أدب المقاومة في قلب الشارع السوداني.. انتفاضة ثقافية ضد القهر والرصاص

أدب المقاومة في قلب الشارع السوداني.. انتفاضة ثقافية ضد القهر والرصاص

كاريكاتير لـ طلال الناير/ السودان

لم يكن صوت المثقف السوداني بعيدًا عن الحراك الشعبي الذي انطلق مؤخرًا ينشد فجر الحرية والخلاص، وإنما كان جهيرًا متجاسرًا يصب في مجري الوعي والمطالبة بالحقوق، من خلال اجتراح نصوص أدبية واكبت الاندفاع الثوري، أو بالتعبير عن المواقف الشخصية المنحازة للشارع دون تردد، ربما حتى لا تبدو الكتابة الإبداعية نوعًا من الترف الخيالي، أقل ما يمكن أن توصف بأنها معزولة عن معاناة الانسان المعاصر.

تخوض الثقافة السودانية الصراع مع الشعب السوداني ضد الدكتاتورية

اقرأ/ي أيضًا: "إلى الحرية يا زول".. #مدن_السودان_تنتفض لليوم الثامن على التوالي

كانت أيقونة الاحتجاجات الحالية الفنانة السودانية نانسي عجاج، والتي أدركت مبكرًا واجبها الفني المنحاز للإنسانية عمومًا ولجمهورها المتعطش للحرية بالقدر الذي جعله يتفاعل مع أغنيتها الأخيرة "لو خوفنا راح وطريقنا مرصوف بالثبات، ومشينا للحرية صاح"، إلى أن يتدافع صوتها ملتحماً مع الهتافات "ونعود عزاز زي ما مضى، ونفوسنا يرويها الرضى"، وقد استحالت هذه الأغنية إلى شعار لهبة كانون الأول/ديسمبر الحالية.

محمد طه القدال في الحبس

في محاولة لمحاصرة الشعراء الذي يدعمون الحراك الجماهيري، اعتقلت السلطات الحكومية الشاعر محمد طه القدال، الذي يعارض النظام الحاكم بكتاباته الشعرية الثائرة، وقد ظل القدال خلال الايام الماضية قبل اعتقاله يبذل يوميًا على جدار صفحته بالفيسبوك مجتزأ لما أسماه "مسدار الثورة"، واعتقل الشاعر الذي يعتبر بمثابة نبض الأمة إثر مشاركته في المسيرة التي دعا اليها تجمع المهنيين السودانيين في 25 كانون الأول/ديسمبر في الخرطوم.

فيما عبر اتحاد الكتاب السودانيين عن عميق قلقه على ما حدث للقدال قائلًا إنه: "يمارس حقه الدستوري في الاحتجاج والتعبير عن الرأي في تظاهرة سلمية"، مطالبًا بإطلاق سراحه، ورفض اتحاد الكتاب حرمان الشاعر من الحرية كحق انساني أساسي معترف به في كل المواثيق الدولية، مشيرًا إلى أن القدال "يعاني من داء السكري وارتفاع ضغط الدم مما يجعله في حاجة مستمرة للدواء ولغذاء مناسب لحالته، الأمر الذي لا يتوفر في ظروف الاعتقال التي نعرفها، وبالتالي فحياته معرضة للخطر ومهددة بشكل دائم"، على حد تعبير الاتحاد.

الكُتَّاب مع الشارع

في وقت سابق، أصدر اتحاد الكُتَّاب السودانيين بيانًا قال فيه إن المرتكز الأساسي الذي انبنى عليه دستور الاتحاد هو حرية التفكير، حرية التعبير وحرية، معلنًا عن تفاعله بكل قوة مع ما يجتاح الشارع من ثورة احتجاجية يشارك فيها الشعب السوداني بكل قطاعاته المجتمعية وفئاته العمرية، رافضًا حجب وسائل التواصل الاجتماعي بكل أنواعها، وأدان الاتحاد في بيان تلقى "ألترا صوت" نسخة منه العنف ضد المتظاهرين العُزَّل والاستعمال المفرط للقوة المؤدي للقتل، مطالباً بما أسماه "المعالجة الفورية للأزمة السياسية أولاً، علاجاً يقبله أهل السودان، وليس إعادة إنتاج الأزمة بحلول تلفيقية لا تخاطب جذور الأزمة ولا تسهم في حلها".

أغاني الراب الثائرة

في المقابل أيضًا، فإن الاحتجاجات والمظالم أسفرت عن مجموعة أغاني راب رافضة للوضع الحالي، أشهرها أغنية "نحن مرقنا ضد الناس السرقوا عرقنا"، وهي أغنيات تمتزج فيها الإيقاعات الصاخبة والأصوات الجماعية، وتقدم تشريحها للأزمة بصورة موغلة في الواقعية، واكتسبت هذه الأغاني شهرة واسعة، وسط طلاب الجامعات، وحتى الأطفال يحفظونها مع الأداء بشكل جماعي راقص.

يبدو أن المبدع الحقيقي منحاز للحرية أينما كان، كما عبر عن ذلك عديد الكتاب والمثقفين العرب الذين أعلنوا تضامنهم مع مطالب الشعب السوداني

اقرأ/ي أيضًا: يومٌ وليلة في المُعتقل

ثمة صورة لمقاومة قمع التظاهرات الهمت كثير من الشعراء والفنانين التشكيليين، وتظهر الصورة شاب يحني ظهره لفتاة سودانية وهي تصعد على أكتافه بهدف التسلق لأحد المباني العالية، حتى لا تتعرض للضرب ورائحة البمبان، بشكل تعبيري هائل، وقد الهمت الصورة الشاعر الأريتري السوداني المهاجر محمد مدني للكتابة "ياهو ده الصعود الصاح، يا فارع القامة، تَفْرِد قوامَك راح، لي رافعة الهامة".

كتاب عرب مع انتفاضة السودان

يبدو أن المبدع الحقيقي منحاز للحرية أينما كان، كما عبر عن ذلك عديد الكتاب والمثقفين العرب الذين أعلنوا تضامنهم مع مطالب الشعب السوداني، من بينهم مارسيل خليفة، مرددًا: "إلى أهلي في السودان، تصبحون على وطن حر"، والكاتب نوري الجراح، والشاعر الفلسطيني خالد الناصري، والروائي المصري علاء الأسواني، بجانب الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي التي حظيت تغريدة لها على تويتر بانتشار واسع في موقع التواصل الاجتماعي، حيث كتبت قائلة: "أنا أكثر قهرًا من أن أدعو للشعب السوداني الحبيب، الدعاء لن يسد جوعه أو يرفع عنه الغبن، وأكثر حزنًا من أن أبكي ضحاياه، فقد بكيت قبله كل شعب عربي طاله الظلم، لي مع السودان تاريخ عاطفي ومواقف ستذكرها الأيام، أحب نبل السودانيين تعففهم وعزة نفسهم".

مشافهة النص المنحاز للحرية

عطفًا على ذلك، أصدر مُنتدى مشافهة النص الشعري بيانًا متصلًا بالأحداث وتداعياتها أوضح فيه أنه بلا مُبرِّرٍ وجودي منه، احتمل الشعب السوداني أكلاف عَتمة حكم الإسلام السياسي، الذي وفقًا للبيان: "أغلق الحياة في وجه السودانيِّين لعقود مُجحفة ثلاثةٍ، انحدرَ خلالها وجودنا الحضاري إلى درَك الانحطاط، الذي أراد الشِّعب السوداني، أن يتحرَّر منه بالانتفاضة السلمية"، مشيرًا إلى مقابلة الاحتجاجات السلمية كعادة النظام بقمع مُفرطٍ مُصوِّبًا بندقيَّته الزَّنيمة صوب صدور الشَّباب العارية، فصعدت أرواحُ خمسين شهيدًا غالية، منحتنا الأمل والإلهام، أن تستمرَّ هذه الثورة"، التي اعتبرها منتدى مشافهة النص الشعري "تطوي في جوفها عديدَ المشاهِدِ والقراءات، إلى غايتها المطلوبة".

 

اقرأ/ي أيضًا:

الثقافة المعقّمة والتطهّريّة

الثقافة العربية.. طيران فوق الواقع