سلافوي جيجيك.. عن الأنوثة المميتة والخوف من الثورات في

سلافوي جيجيك.. عن الأنوثة المميتة والخوف من الثورات في"صراع العروش"

من مسلسل صراع العروش (يوتيوب)

كان الموسم الأخير من مسلسل صراع العروش، بمثابة خيبة أمل واسعة لكثير من مشاهديه، فيما عم سخط كبير بين محبي المسلسل على شركة الإنتاج وفريق العمل. هنا يحاول الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجيك، في هذا المقال المترجم عن صحيفة الإندبندنت البريطانية، مع إضافة بعض العناصر التي تضمنتها النسخة الفرنسية، معالجة أبرز المقولات التي انتهى إليها المسلسل الشهير.


أثار الموسم الأخير من مسلسل "صراع العروش" Game Of Thrones غضبًا شعبيًا بلغ ذروته في عريضة التماس (وقّعها قرابة مليون مشاهد ساخط) تطالب بتنحية الموسم الأخير كاملًا وإعادة إنتاج موسم جديد. ضراوة النقاش في ذاتها دليل على أن الرهانات الأيديولوجية لا بدّ أن تكون عالية ومهمّة.

دينيرس كـ"ملكة مجنونة" في صراع العروش مجرّد خيال ذكوري، لذا كان النقّاد على حق عندما أشاروا إلى أن انحدارها نحو الجنون لم يكن له ما يبرّره من الناحية السيكولوجية

دار الاستياء حول نقطتين رئيسيتين: 1- السيناريو السيّئ (إذ بُسِّط التعقيد السردي تحت وطأة محاولة إنهاء المسلسل سريعًا)، 2- السيكولوجيا السيّئة (لم يكن تحوّل دنيرس تارجارين إلى "ملكة مجنونة" مبرّرًا وفق تطوّر شخصيتها)...إلخ.

كان صوت المؤلّف ستيفن كينغ، أحد الأصوات الذكية القليلة في النقاش، حيث أشار إلى أن الاستياء لم ينجم عن نهاية سيّئة غير مرضية محتملة، بل عن حقيقة النهاية نفسها. ففي مسلسلات عصرنا، الممكن من حيث المبدأ استمرارها إلى ما لانهاية، تصبح الخاتمة السردية فكرةً لا تطاق.

صحيح أن منطقًا غريبًا يحكم رتم الختام السريع المفاجئ للمسلسل؛ منطقٌ لا يتنكّر للسيكولوجيا الموثوقة، بل للافتراضات السردية المسبقة للمسلسل. فالموسم الماضي يروي ببساطة أحداث التجييش للحرب والحداد ودمار ما بعد الحرب وشخصيات المحاربين نفسها في ظلّ افتقارها التامّ للمعنى، وهذا أكثر واقعية عندي من الحبكات القوطية الميلودرامية المعتادة.

يشبه عالم "صراع العروش" عالم "سيد الخواتم" الروحي لا الإلهي، من حيث وجود قوى خارفة للطبيعة؛ لكنّها جزءٌ من الطبيعة، من دون تلك الآلهة وخدّامها القساوسة الأشدّاء. ومن هذا السياق، تكون خطّة الموسم متماسكة إلى حدٍّ ما. إذ يُظهر الموسم الثامن ثلاثة صراعات متتالية. الأول بين الإنسانية و"الآخرين" اللاإنسانيين (جيش الليل من الشمال تحت قيادة ملك الليل)؛ والثاني بين المجموعتين الرئيسيتين من البشر (آل لانستر الأشرار والتحالف المضاد تحت قيادة دينيرس وآل ستارك)؛ والثالث صراع داخلي بين دينيرس وآل ستارك.

ذلك السبب في أن معارك الموسم الثامن تتّبع مسارًا منطقيًا من معارضة خارجية إلى انقسام الداخلي: هزيمة جيش الليل اللاإنساني، وهزيمة آل لانستر  وتدمير مهبط الملوك (كينجز لاندنغ)؛ والمواجهة الأخيرة بين آل ستارك ودينيرس، وباختصار بين النبلاء "الأخيار" التقليديين (آل ستارك) الحماة المخلصين لرعاياهم ضدّ الطغاة الأشرار، ودينيريس كنوع جديد من القادة الأقوياء، نوع من بونابارتية تقدمية تعمل باسم المحرومين.

أمّا المخاطر والرهانات في الصراع النهائي تتمثل في: هل على الثورة ضدّ الطغيان أن تكون مجرّد معركة من أجل عودة النسخة القديمة الألطف لنفس التسلسل الهرمي، أم يجب أن تتطوّر إلى بحث عن نظام جديد ضروري؟

يواجه المشاهدون المصابون بخيبة أمل مشكلًة مفهومة مع هذا الصراع الأخير، حيث تجمع النهاية بين رفض التغيير الجذري والفكرة القديمة المناهضة للنسوية عند هيغل وشيلنج وفاغنر. ففي "فينومينولوجيا الروح" يجسّد هيغل تصوّره الشهير عن المرأة باعتبارها "مفارقة المجتمع الأبدية"، فالمرأة "تحوّل عبر الدسيسة الغاية الكلّية للحكومة إلى غاية شخصية، فتقلب نشاطها الكلّي إلى أثرٍ لهذا الشخص بعينه، فتغيّر الملكية الكلّية التي للدولة إلى تملّك ورونقٍ للعائلة" (انظر فينومينولوجيا الروح، هيغل، ترجمة: ناجي العونلي، ص506). وتلك السطور شديدة التوافق مع شخصية Ortrud من فيلم Lohengrin. وعند فاغنر، ليس هناك ما هو أكثر فظاعة وإثارة للاشمئزاز من امرأة تتدخّل في الحياة السياسية، تدفعها الرغبة في السلطة.

 فعلى عكس طموحات الرجل، تريد المرأة السلطة من أجل تعزيز مصالحها الأسرية الضيقة، أو الأسوأ من ذلك، نزواتها الشخصية، غير قادرة على إدراك البعد العالمي لسياسات الدولة. وكيف لنا نسيان تأكيد فريدريك شيلنغ على أن "نفس المبادئ التي ترشدنا وتصوننا في حال عدم فعاليتها، تستهلكنا وتدمّرنا ضمن نطاق فعاليتها"- السلطة، التي تكون حميدة ومُطَمئِنَةً عند وجودها في مكانها الصحيح، تتحوّل إلى نقيضها الراديكالي، وتصبح سخطًا مدمّرًا منذ اللحظة التي تنتقل فيها إلى مستوى أعلى، مستوى لا يناسبها.

الأنوثة نفسها التي تشكّل، في نطاق دائرة الحياة العائلية الحميمة، قوّة الحب الحارس، تتحول إلى هيجان فاحش عندما تُعرض على مستوى الشؤون العامّة وشؤون الدولة. 

وبالإشارة إلى أدنى مستوى لحوارات "صراع العروش" عندما أخبرت دينيرس جون سنو، أنه إذا لم يستطع حبّها كملكة، فلا بدّ للخوف أن يسود، تظهر الفكرة المبتذلة المحرجة عن امرأة غير ملبّاة جنسيًا تفجّر غضبًا مدمّرًا.

ولكن، دعونا نعض تفاحنا الحامض الآن، ماذا عن غضب دينيرس المميت؟ هل بالإمكان تبرير القتل الوحشي لآلاف المواطنين العاديين في كينجز لاندنغ كخطوة ضرورية نحو الحرية العالمية؟ ذلك أمرٌ لا يغتفر، لكن في هذه المرحلة، لا بدّ أن نتذكر أن السيناريو كتبه رجلان.

دينيرس كـ"ملكة مجنونة" مجرّد خيال ذكوري، لذا كان النقّاد على حق عندما أشاروا إلى أن انحدارها نحو الجنون لم يكن له ما يبرّره من الناحية السيكولوجية. منظر دينيرس بتعابير وجهها الغاضب، تتطير على ظهر تنّين، تحرق الناس والمنازل، يعرب عن أيدولوجية أبوية مذعورة من امرأة سياسية قوية.

يتوافق قدر النساء القياديات الأخير في صراع العروش مع تلك الإشارات. فجوهر الصراع الواضح بين دينيرس وسيرسي، وهما أمرأتان في السلطة؛ أنه حتى لو فازت دينيرس الخيّرة ودُمّرت سيرسي الشريرة، فالسلطة تفسدها. وآريا (التي أنقذتهم جميعًا بقتل ملك الليل بمفردها) تختفي أيضًا، مبحرة غربًا (كما لو كانت لتستعمر أمريكا).

الوحيدة التي ظلّت (بصفتها ملكة مملكة الشمال ذاتية الحكم) هي سانسا؛ نوع المرأة المحبوب من رأسمالية اليوم: إذ تجمع بين النعومة الأنثوية والتفاهم مع جرعة لا بأس بها من حبك الدسائس، وبالتالي تلائم تمامًا العلاقات الجديدة للسلطة.  يشكّل تهميش النساء عنصرًا مهمًّا داخل الدرس العامّ لليبرالية المحافظة في الختامية: لا بدّ أن تخطئ الثورات وتضل، وتجلب طغيانًا جديدًا.

ألا يحدث الأمر نفسه في فيلم كريستوفر نولان "نهوض فارس الظلام"، الجزء الأخير من ثلاثية باتمان؟ فعلى الرغم من أن بين يلعب دور الشرير الرئيسي إلا أنه يبدو البطل الحقيقي للفيلم أكثر من باتمان نفسه، الذي تحوّل إلى شرير مستعدّ للتضحية بحياته من أجل الحب، ومستعدّ للمخاطرة بكل شيء من أجل ما يؤمن أنه ظلم، تُطمس تلك الحقيقة الأساسية تحت علامات ضحلة واهية لشرٍّ مدمّر. أوليس كيلمونجر بطل فيلم "النمر الأسود" الحقيقي؟ إنه يفضّل الموت حرًّا بدل التعافي والعيش في ترف يخفي التأثير الأخلاقي الذي تركته  كلمات أكاندا الوهمي الأخيرة فورًا بمجرد تذكر أنه شرير.

 من الأفضل تلخيص الدرس الليبرالي المحافظ بما قاله جون لدينيرس:

"من يتبعونك يعلمون أنك حققت شيئًا مستحيلًا، لعل ذلك ساعدهم على الاعتقاد باستطاعتك تحقيق أشياء مستحيلة أخرى، وبناء عالم يختلف عن هذا العالم اللعين الذي طالما عرفوه. لكن إذا استخدمت تنانينك لإذابة القلاع وحرق المدن، فلا فرق بينكم".

 اقرأ/ي أيضًا: Game of Thrones.. اربطوا الأحزمة

وبناءً على ذلك، يقتل من أجل الحبّ (ينقذ المرأة الملعونة من نفسها، كما تقول الصيغة الشوفينية القديمة) الكيان الاجتماعي الوحيد في المسلسل الذي ناضل حقًا من أجل شيء جديد، من أجل عالم جديد يضع حدًا للمظالم القديمة. إذًا سادت العدالة، ولكن أي نوع من العدالة؟

عُيّن كل شخص في مكانه، وقتلت دينيرس، وبران الملك الجديد: مشلول، ويعرف كل شيء، ولا يريد شيئًا، مع استحضار حكمة كاذبة مفادها أن أفضل الحكّام هم أولئك الذين لا يريدون السلطة. الضحك المزدري الناجم عن اقتراح إحدى النخب الجديدة انتخابات أكثر ديمقراطية للملك يخبرنا بكل شيء، ويظهر نمط من تعنت الصواب السياسي، فالحاكم الآن شخص معاق، ومساعده قزم، وتختاره نخبة جديدة حكيمة.

أثار الموسم الأخير من مسلسل "صراع العروش" Game Of Thrones غضبًا شعبيًا بلغ ذروته في عريضة التماس (وقّعها قرابة مليون مشاهد ساخط) تطالب بتنحية الموسم الأخير كاملًا وإعادة إنتاج موسم جديد

ولا يسع المرء إلا أن يلاحظ أن أولئك المخلصين لدينيرس حتى النهاية شديدو التنوّع وآتون من الشرق، فقائدها العسكري أسود، في حين أن الحكام الجدد من البيض الشماليين. وتمّ القضاء على الملكة الراديكالية التي أرادت المزيد من الحرية للجميع بغض النظر عن مكانتهم الاجتماعية وعرقهم، وعادت الأمور إلى طبيعتها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

 الجزء الأخير من "Game of Thrones".. حرب على التسريبات