طيب جبّار في

طيب جبّار في "لا أحد يأخذ الظل إلى بيته".. تحويل الظل إلى نور

كتاب "لا أحد يأخذ الظل إلى بيته"

صدر ديوان "لا أحد يأخذ الظل إلى بيته" (دار شهريار 2018) للشاعر الكردي طيب جبار، ترجمه إلى العربية عبد الله طاهر البرزنجي وهو شاعر وقاص وناقد ومترجم كردي. ويتركب الديوان من منتخبات شعرية من دواوينه الثلاث "مرثية الرماد"، "يوم أموت" و"قصائد تلتفت إلى الأمام".

الظل هو انعكاس للأشياء والأجسام حسب درجة النور. فهو يطول ويقصر ويتضخم ويتقلص ويتسلل من بين الشقوق ويرتبط بمصادر الإنارة

أما القصائد المنتقاة فهي: يوم أموت، شعر قليل الملوحة، ذات زمان، الظلام كان أبيض، دعاية انتخابية، نامي حبيبتي، البرقية الأخيرة لنالي، مرة أخرى أقبل الليل، إلى حسين المصري، قصائد تلتفت إلى الأمام، ثلاث رباعيات خماسية، يوميات راعي الهموم، قصائد تلتفت إلى الأمام، يا وردتي. وهي مرتبة ترتيبا كرونولوجيا من 2004 إلى 2011.

اقرأ/ي أيضًا: نقاد القلوب الطيبة

دلالة العنوان: "لا أحد يأخذ الظل إلى بيته"

الظل هو انعكاس للأشياء والأجسام حسب درجة النور. فهو يطول ويقصر ويتضخم ويتقلص ويتسلل من بين الشقوق ويرتبط بمصادر الإنارة. وهو الجانب القاتم المخفي في الأغوار السحيقة للنفس الإنسانية. قد ينعكس من خلال لوحة تشكيلية أو قصيدة أو قطعة أدبية. فما الإبداع إلا ملاحقة الظلال وتصوير ما يحرك الشخصية أو المشهد في الخفاء. ولطالما نبش الإبداع في ذلك الجانب الداكن المهمل ليس من خلال اللغة المباشرة، ولكن عبر الصور والاستعارات والمشاهد. في لحظات الخيال والحلم والتأمل. ليمنح الذات المبدعة الكثير من الطاقة والحيوية وإزاحة ستائر العتمة. فمكاشفة الظل مرادف للصفاء وتخفف من ثقله، بينما إنكاره أو إهماله أو إسقاطه على الآخرين قد يؤدي لحالة ضبابية لا تخلق المعنى.

فالإبداع حسب يونغ يجلب اللاوعي/ الظل إلى الوعي، ولكن دون التنكر له فهو ملتصق باللاوعي والوعي في نفس الوقت. في الوقت الذي عرف به الإنسان بإسقاط الظلال على شخصيات أخرى لأنها محرجة بالنسبة إليه ولا يريد العقل الاعتراف بها، بينما ظهور الظل في النور حسم للصراع الداخلي بين التخفي والإنكار. وهو لعب ممكن عبر الفن.

ولم يذهب الشاعر طيب جبار بعيدًا عن علم نفس الظل الذي اشتغل عليه يونغ ومن قبله فرويد. فهو يشير إلى إنكار الأشخاص للظل:

لا أحد ضيف الظلال

أو أخذها الى بيته

ينجر عن إخفاء الظلال أو التملص منها عبر أقنعة متراكمة حواجز سميكة. وذلك للتغاضي عن العوالم الداخلية المؤلمة ومحاولة التحليق دون أجنحة.. مما يحيل لرؤية ضبابية، بينما الظل ملتصق بالذات، يؤثر فيها سلبًا وإيجابًا. يتوجب مفاتيحَ لحل أقفالها الصدئة التي تحرس المغاور العميقة.

لا تتبع الضباب

وإلا تنتشر مثله وتفقد ظلك

هل يفقد الشاعر ظله، هل هناك حاجز ضبابي يفصله عن ظله، وهل يكون شاعرًا إن فقد الجانب الداكن المخفي المستتر، وإن تنصل عنه ستتحكم فيه الظلال المظلمة ويفقد بوصلة الحياة؟

الشعر إبداع لمواجهة الظل

الشعر مذاق حسي للأشياء. خبرات جمالية للحواس يعطي نكهة خاصة ومتفردة. الشعر معاناة معلنة. الشعر ثوب الشجعان لأنه يواجه الظلال، لهذا يتساءل الشاعر ويوجه أسئلته صوب الشعراء الخانعين في أسلوب يجمع بين الإنشاء من خلال تواتر الأسئلة والخطابة، في تحوله إلى مركز الخطاب محولا الآخرين إلى أفلاك في مداره. ولكن الشاعر يرفض افتقار الشعر للمكاشفة في قصيد "السليمانية":

أين الشعر الذي يعطي مذاقك

أين الشعر الذي يعلن للملأ

جراحك وأحزانك

أين الشعر الذي يتدثر بشجاعتك

تتساقط أوراق يكتبها الشعراء كأوراق الأشجار الجافة في الخريف في سماء رمادية حين يحركها العجاج. هي ظلال النفس المظلمة التي تشير للتوتر لتنزاح كلمة تساقط عن مدلولها العادي الذي يشير للنمو والحياة من خلال تساقط المطر إلى تساقط الأشجار وهي تتجرد من الأغصان التي تحتاج لتجديد كسائها. الأوراق الجافة حيث التصدعات العميقة والانكسارات والحروب الصدئة الأشياء التي تنعكس في صورة مخلوعة من المعنى.

بدلًا من حراشف الوميض

وشعر شعاع البزوغ

تتساقط الأوراق الجافة للظلال

وغبار الصراعات.

ويرى الشاعر طيب جبار أن هذه الحالة بديل للشعر الذي يبزغ في النفس كأشعة النور تشق الظلام وترسل ألوان الضوء. فما الشعر البازغ إلا طيف مرئي يرى الأرض والسماء بكل ألوانها وأشكالها ولا يقتات من هواجس الروح الدامسة. وقد استعمل عبارة حراشف الوميض للتدليل على اللغة الشعرية ككساء خارجي جذاب لامع كحزمة الضوء على الأغلفة الشفافة.

الشعر: يقظة وحياة وجمال

كن حذرًا

لا تدع الماء ينام

فيحلم أحلامًا عفنة.

الشاعر صاحب التجربة واليقظة الابداعية يدرك أن اللغة الشعرية تسير في اتجاهين، إما أن تفضي إلى حلم عقيم يسلب الحياة وإما أن تؤدي إلى رؤى الكون والوجود.. وأحلام الماء يجب أن نبقى متيقظة لأن الماء يقترن بالولادة والتجدد والحياة فهو الحضن الوجودي. أما أحلام الماء النائم فهي تدل على الماء المتخندق الراكد العفن يشير إلى التخثر الروحي. وفي ذلك فهو يرشد إلى طريق الارتواء من مناهل الحلم العذبة والتجارب الروحية الخصبة. والماء هو استعارة للروح التي تحرك الجسد هو روح الإبداع والنماء. فالروح تتسع مساماتها ومساربها كلما عانقت الجمال.

الشعر مذاق حسي للأشياء. خبرات جمالية للحواس يعطي نكهة خاصة ومتفردة. الشعر معاناة معلنة. الشعر ثوب الشجعان لأنه يواجه الظلال

اقرأ/ي أيضًا: هشاشات الشِّعر مُركّبة

ويربط الشاعر طيب جبار بين جمال اللغة الشعرية ومعدنها الطيب، إلى درجة الإعجاز في تعالق مع النص القرآني حول مثل الكلمة الطيبة.. فالكلمة الطيبة توصل رسالة الماء على الأغصان والأوراق وتبني الأساس المتين. هي سفر من خلال شعاع لغة خارقة معجزة واهبة لطريق الهدى طريق النور والمعنى.

فلا شيء يغوي الشاعر غير الجمال منه تشكلت الأشياء وعناصر الخلق وصور اللغة. منه كان الشعر ولادة الظل ساعة الفجر.. هو زمن البدايات حيث البياض يشق الظلام. تنغمس ريشته في بعث ألوان الضوء تلمع كحدقات العين المتيقظة.. تنبعث من كمونها كفراشات غادرت الشرنقة.. إنها لحظة تحرر والتحليق بأجنحة محبوكة من حرير رهيف، شعاع ضوء أبيض هو انعكاس لضوء القمر والنجوم تتفتح لونًا أبيضَ وتنتشر وكأنها تجتمع وتلتقط ضوءها اللامع في باقة واحدة..

ذات زمان.. الظلام كان أبيض

ذات زمان

الدنيا كانت جميلة

اصيص اللآلئ

سلة الفراشات

شرنقة للصمت

السماء كانت.. بستان الضوء

منديل وميض القمر

مزهرية النجوم

أما الآتي فهو تلك الانبعاثة حين تطل الشمس فتنبري الأرض كبيت كبير يحضن الجميع ترسل لهبها في كل المكان لتغدو في القرى. وكما تجتمع النجوم في مزهرية واحدة عند الفجر وترسل هالة من البياض تمضي الحياة في ضوء قنديل واحد هو نور الشمس البازغة، ترسم لوحة البشر في شجرة عائلية واحدة تمد أغصانها. منتقيًا مفردات تدل على الوعاء الأمومي الحاضن. الأصيص هو الوعاء من الطين أو الفخار يستعمل لزرع النبات فهو وعاء للخلق والنمو ورعاية الجمال. السلة تجمع الثمار الطازجة المستساغة. شرنقة الصمت الرحم الذي يتشكل فيه الجسد والروح المهيأ للحركة. السماء تأخذ شكل بستان فهي فضاء للألوان المتحركة.

من مزهرية الى حديقة ينتشر اللون في قصيد "انشودة المستقبل":

سيحل يوم

لهيب الربيع

يلتهم الأرض والقرى

وتغدو الأرض

بيتًا جميلًا

حديقة زاهية ملونة

الربيع فصل اكتمال دورة الحياة ينهل من أعياد النوروز في الثقافة الكردية يعبر عن اكتمال دورة الخلق. وعن رؤية قيمية ينتصر فيها العدل وتغدو الحياة آمنة تحتفي بالخصب وجمال الطبيعة. وهو المرادف للنورانية والفيض الروحي. وهو يوم ينتظره الشاعر انطلاقًا من الطبقات الخارجية للثقافة، فهو موعد احتفائي وهو مشكل لصوره الشعرية ويعد أحد مصادرها الأساسية في تشكيله لبعده الوجودي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

قصائد "تكرار أخطاء الأولين": الزمن هو السؤال

المحدّدات الشعرية في مجموعة "التحليل النفسي للوردة"