14-يناير-2018

دبابة إسرائيلية في بيروت 1982

مثّلت الحرب الأهليّة اللبنانيّة، يُضاف إليها كلّ من الاجتياح الإسرائيلي سنة 1982، وتدخّل النظام السوري عسكريًا في لبنان أيضًا قبل ذلك؛ نقطة تحوّل مُهمّة في مسار الثورة الفلسطينيّة المُعاصرة؛ إن كان ذلك على صعيد ما اكتسبتهُ الثورة الفلسطينيّة من أهميّة وخبرات عسكريّة نتجت بالدرجة الأولى عن المواجهات المُباشرة مع الجبهة اللبنانيّة والتصدّي للهجمات الإسرائيليّة في الجنوب وبيروت، أو من ناحية المتغيّرات السياسيّة التي حدثت آنذاك، وحدّدت إلغاء الدور الفلسطينيّ في لبنان هدفًا لها، ولعلّ تغيير النظام السوري وحلفائه في لبنان موقفهم من منظمة التحرير الفلسطينيّة ومحاربتها يعدّ أبرز مثالًا على ذلك، حيث أنهت تلك الحرب، جزئيًا، النشاط الفلسطينيّ المقاوم في لبنان، والذي كان متعارضًا أو يقف على النقيض من السياسات السوريّة.

مثّلت الحرب الأهليّة اللبنانيّة، والاجتياح الإسرائيلي، وتدخّل النظام السوري؛ نقطة تحوّل مُهمّة في مسار الثورة الفلسطينيّة المُعاصرة

تتعدّد الروايات حول تلك الحقبة الزمنيّة وأحداثها، بدءًا من الرواية اللبنانيّة بشقّيها؛ رواية الحركة الوطنيّة اللبنانيّة التي ساندت منظمة التحرير الفلسطينيّة، ورواية الجبهة اللبنانيّة التي حاربتها، مرورًا بالرواية الإسرائيليّة التي لا تزال محل طرح وتساؤلات، إذ إنّها دائمًا قابلة لأن تروى من جديد بتفاصيل جديدة تعمّدت القيادة الإسرائيليّة سابقًا إخفاءها. وانتهاءً بالرواية الفلسطينيّة التي يفتقر جلّها إلى الوثائق، وهذا عائدٌ بطبيعة الحال إلى عدم تدوين البعض لأحداث تلك الفترة، أو تلف ما دوّن في المعارك والمواجهات. ولكنّ هذه الروايات غالبًا تتمحور حول معارك الدفاع عن بيروت، دون ذكر دور المقاومة الفلسطينيّة، وحركة التحرير الوطنيّ الفلسطينيّ "فتح" تحديدًا، في مواجهة الاجتياح الإسرائيليّ للجنوب اللبنانيّ.

 

في كتاب "تبغ وزيتون: حكايات وصور من زمن مقاوم" (المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات) لقائد كتيبة الجرمق، إحدى كتائب قوات العاصفة، معين الطاهر؛ استعراض مُباشر لتلك المرحلة في تاريخ الثورة الفلسطينيّة، وتوثيق لأبرز أحداثها استنادًا على معايشة الطاهر لها، فضلًا عن شهادات لرفاق تلك المرحلة، وفرْد الطاهر مساحات واسعة في الكتاب لأحداثٍ ظلّت مهمّشةً في الروايات السائدة عنها، أبرزها دور حركة التحرير الوطنيّ "فتح" في مواجهة الاجتياح الإسرائيليّ للجنوب اللبنانيّ، وعمليّات الحركة خلف خطوط العدو ما بين سنتيّ 1982- 1983. ما يُخرج الكتاب من إطار السيرة الذاتيّة إلى السيرة الجماعيّة.

يقدّم الفصل الأوّل "بدايات" ما يُمكننا تسميتهُ تمهيدًا للأحداث المُتعاقبة لاحقًا. إذ تحدّث معين الطاهر في هذا الفصل من كتاب "تبغ وزيتون" عن مرحلة مفصليّة في تاريخ الصراع العربيّ الإسرائيليّ، وهي نكسة 1967 بوصفها حدثًا غيّر الكثير من المفاهيم، وألقى بحمل المواجهة الإسرائيليّة على عاتق المقاومة الفلسطينيّة بعد الهزيمة العربيّة. ويُبرز معين الطاهر في هذا الفصل دور تلك المرحلة في إنشاء هويّة ثوريّة فلسطينيّة جامعة وأشدّ قوّة في المناطق التي سقطت إبّان النكسة، الأمر الذي دفع الشبّان والشابّات إلى سلك طريق المقاومة الذي سلكهُ الطاهر نفسه بانضمامه إلى حركة "فتح" في الخامسة عشرة من عمره في مدينة نابلس.

بعد هذه المرحلة، يستعرض معين الطاهر في الفصل الثاني "إربد 1968" مرحلةً أشد حساسيّة وتأثيرًا على العمل الثوري الفلسطينيّ، تتمثل بخروج القوى الثوريّة الفلسطينيّة بشكلٍ عام، وحركة "فتح" بشكلٍ خاص، من الأردن عقب أحداث "أيلول الأسود". وذلك من خلال سرده في البداية لطبيعة عمله في صفوف "فتح"، الذي كان مقتصرًا على جمع التبرعات وتجنيد الأعضاء، قبل نشاطه في التنظيم الطلابيّ لحركة "فتح"، والذي نتج عنه لاحقًا السريّة الطلابيّة قبل أن تتحول إلى كتيبة الجرمق، وتشكّل أبرز ركائز قوات العاصفة في لبنان.

يضع معين الطاهر في هذا الفصل مفارقةً شديدة الأهميّة، متمثّلةً بانتقال حركة "فتح" من مرحلةٍ إلى أخرى، حيث إنّ نكسة 1967 أنتجت تعاطفًا عربيًا، وأردنيًا بشكلٍ خاص، مع المقاومة الفلسطينيّة. يُضاف إليها معركة الكرامة التي عزّزت من مكانة "فتح" في الأردن، ولكنّ الحركة، فضلًا عن بقيّة القوى الثوريّة الفلسطينيّة، كما أوضح معين الطاهر، لم تعمل على استثمار تلك التطوّرات بشكلٍ صحيح، إذ إنّ بعض التصرفات ذات نزعة طفوليّة يساريّة، ومنها شعار الجبهة الديمقراطيّة آنذاك "كلّ السلطة للمقاومة"، أثارت جدلًا واسعًا وانتقادات حادّة من القيادة الأردنيّة متمثّلةً بالملك حسين بن طلال، الأمر الذي مهّد حينها لما وصفها معين الطاهر بـ"الثورة المضادّة" للعمل على استغلالها لتمرير اصطدامها مع الثورة وطردها من الأردن. ويعلّق معين الطاهر على ذلك قائلًا: "فشلت الثورة الفلسطينيّة في فهم بنية المجتمع الأردني والتعامل معه، فخسرت نتيجة ذلك جزءًا من التعاطف الذي حظيت به بعد حرب 1967" (ص40). كما يقول معين الطاهر أيضًا إنّ الخروج من الأردن أفقد الثورة الفلسطينيّة قاعدتها الارتكازيّة الأساسيّة، الأمر الذي مثّل خسارةً استراتيجيّة لمشروع المقاومة.

أسّسَ خروج المقاومة الفلسطينيّة من الأردن إلى لبنان مرحلةً جديدة اتّسمتْ بالعمل المُنظّم وتوسّع نفوذ الثورة وامتدادها. فضلًا عن قدرتها في التأثير على الشباب اللبنانيّ، ذوي التوجّهات اليساريّة تحديدًا. ما أدّى إلى تشكّل حالة من الخوف في صفوف الرافضين للوجود الفلسطينيّ في لبنان، وتجلّى ذلك واضحًا بعد التشييع – الذي يصفهُ الطاهر في هذا الفصل الموسوم بـ"لبنان 1973" بالعرس اللبنانيّ الفلسطينيّ – لجنازة شهداء عمليّة فردان التي نفّذتها وحدات من الكوماندوس الإسرائيليّ، مُستهدفةً حياة كلّ من كمال عدوان وكمال ناصر وأبو يوسف النجّار، حيث قامت آليّات الجيش اللبنانيّ بعد التشييع بمحاصرة المُخيمات الفلسطينيّة ومحاولة السيطرة عليها.

يعدُّ هذا الفصل من كتاب "تبغ وزيتون"، أي الفصل الثالث، تمهيدًا للحديث عن الحرب الأهليّة في لبنان، وذلك من خلال استعراض معين الطاهر للأحداث – بسياقاتِها المُختلفة – التي سبقت ومهَّدتْ لحدوث الحرب، بدءًا من الحصار الذي فرضهُ الجيش اللبنانيّ على المُخيَّمات ومحاولته السيطرة عليها لإيقاف المد الثوريّ الفلسطينيّ، وتقدّم آلياته العسكريّة نحو الجامعة العربيّة التي كانت آنذاك معقلًا لطلبة "فتح" وتنظيمات اليسار اللبنانيّ، الأمر الذي دفع "أبو حسن قاسم وغيفارا" لوقف التقدم من خلال إطلاقهما قذيفة دفعت القوات اللبنانيّة إلى التراجع، وحوّلت المنطقة المُحيطة للجامعة العربيّة حينها إلى مواقع وحواجز عسكريّة بقيادة طلّاب "فتح" واليسار اللبنانيّ.

أسّسَ خروج المقاومة الفلسطينيّة من الأردن إلى لبنان مرحلةً جديدة اتّسمتْ بالعمل المُنظّم وتوسّع نفوذ الثورة وامتدادها

يتابع معين الطاهر في الفصل الرابع من "تبغ وزيتون"، تحت عنوان "الحرب الأهليّة 1975"، استعراض الأحداث التي شكّلت معًا بدايةً للحرب الأهليّة اللبنانيّة، منطلقًا من الخلافات الداخليّة بين الأحزاب والتيّارات السياسيّة، أي بين الجبهة الوطنيّة ومؤسّسة الجيش التي تتولى الجبهة إدارتها، وبين الحركة الوطنيّة مدعومةً من المقاومة الفلسطينيّة. إذ يقول إنّ خروج المُخيمات الفلسطينيّة عن سيطرة جهاز الاستخبارات اللبنانيّ، فضلًا عن توسّع قوّة المقاومة الفلسطينيّة، شكّل لدى أحزاب الحركة الوطنيّة والطوائف الإسلاميّة شعورًا بإمكانيّة إعادة النظر في المُعادلة الطائفيّة، ورسمها مجدّدًا استنادًا إلى قوّة المقاومة الفلسطينيّة، وبشكلٍ يضمن للمسلمين في السلطة مكانةً مُعادلةً للمكانة المارونيّة، الأمر الذي قاد الجبهة اللبنانيّة بأحزابها اليمنيّة لاعتبار الوجود الفلسطينيّ تهديدًا للدولة اللبنانيّة واعتداءً على سيادتها. بالإضافة إلى دعوة رئيس حزب الكتائب بيار الجميل إلى تجميد النشاط الفدائيّ في لبنان.

بالنظر إلى الانطلاقة الفعليّة للحرب الأهليّة، بعيدًا عن الصراعات السياسيّة، نجد أنها بدأت فعلًا بعد دعوة الحركة الوطنيّة والمقاومة الفلسطينيّة إلى عزل "حزب الكتائب" عن الحياة السياسيّة وحلّه ومصادرة أمواله، وذلك بعد حادثة باص عين الرمانة التي نفّذها الحزب.

يرى معين الطاهر أنّ المتغيّرات الحاصلة آنذاك في الساحة السياسيّة اللبنانيّة بفعل الحرب الأهليّة، فرضت على التنظيم الطلابيّ انتقاله من كونه تنظيمًا طلابيًا محدود القدرات، إلى سريّة طلابيّة عسكريّة أسّست تيّارًا مغايرًا في صفوف حركة "فتح" وقف، نظريًا، ضدّ عزل حزب الكتائب، وأنّ ذلك القرار يصبُّ في مصلحة الحزب من حيث إظهاره قائدًا لما بات يُعرفُ حينها بـ"المُعسكر المسيحيّ". كما أكّد ذلك التيّار بكوادره وقادته على ضرورة تصحيح اتجاه البنادق بوصف ذلك طريقًا للخروج من الحرب الأهليّة، ووقف الاقتتال الفلسطينيّ – السوري الذي جاءَ كمحاولة من النظام السوري لفرض سياساته في لبنان على المقاومة الفلسطينيّة، دون أن تكون المقاومة، كما أوضح معين الطاهر، من دُعاة الاشتباك مع الجيش السوريّ، ولكنّها رأت أنّ صمودها أمامه كفيلًا بإعادة التوازن للعلاقة السوريّة – الفلسطينيّة.

 

 

كتاب تبغ وزيتون معين الطاهر

ينتقل معين الطاهر في الفصل الخامس "الجنوب 1976" إلى الجنوب اللبنانيّ مُقدمًا روايةً مُغايرةً للروايات السائدة حول دور حركة "فتح" عمومًا، والكتيبة الطلابيّة خصوصًا في الدفاع عن الجنوب، مُستعرضًا تلك المرحلة من خلال وقوفه على أبرز أحداثها ومُتغيّراتها، مُفصِّلًا دور الكتيبة الطلابيّة في مواجهة قوات سعد حداد المعروفة حينها بـ"قوات الشريط الحدودي"، والمعارك التي خاضتها دفاعًا عن البلدات الجنوبيّة، ولعلّ معركة استعادة بلدة "مارون الراس"، التي وصفت آنذاك بمعركة الكتيبة الطلابيّة، نظرًا لما قدّمته على صعيد الإعداد والتنفيذ؛ تعدُّ أبرز معارك الكتيبة غير المرتبطة بالتنظيمات العسكريّة لحركة "فتح" سابقًا، أي قبل اندماجها في "قوات العاصفة" مُشكّلةً الكتيبة الرابعة في "قوات القسطل" العاملة في الجنوب اللبنانيّ، فضلًا عن أنّها شكّلت نقلةً نوعيّة في قدرات الكتيبة العسكريّة، وأكّدت على ضرورة الاعتراف بها قوّةً فاعلةً ومتميزةً داخل قوات العاصفة.

بالعودة مُجدَّدًا إلى معركة استعادة بلدة مارون الراس، يؤكّد الطاهر إنّ المعركة شكّلت ضربةً للعدو الإسرائيليّ، ومهّدت لتدخله المُباشر من خلال اجتياحه للجنوب اللبنانيّ ضمن ما يُعرف بمعركة الأيام الثمانيّة، وذلك بعد يقينه بأنّ قوات سعد حداد لن تكون قادرةً على تحقيق إنجازات عسكريّة على الأرض، وتنفيذ أجندته في الجنوب، فضلًا عن حمايته من ضربات المقاومة الفلسطينيّة التي صدّت اجتياحه آنذاك، وفي مقدِّمتها الكتيبة الطلابيّة – الجرمق.

في الفصل السادس "ما بين حربين 1979-1982" يتحدّث معين الطاهر عن خلاف الفصائل الفلسطينيّة حول مركز الارتباط مع قوات اليونيفيل التي دخلت بعد انسحاب الجيش الإسرائيليّ، ويذكر الطاهر أنّ الخلاف كان قائمًا بين منظمة التحرير الفلسطينيّة وما يُعرف بـ"جبهة الرفض" التي كانت تعملُ على تأليف مركز ارتباط خاصًّا بها، الأمر الذي دفع "جبهة التحرير الفلسطينيّة" إلى اختطاف عددٍ من جنود وضبّاط اليونيفيل واستخدامهم ورقة ضغط على منظمة التحرير التي أصدرت آنذاك أمرًا بمهاجمة مواقع الجبهة، ما أسفر بالتالي عن اتفاقٍ نهائيّ ينصُّ على أنّ الارتباط الفلسطينيّ هو ارتباط لكلّ الفصائل.

ينتقلُ معين الطاهر بعد ذلك للحديث عن المتطوّعين في صفوف الكتيبة الطلابيّة التي كانت آنذاك تمثّل نقطة جذب للمقاتلين من مختلف الدول العربيّة والعالميّة، مُستعرضًا تجارب ثلاث جنسيّات في العمل الفدائيّ في صفوف الكتيبة، الإيرانيّة واليمنيّة والبنغلادشيّة، بيد أن التجربة الأكثر نجاحًا كانت تجربة المقاتلين اليمنيين، إذ شدّدَ الطاهر في حديثه على ما يُميزهم عن بقيّة المقاتلين، من صلابة عسكريّة وروح قتاليّة عالية وجاهزيّة دائمة للقيام بالمهمّات الصعبة، فضلًا عن سرعة اندماجهم في حياة الكتيبة، مقدّمًا عبد الكريم الكحلاني، الرقيب أوّل في الجيش اليمنيّ، ونائب قائد قلعة الشقيف التي استُشهدَ بها، مثالًا على ذلك، واصفًا المقاتل اليمنيّ بأنّهُ مثال ساطع للمقاتل العربيّ.

شكّلت معركة استعادة بلدة مارون الراس ضربةً للعدو الإسرائيليّ، ما مهّد لتدخله المُباشر من خلال اجتياحه للجنوب اللبنانيّ

في نهاية الفصل، يذكر معين الطاهر إنّ ما ميّز الكتيبة عن سواها آنذاك هو قدرتها في الحفاظ على المتطوّعين، على العكس من بقيّة الوحدات العسكريّة التي كانت تُعاني نقصًا بشريًّا حادًا، وهذا عائدٌ إلى إنشاء الكتيبة شبكة مُهتمّة في تجنيد المقاتلين ونقلهم إلى لبنان.

يستعرض معين الطاهر في الفصل السابع "الانتقال إلى النبطيّة – الشقيف" مرحلةً جديدة في تاريخ الكتيبة الطلابيّة، وضعتها وجهًا لوجه في مواجهة الاجتياح الثاني للعدو الإسرائيليّ لمدينة النبطيّة، مُستهدفًا هذه المرّة مواقع كتيبة بيت المقدس المُنتشرة في آرنون وقلعة الشقيف وتبنيت وحرج علي طاهر، الأمر الذي استدعى تحركًا سريعًا من إحدى سرايا الكتيبة نحو مدينة النبطيّة، وذلك تزامنًا مع انسحاب الجيش الإسرائيليّ منها.

انتشرت حينها قوّات الجرمق في قلعة الشقيف التي دمّر العدو أجزاءً واسعةً منها، لتعمل حينها على تحصين القلعة وإعادة تأهيلها ضدّ هجماته، وقد أُلقيت هذه المهمّة على كاهل الشهيد علي أبو طوق الذي حوّلها إلى حصنًا منيعًا من خلال العمل دون توقّف، فضلًا عن دوره في إعادة تسليح الكتيبة. ويختصر معين الطاهر دور علي أبو طوق باستحضاره قولًا كُتب على أحد جدران القلعة "بناها بوفور، حرّرها صلاح الدين، وغيّر معالمها علي أبو طوق" (ص 161).

لم يكن اهتمام الكتيبة الطلابيّة، كما أوضح معين الطاهر في الفصل الثامن "عبور النهر"، مُنصبًّا في الدفاع على الجنوب اللبنانيّ وتعزيز مواقع الكتيبة هناك فقط. حيث كان هاجس الكتيبة الأوّل هو الدخول إلى الأراضي المُحتلّة بدءًا من الحدود السوريّة – الأردنيّة، ثمّ الحدود الأردنيّة – الفلسطينيّة، بهدف إقامة قواعد ارتكاز للمقاومة هناك هدفها الأوّل التوسّع والامتداد وتنفيذ العمليّات الفدائيّة.

ويؤكّد معين الطاهر إنّ الأمر لم يكن سهلًا نظرًا للعلاقة السيئة آنذاك بين منظمة التحرير الفلسطينيّة والقيادة الأردنيّة المتوجّسة من عودة النشاط الفدائيّ إلى الأردن. وفي السياق ذاته يستعرض معين الطاهر تفاصيل الإعداد لعمليّة الدبويا التي نُفِّذت في الثاني من آيّار/مايو 1982 في مدينة الخليل مُستهدفةً قافلةً للمستوطنين. ويختم الطاهر الفصل بحكاية زواجه من يسار.

من المعروف أنّ الحدث الأبرز في تلك المرحلة، بالنسبة للمقاومة الفلسطينيّة والدولة اللبنانيّة، كان الاجتياح الإسرائيليّ سنة 1982، والذي وصل إلى مدينة بيروت وعدّة مدن وبلدات في الجبل. وكان لذلك الحدث الذي تناولهُ الطاهر في الفصل التاسع من الكتاب، كما كلّ الأحداث السابقة، تأثيرًا على المقاومة الفلسطينيّة بشكل عام، والكتيبة الطلابيّة بشكل خاص، حيث نقلها الاجتياح من مواجهات مُتقطّعة مع العدو الإسرائيليّ إلى مواجهات مُباشرة ومُستمرّة، ولعل أبرزها معركة قلعة الشقيف التي مثّلت في حينها أسطورةً دفاعيّة وحدثًا تاريخيًّا في سجلّات الكتيبة الطلابيّة، ودارت حولها الكثير من الروايات، يذكر منها معين الطاهر الروايتين الإسرائيليّة والفلسطينيّة، قائلًا إنّ الأولى لا تزال قابلةً لأن تروى مُجدّدًا نظرًا لإخفائها الكثير من الأحداث والتفاصيل حول المعركة، مُستعرضًا شهادات لجنود وضبّاط إسرائيليين، مأخوذة من فيلم "الجرح الأخضر"، كانوا ضمن القوّات التي هاجمت القلعة، متحدّثين عن قوّة مقاومة المقاتلين الفلسطينيين داخلها، ومشخصين حجم ما تكبّدوه من خسائر بشريّة قُدِّرت بمئات الجرحى والقتلى، إذ أنّ القوات الإسرائيليّة، وكما قال النقيب إيل ليفي، كانت دائمًا تقع في مصائد نصبتها المقاومة الفلسطينيّة.

مثّلت معركة قلعة الشقيف في حينها أسطورةً دفاعيّة وحدثًا تاريخيًّا في سجلّات الكتيبة الطلابيّة

يشيرُ معين الطاهر في هذا السياق إلى إنّ الرواية الإسرائيليّة تعمّدت إخفاء الأعداد الحقيقيّة للقتلى والجرحى في المعركة، ليس على الصعيد الإعلاميّ فحسب، إنما داخل المؤسّسة العسكريّة الإسرائيليّة أيضًا، مُتعمّدةً في الوقت ذاته الهروب من السؤال حول أهميّة القلعة ليُدفع بكلّ تلك القوات والقتلى للسيطرة عليها، خاصًّة بعد تسليمها إلى قوّات الشريط الحدوديّ. كما تعمّدت أيضًا إخفاء حادثة إسقاط المقاومة الفلسطينيّة لطائرة حربيّة من طراز "سكاي هوك" وأسر قائدها.

بالانتقال إلى الرواية الفلسطينيّة حول المعركة، يقول معين الطاهر إنّها اقتصرت على سرد بطولات المُقاتلين داخل القلعة، بينما ظلّت أعدادهم وجنسيّاتهم وفصائلهم غير معروفة، وذلك عائد إلى افتقارها إلى شهادات حيّة لمن كانوا في داخل القلعة، عكس الرواية الإسرائيليّة، ولكنّها في الوقت ذاته أكّدت على أنّ القوات الإسرائيليّة استخدمت أنواعًا من الغازات السامّة لحسم المعركة والسيطرة على القلعة.

ما يُميّز كتاب "تبغ وزيتون" لمعين الطاهر أيضًا هو توثيقه لعمليّات المقاومة الفلسطينيّة خلف خطوط العدو الإسرائيليّ في الفصل العاشر "العمليّات خلف الخطوط"، مُستندًا في ذلك إلى مُعايشته لها، بالإضافة إلى دفاتر الشهيد علي أبو طوق الذي وثّق فيها عددًا من تلك العمليّات. ويذكر أنّ تنفيذ تلك العمليّات كان أمرًا صعبًا نظرًا للعلاقات المتوترة بين منظمة التحرير والقيادة السوريّة، حيث كانت القوّات السوريّة في لبنان تعتبر تلك العمليّات محاولةً لتوريطها في معارك مع القوّات الإسرائيليّة.

في هذا السياق، يستعرض معين الطاهر في كتاب "تبغ وزيتون" أبرز تلك العمليّات، بدءًا من عمليّة "شهداء قلعة الشقيف" التي كانت أوّل عمليّة خلف خطوط العدو، واستهدفت حينها حافلةً تقلُّ عددًا من الجنود الصهاينة، وأوقعت، حسب الرواية الإسرائيليّة للحادثة، ثمانية قتلى وثلاثين جريحًا. وشكّلت تلك العمليّة حافزًا لانطلاق عمليّات مُشابهة في مختلف المناطق اللبنانيّة، حيث تكبّد الجيش الإسرائيليّ في عمليّة واحدة ما يزيد عن 80 إصابة، فضلًا عن تدمير حافلةً وأربعة عربات عسكريّة، الأمر الذي دفعه إلى الاعتراف بأنّ تلك العمليّة أحدثت نقلةً نوعيّة في مسار المقاومة الفلسطينيّة، حيث انتقلت قوّات "فتح" حينها من المواجهات المُباشرة إلى زراعة العبوات الناسفة. ويذكر الطاهر أن أبرز عمليتين نُفِّذتا باستخدام العبوات كانتا في مدينة عالية والسمقانيّة في جبل لبنان، حيث استهدفت الأولى شاحنةً مُحمّلةً بالجنود الصهاينة، بينما استهدفت الثانية موقعًا إداريًا للعدو، أسفرت عن مقتل 75 جنديًا وتدمير 81 آليّة عسكريّة، وذلك من خلال زرع عبوة أسفل شاحنة مُحمّلة بالذخائر.

يفرد معين الطاهر في الفصل الحادي عشر من كتاب "تبغ وزيتون"، وكان بعنوان "الانشقاق وطرابلس"، مساحةً للحديث عن الخلافات السياسيّة السوريّة – الفلسطينيّة، مُستعرضًا نتائجها التي شكّلت أبرز عوامل خروج المقاومة الفلسطينيّة من لبنان، فضلًا عن تأثيرها على النشاط الفدائيّ، وذلك بدءًا من الانشقاق المُخطط لهُ داخل أروقة القيادة السوريّة في صفوف حركة "فتح"، وتأسيس المُنشقّين لـ"فتح الانتفاضة"، مرورًا بالمواجهات العسكريّة المُباشرة بين قوّات المنشقين مدعومةً بالقوّات السوريّة، وقوّات حركة "فتح"، ومحاولات المنشقّين السيطرة على مواقع "فتح" العسكريّة لإنهاء وجودها العسكريّ الذي يمثّل للقيادة السوريّة عائقًا أمام فرض سياساتها في لبنان، وذلك في ظلّ تمسّك ياسر عرفات باستقلاليّة القرار الفلسطينيّ.

أحدثت عمليّة "شهداء قلعة الشقيف" نقلةً نوعيّة في مسار المقاومة الفلسطينيّة

يشيرُ معين الطاهر في هذا السياق إلى جهد الكتيبة الطلابيّة في إعادة توجيه بنادق المقاومة الفلسطينيّة نحو مكانها الصحيح، وذلك كمحاولةٍ منها لإنهاء الاقتتال الحاصل في صفوف الحركة، وخاصّةً بعد فشل المُنشقّين في السيطرة على مواقع الحركة في البقاع، الأمر الذي دفع القوّات السوريّة حينها إلى التدخل المُباشر من أجل حسم المعركة، ومُحاصرة المواقع العسكريّة للحركة في البقاع حفاظًا على القرار السياسيّ السوريّ في لبنان.

يُتابع معين الطاهر حديثه عن تلك المرحلة فائقة الأهميّة والتأثير في تاريخ المقاومة الفلسطينيّة، مُستعرضًا انسحاب قوّات "فتح" نحو مدينة طرابلس، وتحالفها هناك مع "حركة التوحيد الإسلاميّ"، قبل أن يبدأ النظام السوريّ وحلفاؤه معركةً ضدّ "فتح" والتوحيد توقّفت مؤقتًا بجهود عربيّة ودوليّة، إذ كان حافظ الأسد حينها يعدُّ لمعركة موسّعة للقضاء على "فتح" والسيطرة على مدينة طرابلس، وذلك قبل أن تُعرقل عمليّة تبادل الأسرى بين منظمة التحرير والعدو الإسرائيليّ خطّتهُ، يُضاف إليها خروج ياسر عرفات وعددًا من قادة الحركة وقوّاتها نحو عدّة بلدان عربيّة.

في ظلّ تلك المُتغيرات السياسيّة والعسكريّة، حافظت الكتيبة الطلابيّة على نشاطها المُقاوم، حيث قامت بعد خروج ياسر عرفات من لبنان بإعادة نشر المُقاتلين في المُخيّمات التي حارب فيها الجيش السوريّ وحلفاؤه حركة "فتح" مُجدّدًا. ويذكر معين الطاهر هنا دور الشهيد علي أبو طوق في معركة مخيّم شاتيلا الذي حوّلهُ إلى، على غرار تجربة قلعة الشقيف، إلى حصن عسكريّ قبل أن يستشهد.

يحملُ الفصل الثاني عشر من الكتاب في طيّاته ما يُضيف أهميّة مُضاعفة لكتاب معين الطاهر، إذ يتطرّق في هذا الفصل للحديث عن تجربة "سرايا الجهاد" التي لا تزال موضع بحث وتساؤلات للمؤرّخين الفلسطينيين، ومن كانوا على علاقة بمؤسّسيها أيضًا، إذ أنّها لم تكن تنظيمًا صريحًا وظاهرًا للعلن، فضلًا عن عملياتها فائقة الأهميّة داخل الأراضيّ المُحتلة، والتي لو كُتب لبعضها النجاح لكانت غيّرت الكثير المفاهيم والمواقف السياسيّة آنذاك، وأهمّها محاولة تفجير سيّارة مُفخّخة أمام مقر رئاسة الوزراء الإسرائيلية.

ويقول معين الطاهر إنّ نشاط السرايا توقّف بانتهاء حياة مؤسّسيها؛ أبو حسن وحمدي ومروان كياليّ، وذلك لأنّها لم تكن تنظيمًا قائمًا أو فصيلًا عسكريًا يُضاف إلى قائمة الفصائل الفلسطينيّة. ولكنّها في الوقت ذاته كانت تجربةً مُلهمةً لعدد كبير من الأشخاص الذين ساروا على نهجها في الانتفاضة الفلسطينيّة الأولى.

يتحدّث معين الطاهر في الفصل الأخير من الكتاب "ما بعد اتفاق أوسلوا" عن تلك الاتفاقيّة التي يرى الطاهر إنها جاءت نتيجة العزلة العربيّة لياسر عرفات ومنظمة التحرير. راصدًا ما خلّفه الاتفاق من تداعيّات على العمل العسكريّ المقاوم، ومُستعرضًا في الوقت ذاته نشاط من استمروا في العمل المسلّح داخل الأراضي المُحتلّة، مقدّمًا كلّ من مروان أبو زلوم، مؤسّس كتائب شهداء الأقصى في مدينة الخليل إبّان الانتفاضة الثانيّة، وجهاد العمارين، مؤسّس كتائب شهداء الأقصى في قطاع غزة، مثالًا على ذلك.

 اتفاق أوسلوا وخروج المقاومة الفلسطينيّة من لبنان لم ينهيا تجربة المقاومة المُسلّحة

ويؤكّد معين الطاهر إنّ اتفاق أوسلو وخروج المقاومة الفلسطينيّة من لبنان لم ينهيا تجربة المقاومة المُسلّحة، التي دعمها وموّلها ياسر عرفات في الانتفاضة الثانيّة.

 

يختم معين الطاهر الفصل الأخير من كتاب "تبغ وزيتون" قائلًا: "بعد خمسين عامًا، من العبث أن تبحث عن "فتح" الأولى في صفوفها المتقدّمة إلّا من رحم ربي. هنالك انتهت مرحلة الثورة في ذهن الكثير منهم. أمّا لدى الجيل الصاعد، ولدى القواعد الشعبيّة، ولدى الجمهور الفلسطينيّ، فإنّ "فتح" ما زالت حركة الشعب الفلسطينيّ، "فتح" بقي منها أهمّ ما فيها، بقي منها الفكرة، ومن الفكرة تولد الثورة" (ص329).