ماريل في فناء السجن

ماريل في فناء السجن

إبراهيم الصلحي/ السوردان

في ليل الخرطوم الداكن الطويل، ينحني صوت محمد وردي ليلتقط وردة، تبدو كما لو أنها البلاد الدامية، أعياها النضال، كان ثمة شيء يثور في صدرها، مثل أمواج النيل وبعض الشوارع الملتهبة، على حانة مفروشة بالرمل مصباح كان قد بدد الظلام شيئًا فشيئًا، آه لو تحترق قصاصة أكتب لك فيها يا ماريل.

المدينة كدأبها صامتة إلا من هتافات الثوار، إنه الصمت الذي قتلته زغرودة أثناء ما قتلت، حينها اشتقت لشخص ما، أقولها بصراحة: اشتقت إليكِ، أنتِ تحديدًا في هذه الليلة الطويلة بعد أن كشف القمر ساقك ونصف عورات المدينة.  

نظرتُ إلى السماء فلم يكن شيء غير الأنجم وطائرات مُثقلة بالحنين، كانت السماء صافية تبتلع بقع الضوء المتناثرة، وكنت خائف، أنا خائف يا ماريل لأنني لا أحب النظر إلى الأشياء المُطلقة، لأنني لا أستطيع تخيل نهاية لها، لولا بعض يقين بأن ثمة وجه الله، لمت من الخوف.  

طوال أشهر باردة وأيام قليلة فكّرت فيكِ، بكل لوعتي وغُلبي. وفي واحدة من ليالي الأرق المتعددة نبع صوتك كالمطر "سلمية.. سلمية " كان إيذانًا بعناقٍ حار، عناق الأجيال المتحدة، يولد كالأمل مع خيوط "لستك محروق" كان طعم قُبلاتنا كالبمبان، لاسعًا يستدر الدمع، وكان الهتاف، هتاف القلب لا يتوقف، يفحص الحب الأشياء على نحوٍ من القُرب، حتى لا يفسد عسس الليل عناقنا الحار الجميل، لقد أغلقتُ المعابر كلها بالصخور وأبقيتك لي وحدي في شارع مكتوم.

أنا حزين منذ مُدة، حزين يا ماريل، ولا أعرف لماذا، ربما لأن الحزن الذي يعطيك سببًا يرحل دفعة واحدة، لقد جاء في لحظة غامضة بانقلاب مباغت، وجثم على صدري وصدرك، وصادر حقنا في البوح، بشكل بدأ فيه وهو يراوغنا كحمل ثقيل بما فيه الكفاية. لن يرحل بسهولة.

 إنتِ متعبة، متعبة يا عزيزتي مثل طيف الشهيد عبد العظيم الذي غافلنا ومضى، قائلًا: "لا يمكن الاستلقاء أثناء المعركة"، هنالك غافلة من السمار لحقت به في السماء البعيدة، عبد العظيم أيقونة الثورة كما تعلقين له صورة، أو تميمة على صدرك تحرس الغضب.  

هل تذكرين؟ في ذلك اليوم عندما دسست في يدكِ ورقة مطوية على عبارة استوقفتك، العبارة وما تعني، قلت لك فيها: "إنني أتمنى أن أموت قبلك، لأنني لا أستطيع أن أعيش ساعة واحدة في عالم لا تكونين فيه"، لا أعرف ماذا تعني لك الآن مما تحتفظين به، لكننا اليوم في منتهى الضياع، أنا وأنتِ لوحدنا في طريق بلا نهاية.

أدركت بعد سنوات كم كنت بريئًا أكابد مشقة الارتفاع إلى حدٍ أكثر جاذبية، ولا أعرف هل كانت ثورة من الجنون، تتوخى نهايات غامضة، وحالة من الطمأنينة الأبدية، ليست أقل جمالًا من أن أقرر مصيري وأنتخب لأحدهم، لكنني من ذلك النوع الذي يتمنى الفوز بك، وحدك على أكثر ما أشتهي.

أعرف أنك مفتونة بنهاية الأسبوع، موكب الظهور على أرصفة الخلاص، بأن خطوة آخرى سوف تنتصر لا محالة، على الأمر الواقع الشائك.

أريد أن أخبرك يا ماريل بكل ما يعتور طريقي من مفاجآت، الخميس الماضي انتظرتك في المكان نفسه، حتى نهاية الأصيل، فجأة خفّت بك سيارة الشرطة، وعلى رأسك جنود بأزياء مخيفة، وهراوت قاتلة، كان شعرك مبعثرًا وأصابعك معقودة بعلامة النصر، وكان الشارع مزدحمًا بالشعارات، وقتها فكرت باللحاق بكِ، لكنني أدركت أن يومًا واحدًا من الغياب هو الذي فجّر عبارة "حكومة تحرمني منك تسقط بس" وقد كان الحرمان ملهمًا، بغير ذلك العُري الفاضح الذي أحبه فيك وأتحمل وزره.

خرجت بعد ذلك أهتف لوحدي حتى انشق حلقي، كنت ساخطًا على غيابك ولا أعرف ماذا ينتظرك، لكنني أشعر بقوتك، وهو أمر يبعث على الطمأنينة، ليلة كاملة في سجن النساء بـ"أم درمان" التي تحبينها، المدينة لا السجن بالطبع، وبرفقة ثائرات أكثر جمالًا في الحبس، كنداءات العهد القديم، كانت أنوار الطابية تلمع على صفحة النيل، وبوابة السجن تتوهج من بعيد، لقد اشتقت إليكِ، ولا أملك سبيلًا للوصال. أخبريني كيف قضيت ليلتك الأولى، بعيدًا على نفحة الفريون وسانحات الأسافير وإبريق القهوة؟ النوم على الأرض يبدو قاسيًا على فتاة لينة وطرية مثلك، طرية وحلوى من الداخل كثمرة الأنناس، لكنها قوية ولاسعة من الخارج.  

لم أهتد إليك بمن يقف على مسافة واحدة منا، تأخذني إليك، لأن لهفتي أكثر توحشًا بما يسمح بركوب الصعاب، أنت بحاجة إليّ، أعرف ذلك، الآن أكثر مما مضى، ووددت لو أنني أشعل لك إطارًا قديمًا نقضي بقربه بقية الليل.

أعرف حين كانت توسلاتك كافئة لأخذ مهمة طوق النجاة على محمل الجد، كانت رقيقة وموحشة، قلتِ لي ساعتها: أرجوك لا تتركني في منتصف الطريق، أخاف أن أضيع. وأنت تعلمين أنني لا يمكن أن أهبك للضياع، القمر على مقربة يا ماريل وأنتِ جميلة، وأنا أحبك.

 

اقرأ/ي أيضًا:

بينما تمطر بلا توقّف

قُبلة الرئيس