سند الشعر السوداني.. في ذكرى صاحب البحر القديم

سند الشعر السوداني.. في ذكرى صاحب البحر القديم

الشاعر مصطفى سند (ألترا صوت)

كما يولد الشعراء في حكايات ألف ليلة وليلة ولد الشاعر السوداني مصطفى سند، وتفتحت موهبته في حديقة غير عادية، ليرسم بألوان الطبيعة الزاهية كلمات باقية في زمنٍ عابر.

كانت تجربة مصطفى سند في الغناء مختلفة سمتًا ومعنى، مزيجًا من الفصحى والدارجة السودانية

أطل على الدنيا في 193 في مدينة أم درمان، تحديدًا في حي الركابية، ذلك الحي القديم الذي يشبه بحر سند المتسم بالهياج، إذ احتضنته العاصمة القديمة التي احضنت الثورة المهدية، وتركت صورته تلمع على طابية النيل.

عطر شعري فواح

خط حروفه الأولى بمدينة الأبيض عروس الرمال، ثم انتقل إلى الخرطوم بحري ليسبح نحو مدرسة التجارة الثانوية بأم درمان. وامتدت دراسته حتى السنة الثالثة بكلية القانون جامعة القاهرة، ليحصل منها على بكالوريوس التجارة، ويفوح عطره الشعري في صباه الباكر، مفترشًا بقايا الأبجدية المستحيلة.

اقرأ/ي أيضًا: أدب المقاومة في قلب الشارع السوداني.. انتفاضة ثقافية ضد القهر والرصاص

اختير سند أستاذًا بمعهد البريد والبرق، وأنفق فيه أجمل سنوات عمره، وتأثرت أشعاره كالعادة بتفاصيل المهنة الأثيرة، بعد لقاء السحاب مع الفنان صلاح مصطفى، وتمنى معه أمنيته الجميلة "اكتب لي يا غالي الحروف" الأغنية التي اعتقلت الأذن السودانية لسنوات طويلة دون أن تبارحها إطلاقًا.

موسيقى سند

كانت تجربته في الغناء مختلفة سمتًا ومعنى، مزيجًا من الفصحى والدارجة السودانية: "ما عدت قادر انتظر"، إلى جانب "شارع الصبر، بريد الشوق" وكل الأغنيات التي ارتبطت بعمله الأول، حين عبر شارع الصبر بعد أن كان شاعره، وقد تعلم العزف باكرًا على آلة العود ومنها انطلق صوب تلحين أغنياته بنفسه، فكانت أشعاره المغناة، تولد مغناة حقيقة، بجرس موسيقيٍ هائل، ينبض بشدة داخل الحروف.

أوفد في بعثات دراسية، وطاف العالم بجسده وخياله الشعري، وهنالك تعرف على تجارب الشعوب في الكتابة والتعبير، ورأى وجه العالم في تجلياته الباهرة، قبل أن يعود ويلتحق بوزارة المواصلات في معاهد التدريب.

والد القصائد والبنات

يختلي مصطفى سند ببنات أشعاره، ويخيط لهن كعكة الشعر بإبرتين من العبير وخيط ماء، لكنه أبدًا لا يطيق الدنيا دون فكرة تؤسس قلبه وذاكرته، حتى وإن كانت امرأة من لحم ودم، فتزوج في صباه الباكر بعد قصة شعرية حالمة طبعًا، وأصبح أبًا لبنات يعاملهن كقصائده المدللة، وإن شئت: أبًا لقصائد يعاملهن كبناته تمامًا.

عمل بالانتداب في وزارة الخارجية لمدة أربع أعوام، وتلك كانت مرحلة استثنائية تخلقت فيها رؤاه، وطاف كما القطار شتَى أنحاء البلاد، وتعرف على الناس والطبيعة، ما بين شجر الأندراب وجبال التاكا، وجريد النخيل العجوز الذي يتمايل سفاهة في الشمال، ورمال كردفان، ورقص رقصة الجروف البكر مع الأبنوس في الجنوب الإستوائي.

تتلمذ شاعر البهاء والجرس الموسيقي العالين كما يوصف، على يد والده محمد سند محمد المتولي صاحب ديوان "ملذات الخلود" وقد ترك بصمته في تكوينه الإبداعي، عوض الجلسات والندوات التي كانت تعقد بمنزلهم، وتفتحت على إثرها مواهبه الفذة.

المواهب الفذة

بلا مواربة يمكننا القول إن سند أحد رواد التجديد في السودان، وقد بز أقرانه، عندما تصدر عرش الكتابة عمومًا، فبرع في القصة والنقد مثل ما برع في الشعر، ومشى في كبرياء على بلاط صاحبة الجلالة، مطلع ثمانينات القرن الماضي، وأحترف العمل الصحفي، وتولي خلال تلك الفترة رئاسة تحرير عدد من الإصدارات الصحفية: الجريدة، الدار، مجلة السينما والمجتمع، مجلة البرلمان. بعدها حملته موجة عاتية إلى دولة قطر، وعمل مديرًا لتحرير جريدة صحيفة الخليج اليوم.

كيف تولد القصيدة عند سند؟

تولد القصيدة عنده من رحم المعاناة، حيث يبدو في حالة إنهاك شديد بفعل القراءة والإلهام، ويبدو بصريح العبارة غارقًا في كنايات اللغة، لا شيء يدعو لكتابة قصيدة مصطنعة إذًا، لا شيء يحتمل النضوب حتى، يكفي صفع الرؤى والهواجس والتهاويم التي بداخله.

يُعد مصطفى سند من الرواد الأوائل لحركة الشعر الحديث في السودان، والذين امتد تأثيرهم لأجيال عديدة

يُعد سند من الرواد الأوائل لحركة الشعر الحديث في السودان، والذين امتد تأثيرهم لأجيال عديدة، صلاح أحمد إبراهيم، محمد المكي إبراهيم، النور عثمان أبكر، محمد عبد الحي، الفيتوري، وهو يدرك جيدًا في كل مشاويره الحياتية أن "لا شيء يولد من رؤى لا شيء"، وكان له "في الحروف صهيلها وعويلها، وبيان رونقها وأطلس ليلها النائي وساحلها القديم"، إذ رفد المكتبة السودانية بعشرات الدوواين الشعرية والكتابات النقدية والصحفية، أشهرها: البحر القديم 1971- ملامح من الوجه القديم 1978- عودة البطريق البحري 1988- أوراق من زمن المحنة".

استخدام اللغة

قال عنه صديقه عيسى الحلو: كنت قد قدمت لديوانه "أوراق من زمن المحنة" إذ وجدت وقتذاك سندًا يستخدم اللغة لذاتها ولا يستخدمها لتخدم موضوعًا يريد توصيله للآخرين، ولكنه في أيامه الاخيرة أصبح يستخدم اللغة من أجل توصيل مضامين محددة للإصلاح الاجتماعي، والأخلاقي بناء على المرحلة الجديدة". واعتبر بعض النقاد صوره تجنح للغموض الذي لا يستعصي على الإدراك والفهم.

اقرأ/ي أيضًا: الثقافة في السودان.. وزارة مهملة وقبيلة ضائعة

كما أن سند لم يكن يفصل بين الفن والحياة، ولهذا خاض معترك الحياة العامة وأصبح عضوًا في المجلس الوطني ونائبًا برلمانيًا فصيحًا في إلقاء الخطب والمداخلات الثرية.

رحيل زهرة الكستناء

أغمض جفونه للمرة الأخيرة نهارات العام 2008 بعد صراع مع المرض، وعن عمر ناهز الـ69 ليرقد أخيرًا في مدينة أبها، على مقربة من مدينة رسول الله التي تعلقت روحه بها، وسكنها جسده الطاهر، لتنبت على قبره زهرات الكستناء التي أحبها، وقد قال ذات يوم: "أحاول قدر استطاعتي أن أغازل الشمس لأنسج منها خيوطا شعرية تلامس شغاف قلوبكم تطربكم... تشجيكم وتسعدكم" وقد أسعد الناس بالفعل، وقبع في الذاكرة.

 

 

اقرأ/ي أيضًا:

صورة المرأة السودانيّة في رسومات آلاء ساتر

ماريل في فناء السجن