هشاشات الشِّعر مُركّبة

هشاشات الشِّعر مُركّبة

لوحة لـ محجوب بن بيلا/ الجزائر

ما إن يصبح جيل شعري قديمًا، لأسباب زمنية لا إبداعية طبعًا، حتى نراه يتحدث عن الشعر الجديد، أي الموجات التي تأتي بعده، من منطلق إعطاء الشرعية، مع أنّ المتحدث بالأصالة عن نفسه كفرد أو بالوكالة عن جيله لم يحصل على تلك الشرعية لا فردًا ولا جيلًا، ناهيك أن الشباب الجدد، زمنيًّا فقط، لا يستحقون أن يُعطوا شرعية لمجرد وصولهم، فهذه تأتي من استحقاق إبداعي يقوم على تقديم ما لم يسبق تقديمه، في الفرادة والجدة في الكتابة الشعرية: اللغة، المواضيع، المعالجات، الأفكار..

الخلاصة النهائية للأشياء كلها، تلك التي يصبح فيها الشعر مثل غيره أفكارًا صالحة للممارسة والتطبيق في الحياة

ولأنّ الزمن عابث سيقوم هذا الجيل الذي يحصل على ترحيب غير مستحق في كثير من الأحيان بالمهمة نفسها بعد عقد من الزمن، ولو تسنّت لنا مراجعة أرشيف الصفحات الثقافية لوجدنا أن شعراء جيل السبعينيات حين صاروا كتّابًا ومُحررين في الصفحات والملاحق الثقافية للصحف رحبّوا بدورهم بشعراء جيل الثمانينيات، الذين فعلوا الأمر ذاته حين صاروا في أماكن تخولهم لقول ذلك.

اقرأ/ي أيضًا: المُقَلِّدون يبيعوننا ماء زمزم

ما هذه الدوامة التي تدور على نفسها دون أن تصل إلى نتيجة؟ لماذا يجب أن ننظر إلى الأدب من منطق الأجيال الأدبية؟ هذه فكرة هشة تجعل البعض يحصل على امتياز لمجرد أنه يحضر زمنيًا في هذه الحقبة أو تلك، في حين أن المفروض هو النظر إلى ما ومن يتميز في كل حقبة، فليست مهمة النقد القيام بعمليات تفقد وتسجيل حضور من حضر لمجرد حضوره. تسجيل الأسماء في هذه الشهادات يحتاج أن يستند إلى مزايا، أو مزيَة ما، وهذا أضعف الإيمان.

لعل ما يجعل هذه الأشياء تحدث ثم تحدث هو غياب الأراشيف الصحافية التي ترينا ما الذي كتب في تلك الفترة، فحتى لو عشنا في فترة منن الفترات وقرأنا مجرياتها وصحفها فإن هذا لا يعني بالضرورة تذكرنا لكل تفاصيلها، من هنا تبدو بعض المقالات في موقع جهة الشعر، بعد نجاتها من مآلات الحذف والمحو التي أصابت صحفًا أساسية مثل الحياة والسفير والمستقبل.. أقرب الى مسبار لنوع الأفكار السائدة وطرق التعاطي مع المناخ الثقافي بعقلية ثابتة لا تتغير.

ثم تأتي لعنة أخرى وهي التشكي من غياب النقد، وكأن مشكلة الكتابة الشعرية تكمن في هذا الغياب لا في شعر هؤلاء الشعراء نفسه، حيث عجز عن خلق مفاهيم جديدة حول الكتابة من شانها أن تجذب نقّادًا أو تصنعهم.

في النهاية، ما الذي يجعل الشعر يلتقي بالفلسفة والعلم والطب؟ ما الذي يجعلنا نرى جهد الشاعر في اللغة والأفكار مساويًا لجهد المهندس والمخترع والعامل، طبعًا كلٌّ في موقعه؟

بالتأكيد ليست فكرة الأجيال، ولا غياب النقد، ولا قلة القراء، إنما الخلاصة النهائية للأشياء كلها، تلك التي يصبح فيها الشعر مثل غيره أفكارًا صالحة للممارسة والتطبيق في الحياة، أي عند النقطة التي تأخذ فيها الثقافة شكلًا قابلًا للقياس، بما يساهم في تطور العقل والروح الإنسانيين.

 

اقرأ/ي أيضًا:

بسام حجار.. حقيقة الألم

ناصر حسين: حياة ممكنة