقّقَ الوحدة الألمانيّة. بينما تأثّر آخرون بالماركسية واشتغلوا من خلالها على الوصول إلى الاشتراكيّة.

استمدت الحركة الإخوان المسلمين الأم أفكارها من السلفية في نجد، فيما الحركة في سوريا أفكارها من السلفية النهضويّة الشاميّة

يستكمل عبدالله حنّا الحفر في تاريخ الأحزاب السوريّة، منتقلًا إلى الحزب العربي الاشتراكي الذي نهض على مبادئ محاربة الإقطاع والتصدّي لها. ومن بعده الحزب الشيوعيّ الذي تناول المؤرّخ سيرة مؤسِّسه خالد بكداش والتباس موقفه حول قرار عصبة الأمم بتقسيم فلسطين وسط تأييدٍ سوفياتي للقرار أيّده خالد بكداش بدوره، لتسجّل بذلك محطةً حرجةً في تاريخ الحزب الذي تأرجح بين الهبوط والصعود في المشهد السياسي السوريّ طيلة سنواتٍ مضت.

اقرأ/ي أيضًا: تبغ وزيتون: حكايات وصور من زمن مقاوم

يواصل عبدالله حنّا كتابه على هذا المنوال، مستعرضًا شخصياتٍ فكريّة بارزة في المشهد السياسي والثقافي السوريين. متوقفًا عند أحداث بارزة في تاريخ البلاد الحديث، كالوحدة السوريّة – المصريّة، وصراع البعث والإخوان المسلمين، وغيرها من الأحداث. وبالتالي، نحن في هذا الكتاب إزاء مادّة تاريخيّة دسمة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"ابن تيمية وعصره" كما تراه الأكاديمية الغربية

شمس الدين الكيلاني.. مدخل في الحياة السياسيّة السوريّة